النظام‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬القصيدة

‬القصيدةُ‭ ‬الحقيقية‭ ‬هي‭ ‬محاولة‭ ‬لكشفِ‭ ‬البُنى‭ ‬الاجتماعية‭ ‬‭-‬بكل‭ ‬تفاصيلها‭-‬‭ ‬في‭ ‬ثقافة‭ ‬المجتمع،‭ ‬واكتشافِ‭ ‬الأنساق‭ ‬اللغوية‭ ‬المعتمِدة‭ ‬على‭ ‬التجريد‭ ‬والتعرية،‭ ‬والذهابِ‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬النَّص‭ ‬بُغية‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬صيغة‭ ‬معرفية‭ ‬متكاملة‭. ‬والأفكارُ‭ ‬عِبارة‭ ‬عن‭ ‬بذرة‭ ‬تَنتظر‭ ‬مَن‭ ‬يأتي‭ ‬ليَسقيها‭ ‬ويُنَمِّيها‭. ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬مُتعة‭ ‬التراكم‭ ‬المعرفي‭. ‬وكما‭ ‬هو‭ ‬معلوم،‭ ‬لَيس‭ ‬شرطاً‭ ‬أن‭ ‬يَكون‭ ‬الزارع‭ ‬هو‭ ‬الحاصد‭. ‬والعِلْمُ‭ ‬هو‭ ‬تراكمات‭ ‬مستمرة‭ ‬تتحرك‭ ‬في‭ ‬الأزمنة‭ ‬المختلفة،‭ ‬والأمكنةِ‭ ‬المتغيِّرة‭. ‬وليس‭ ‬بِوسْعِ‭ ‬أحدٍ‭ ‬بمفرده‭ ‬تشكيل‭ ‬عِلْمٍ‭ ‬قائم‭ ‬بذاته‭. ‬ففي‭ ‬أحسن‭ ‬الأحوال،‭ ‬يَستطيع‭ ‬المبدِعُ‭ ‬وَضْعَ‭ ‬الأصول،‭ ‬أو‭ ‬الفروع،‭ ‬أو‭ ‬إيجاد‭ ‬روابط‭ ‬بين‭ ‬الفروع‭ ‬والأصول‭.‬

الجديد  إبراهيم أبو عواد [نُشر في 01/06/2017، العدد: 29، ص(58)]

لوحة: عزة الشريف
وفي هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬تأصيل‭ ‬القضية‭ ‬الشِّعرية،‭ ‬وَوَضْع‭ ‬الأسسِ‭ ‬المعرفية‭ ‬للنظام‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬القصيدة،‭ ‬وترسيخ‭ ‬جُذور‭ ‬عِلْم‭ ‬اجتماع‭ ‬القصيدة،‭ ‬وإظهار‭ ‬العلاقات‭ ‬المتشابكة‭ ‬في‭ ‬المأزق‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للثقافة،‭ ‬وإبراز‭ ‬معالم‭ ‬فلسفة‭ ‬الشِّعر‭. ‬وكلُّ‭ ‬هذه‭ ‬المحاولات‭ ‬الحثيثة‭ ‬هي‭ ‬شرارة‭ ‬معرفية،‭ ‬أو‭ ‬عملية‭ ‬رمي‭ ‬حَجَر‭ ‬في‭ ‬الماء‭ ‬الراكد‭.‬

‮ ‬ولا‭ ‬يخفَى‭ ‬أن‭ ‬الإيمان‭ ‬بالقضايا‭ ‬الكبرى‭ ‬هو‭ ‬المنطلق‭ ‬الحقيقي‭ ‬لأنسنةِ‭ ‬السلوك‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وتوضيحِ‭ ‬القيم‭ ‬العاطفية‭ ‬الثورية‭. ‬وقد‭ ‬آن‭ ‬الأوان‭ ‬لإرجاع‭ ‬الأدب‭ ‬إلى‭ ‬إنسانية‭ ‬المجتمع‭ ‬المتحرك‭ ‬في‭ ‬ماديةٍ‭ ‬عمياء‭ ‬شرسة‭. ‬ويمكن‭ ‬القول‭ ‬إِن‭ ‬الأدبَ‭ ‬هو‭ ‬القوةُ‭ ‬الفاعلة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الفرد،‭ ‬والمحرِّكُ‭ ‬الحقيقي‭ ‬للجماعة‭. ‬فهو‭ ‬المعبِّر‭ ‬عن‭ ‬الطموحات‭ ‬الكبرى،‭ ‬والآمالِ‭ ‬العريضة،‭ ‬والتاريخِ‭ ‬الحضاري‭. ‬وإِنَّ‭ ‬إقصاءه‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬العامة‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬توسيع‭ ‬الفَجْوة‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬وإنسانيته،‭ ‬وقتل‭ ‬الهوية‭ ‬الجماعية‭ ‬للحضارة‭ ‬البشرية،‭ ‬وتحويل‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬وحش‭.‬

‮ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬المنظور‭ ‬الكُلِّي،‭ ‬يَبْرز‭ ‬النظامُ‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬القصيدة‭ ‬كحالة‭ ‬معرفية‭ ‬شاملة،‭ ‬وتَبْرز‭ ‬‭-‬كذلك‭-‬‭ ‬القوةُ‭ ‬الضاربة‭ ‬لهذا‭ ‬النظام،‭ ‬ألا‭ ‬وهي‭ ‬‮«‬عِلْم‭ ‬اجتماع‭ ‬القصيدة‮»‬‭. ‬فالنظامُ‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬القصيدة‭ ‬بمثابة‭ ‬حاسة‭ ‬البصر،‭ ‬وعِلْم‭ ‬اجتماع‭ ‬القصيدة‭ ‬بمثابة‭ ‬عملية‭ ‬النَّظر‭. ‬وبالتالي،‭ ‬فهما‭ ‬كيان‭ ‬واحد‭ ‬متكامل‭ ‬لا‭ ‬مكان‭ ‬فيه‭ ‬للانفصال‭ ‬أو‭ ‬التعارض‭. ‬و‮»‬عِلْم‭ ‬اجتماع‭ ‬القصيدة‮»‬‭ ‬هو‭ ‬العِلْم‭ ‬الذي‭ ‬يَدْرس‭ ‬القصيدةَ‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬مجتمعٌ‭ ‬متحركٌ‭ ‬ذهنياً‭ ‬وواقعياً،‭ ‬ويقومُ‭ ‬بتشريحه‭ ‬إلى‭ ‬أنويته‭ ‬الأساسية‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬الانبعاث‭ ‬المتجدِّد،‭ ‬ويُحدِّد‭ ‬قيمَ‭ ‬الاندماجِ‭ ‬والتمايزِ‭ ‬والحقيقةِ‭ ‬والمجازِ‭ ‬في‭ ‬بؤرة‭ ‬الْحُلْم‭ ‬الشِّعري‭.‬

‮ ‬و‮»‬عِلْمُ‭ ‬اجتماع‭ ‬القصيدة‮»‬‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تُرافقه‭ ‬نزعةٌ‭ ‬إنسانية‭ ‬تضع‭ ‬يدَها‭ ‬على‭ ‬أحاسيس‭ ‬الكائنات‭ ‬الحية،‭ ‬فَسَوْف‭ ‬يغدو‭ ‬عِلْماً‭ ‬فلسفياً‭ ‬غارقاً‭ ‬في‭ ‬التنظير‭ ‬والتجريد‭ ‬والعُقم‭ ‬والملل‭. ‬والتعويلُ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬إِنما‭ ‬هو‭ ‬على‭ ‬اللغة‭ ‬الشِّعرية،‭ ‬والرِّهانُ‭ ‬الحقيقي‭ ‬يَكون‭ ‬على‭ ‬فلسفة‭ ‬اللغة‭. ‬فاللغةُ‭ ‬تؤسس‭ ‬عِلْمَ‭ ‬اقتصاد‭ ‬خاصاً‭ ‬بها،‭ ‬حيث‭ ‬يتمُّ‭ ‬وَضْعُ‭ ‬الألفاظ‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬المعاني،‭ ‬وَوَضْعُ‭ ‬المعاني‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬الألفاظ،‭ ‬وَوَضْعُ‭ ‬الألفاظِ‭ ‬والمعاني‭ ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬مدى‭ ‬ممكن‭. ‬ويمكن‭ ‬القول‭ ‬إِن‭ ‬اللغةَ‭ ‬هي‭ ‬اقتصادُ‭ ‬الوعي،‭ ‬واختزالُ‭ ‬الذِّهن‭. ‬وهذان‭ ‬المفهومان‭ ‬يَضَعَان‭ ‬الذاكرةَ‭ ‬الإنسانية في‭ ‬أقصى‭ ‬مداها‭ ‬الشِّعري‭.‬

‮ ‬وكلُّ‮ ‬الفلسفات‭ ‬الذهنية‭ ‬التثويرية‭ ‬كامنةٌ‭ ‬في‭ ‬اللغة،‭ ‬فاللغةُ‭ ‬هي‭ ‬العوالِمُ‭ ‬الملموسة،‭ ‬والعوالِمُ‭ ‬المتخيَّلة‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬معاً‭. ‬ونحن‭ ‬‭-‬عِندما‭ ‬نتعامل‭ ‬مع‭ ‬رمزية‭ ‬اللغة‭-‬‭ ‬لا‭ ‬نَهْرب‭ ‬من‭ ‬واقعية‭ ‬الأنساق‭ ‬الواقعية،‭ ‬ولا‭ ‬نَخترع‭ ‬لحظاتِ‭ ‬صِدام‭ ‬بين‭ ‬اللفظ‭ ‬والمعنى،‭ ‬وإِنما‭ ‬نَقْذف‭ ‬ذواتنا‭ ‬في‭ ‬فوهة‭ ‬الكلمة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تشكيل‭ ‬المشاعرِ‭ ‬الإنسانية‭ ‬والعناصرِ‭ ‬الطبيعية‭ ‬على‭ ‬صورة‭ ‬ثورات‭ ‬معرفية‭ ‬مستمرة‭. ‬وهذا‭ ‬التثويرُ‭ ‬المتواصل‭ ‬يَحْقِنُ‭ ‬القصيدةَ‭ ‬بالحراكِ‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وانفجاراتِ‭ ‬الأبجدية‭. ‬ومهما‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬أمر‭ ‬فالكتابةُ‭ ‬الشِّعرية‭ ‬ستظل‭ ‬واقعيةَ‭ ‬الوجود‭ ‬البشري‭ ‬الذي‭ ‬يتحرك‭ ‬باتجاه‭ ‬حُلْمٍ‭ ‬لا‭ ‬تأكله‭ ‬إحباطاتُ‭ ‬السياسة،‭ ‬وانهياراتُ‭ ‬العناصر‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬ومَوْروثُ‭ ‬الوهمِ،‭ ‬وميراثُ‭ ‬القمع‭. ‬وسَوْفَ‭ ‬تظل‭ ‬اللغةُ‭ ‬نداءَ‭ ‬غريزةِ‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬تضاريس‭ ‬الْحُلْم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الكُلِّي‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الزخم‭ ‬الفكري،‭ ‬سيصبح‭ ‬جسدُ‭ ‬القصيدةِ‭ ‬تجسيداً‭ ‬للمعرفة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وصورةً‭ ‬حيَّة‭ ‬للمعنى‭ ‬المتمركز‭ ‬في‭ ‬مدارات‭ ‬الوجود‭ ‬الحالم‭. ‬وهذا‭ ‬يَمنع‭ ‬نشوءَ‭ ‬عداوة‭ ‬بين‭ ‬الشاعر‭ ‬ولُغته‭.‬

تخطيط: حسين جمعان

‮ ‬والقصيدةُ‭ ‬هي‭ ‬الثورة‭ ‬الذهنية‭ ‬الواقعية‭ ‬الأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬استشراف‭ ‬الواقع‭ ‬المتخيَّل،‭ ‬ذلك‭ ‬الواقع‭ ‬المعجون‭ ‬بالطموح‭ ‬الإنساني‭ ‬الواعي‭. ‬وحريٌّ‭ ‬بنا‭ ‬أن‭ ‬نَدْرس‭ ‬القصيدةَ‭ ‬بوصْفها‭ ‬كائناً‭ ‬حَيَّاً‭ ‬يَسْتشرف‭ ‬أحلامَ‭ ‬المستقبَل،‭ ‬ويُحوِّلها‭ ‬إلى‭ ‬مسارٍ‭ ‬فكري‭ ‬وطريقةٍ‭ ‬معرفية‭ ‬لفهم‭ ‬تحولات‭ ‬الذات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬والغَوْصِ‭ ‬في‭ ‬أعماقها‭ ‬الشِّعرية‭. ‬والقصيدةُ‭ ‬كَيْنونةُ‭ ‬شُعورية‭ ‬قائمة‭ ‬بذاتها،‭ ‬تَجْمع‭ ‬قِيَمَ‭ ‬الموتِ‭ ‬والحياةِ،‭ ‬ولَيست‭ ‬مَعنيةً‭ ‬بتأريخ‭ ‬الوقائع‭ ‬الاجتماعية‭. ‬فهذه‭ ‬مهمةُ‭ ‬المؤرِّخ‭ ‬لا‭ ‬الشاعر‭. ‬فالشاعرُ‭ ‬يَسعى‭ ‬‭-‬بكل‭ ‬ما‭ ‬أُوتِيَ‭ ‬من‭ ‬مهارة‭ ‬وثقافة‭-‬‭ ‬إلى‭ ‬إعادةِ‭ ‬تشكيل‭ ‬الواقع‭ ‬وَفق‭ ‬منظور‭ ‬سِحري،‭ ‬وصناعةِ‭ ‬القصيدة‭ ‬‭(‬السَّبيكة‭ ‬الوجودية‭ ‬المتميِّزة‭)‬‭ ‬باعتبارها‭ ‬ظاهرةً‭ ‬شُمولية‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬صياغة‭ ‬الأبعاد‭ ‬المعرفية‭ ‬في‭ ‬قوالب‭ ‬كاسرة‭ ‬للقَوْلبة‭ ‬والتقليدية‭. ‬وهكذا،‭ ‬يُوضَع‭ ‬النَّصُّ‭ ‬الشِّعري‭ ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬مداه‭ ‬الإنساني،‭ ‬فيُصبح‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬اجتثاثُ‭ ‬الطموحِ‭ ‬الفردي‭ ‬أو‭ ‬اقتلاعُ‭ ‬الْحُلْمِ‭ ‬الجماعي‭. ‬ولا‭ ‬بُدَّ‭ ‬من‭ ‬كسر‭ ‬الحواجز‭ ‬التي‭ ‬تُوضَع‭ ‬بين‭ ‬الشاعر‭ ‬وجنينه‭ ‬الشِّعري،‭ ‬وبين‭ ‬الشاعر‭ ‬والمتلقّي،‭ ‬وبين‭ ‬الجنين‭ ‬الشِّعري‭ ‬والمتلقي‭. ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يتأتى‭ ‬إلا‭ ‬بالعمل‭ ‬الجاد‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬صناعة‭ ‬منظور‭ ‬فكري‭ ‬يَسْتلهم‭ ‬الأبعادَ‭ ‬الرمزية‭ ‬للحضارةِ‭ ‬واللغةِ‭. ‬والقصيدةُ‭ ‬هي‭ ‬ثورةُ‭ ‬المجتمع‭ ‬المثالي‭ ‬العابرة‭ ‬لحدود‭ ‬الزمكان‭ ‬‭(‬الزمان‭-‬المكان‭)‬‭. ‬وحِين‭ ‬يتمُّ‭ ‬بناءُ‭ ‬الفلسفة‭ ‬الشِّعرية‭ ‬على‭ ‬رمزية‭ ‬اللغة،‭ ‬فإِن‭ ‬النَّص‭ ‬سَوْف‭ ‬يُسيطر‭ ‬على‭ ‬مفاصل‭ ‬المجتمع‭ ‬شُعورياً‭ ‬وواقعياً‭. ‬وهذا‭ ‬ليس‭ ‬غريباً،‭ ‬فالشِّعرُ‭ ‬كيمياء‭ ‬خاصة‭. ‬والفلسفةُ‭ ‬الشِّعرية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬اللغة،‭ ‬واللغةُ‭ ‬هي‭ ‬المرجعية‭ ‬الفلسفية‭ ‬للشِّعر‭.‬

‮ ‬إِن‭ ‬القصيدةَ‭ ‬تَحْفظ‭ ‬شبابَ‭ ‬اللغة،‭ ‬وتؤسس‭ ‬مجتمعاً‭ ‬كلماتياً‭ ‬خاصاً‭ ‬بها‭. ‬وهذا‭ ‬المجتمعُ‭ ‬يُمثِّل‭ ‬فِعلاً‭ ‬اجتماعياً‭ ‬يُزاوج‭ ‬بين‭ ‬الرمزِ‭ ‬اللغوي‭ ‬والتاريخِ‭ ‬الحضاري‭ ‬للإنسان‭. ‬والقصيدةُ‭ ‬تَموت‭ ‬في‭ ‬ولادة‭ ‬الشاعر،‭ ‬وتُولَد‭ ‬مِن‭ ‬مَوْتها‭ ‬كي‭ ‬تحيا‭ ‬حاملةً‭ ‬معها‭ ‬حياةَ‭ ‬العناصر‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الكتابةَ‭ ‬الشِّعريةَ‭ ‬مَوْتٌ‭ ‬مُتتابِع‭ ‬لكي‭ ‬يُولَد‭ ‬المعنى‭. ‬أمَّا‭ ‬العاطفةُ‭ ‬الشِّعرية‭ ‬فهي‭ ‬حفلة‭ ‬زواج‭ ‬بين‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات،‭ ‬تَظْهر‭ ‬حقائق‭ ‬أساسية‭ ‬تتعلق‭ ‬بمسار‭ ‬القصيدة‭ ‬ومصيرها،‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭: ‬القصيدةُ‭ ‬هي‭ ‬الوعاء‭ ‬الإنساني‭ ‬الأكثر‭ ‬قدرةً‭ ‬على‭ ‬تجسيد‭ ‬بَراعةِ‭ ‬اللغة‭ ‬ولمعانِها‭ ‬الصاعق‭. ‬والقصيدةُ‭ ‬هي‭ ‬انتقام‭ ‬الضحية‭ ‬من‭ ‬الجلاد،‭ ‬وهي‭ ‬تعويضٌ‭ ‬معنوي‭ ‬للمظلومين‭ ‬في‭ ‬عالَم‭ ‬ظالم‭. ‬والقصيدةُ‭ ‬وطنُ‭ ‬مَن‭ ‬لا‭ ‬وطن‭ ‬له‭. ‬وكما‭ ‬هو‭ ‬معلوم،‭ ‬لا‭ ‬تُوجَد‭ ‬معركة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬المعركة،‭ ‬وكذلك،‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬قصيدة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬القصيدة‭.‬


كاتب من الأردن