جذور‭ ‬المثاقفة

تعد‭ ‬المثاقفة‭ ‬رافدا‭ ‬مهما‭ ‬وضرورة‭ ‬حيوية‭ ‬فرضتها‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬التأثير‭ ‬والتأثر‭ ‬والتفاعل‭ ‬والتلاقح‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬ثقافة‭ ‬مغايرة‭ ‬تسعى‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬الأمم‭ ‬إلى‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬الآخر‭ ‬والتأثر‭ ‬به‭. ‬ويعتبر‭ ‬هذا‭ ‬الشكل‭ ‬من‭ ‬التواصل‭ ‬بين‭ ‬الثقافات‭ ‬بـالمثاقفة‭ ‬Acculturation،‭ ‬وهي‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬الغزو‭ ‬الثقافي‭ ‬الذي‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬محو‭ ‬الآخر‭ ‬وهويته‭ ‬بعدوانية،‭ ‬وسلب‭ ‬خصوصيته‭. ‬كما‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬أوجه‭ ‬التبادل‭ ‬الثقافي‭ ‬بين‭ ‬الحضارات‭. ‬وترجع‭ ‬أهمية‭ ‬المثاقفة‭ ‬في‭ ‬التفاعل‭ ‬بين‭ ‬‮«‬الذات‮»‬‭ ‬و‮»‬الآخر‮»‬‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إغناء‭ ‬الآداب‭ ‬القومية‭ ‬وفتح‭ ‬مجال‭ ‬الحوار‭ ‬بين‭ ‬ثقافتين‭ ‬مختلفتين‭.‬ إذن،‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬أصول‭ ‬أو‭ ‬جذور‭ ‬المثاقفة،‭ ‬وكيف‭ ‬تحققت‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬القنوات‭ ‬التي‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬انتشارها؟‭ ‬وهل‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬إغناء‭ ‬الثقافة‭ ‬القومية؟ سنقف‭ ‬عند‭ ‬تحديد‭ ‬مفهوم‭ ‬المثاقفة‭ ‬لغة‭ ‬واصطلاحاً‭ ‬حتى‭ ‬نتعرف‭ ‬على‭ ‬حقيقة‭ ‬هذا‭ ‬المصطلح‭ ‬ودوره‭.

الجديد  مها بنسعيد [نُشر في 01/06/2017، العدد: 29، ص(66)]

لوحة: حمد الحناوي
جاء في‭ ‬لسان‭ ‬العرب‭: ‬ثَقِفَ‭ ‬الشيء‭ ‬ثِقَافًا‭ ‬وثُقُوفة،‭ ‬حذقه‭. ‬ورجل‭ ‬ثَقْفٌ‭ ‬وثَقِفٌ‭ ‬وثَقُفٌ‭: ‬حاذق‭ ‬فهم‭ ‬وأتبعوه‭ ‬فقالوا‭ ‬ثَقْفٌ‭ ‬لَقْفٌ‮…‬‭ ‬ويقال‭ ‬ثَقِفَ‭ ‬الشيء،‭ ‬وهو‭ ‬سرعة‭ ‬التعلم‮…‬‭ ‬وثَقُفَ‭ ‬الرجل‭ ‬ثقافة‭ ‬أي‭ ‬صار‭ ‬حاذقا‭ ‬خفيفا‭ ‬مثل‭ ‬ضَخُمَ،‭ ‬فهو‭ ‬ضَخْم،‭ ‬ومنه‭ ‬المثاقفة‭. ‬‭(‬ابن‭ ‬منظور،‭ ‬لسان‭ ‬العرب،‭ ‬،ص‭ ‬22‭)‬‭.‬

وتعرِّف‭ ‬موسوعة‭ ‬Encyclopedia‭ ‬Universalis‭ ‬المثاقفة‭ ‬بكونها‭: ‬دراسة‭ ‬لمعظم‭ ‬الإجراءات،‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬عندما‭ ‬تتصل‭ ‬ثقافتان‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭. ‬فتؤثر‭ ‬الواحدة‭ ‬في‭ ‬الأخرى‭. ‬اكتشفتها‭ ‬أنثروبولوجيا‭ ‬أميركا‭ ‬الشمالية‭ ‬عام‭ ‬1880‭ ‬وقد‭ ‬فرضت‭ ‬نفسها‭ ‬ضمن‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المصطلحات‭ ‬الأوروبية‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬الخصوص‭:‬

‭ ‬‭ ‬التبادل‭ ‬الثقافي

‭ ‬التحول‭ ‬الثقافي

‭ ‬تداخل‭ ‬الحضارات

‭ ‬للمثاقفة‭ ‬اصطلاحات‭ ‬عدة‭. ‬فقد‭ ‬استعمل‭ ‬الإنكليز‭ ‬مصطلح‭ ‬التبادل‭ ‬الثقافي،‭ ‬واستعمل‭ ‬الإسبان‭ ‬مصطلح‭ ‬التحول‭ ‬الثقافي،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬نجد‭ ‬الفرنسيين‭ ‬فضلوا‭ ‬مصطلح‭ ‬تداخل‭ ‬الحضارات‭. ‬لكن‭ ‬يبقى‭ ‬مصطلح‭ ‬المثاقفة،‭ ‬هو‭ ‬الأكثر‭ ‬تداولاً‭ ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬بعض‭ ‬الدارسين،‭ ‬بحضورها‭ ‬واتساع‭ ‬مجالها‭.‬

يعرف‭ ‬روجيه‭ ‬باستيد‭ ‬المثاقفة‭ ‬بأنها‭ ‬علاقة‭ ‬تفاعلية‭ ‬تطبيقية‭ ‬بين‭ ‬ثقافتين‭ ‬مختلفتين‭ ‬أو‭ ‬أكثر،‭ ‬نشأت‭ ‬جراء‭ ‬توليد‭ ‬علاقة‭ ‬تتميز‭ ‬بتبادل‭ ‬الخبرات‭. ‬وفي‭ ‬مقابل‭ ‬ذلك‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الاستلاب‭ ‬الثقافي‭ ‬الذي‭ ‬يقصد‭ ‬به‭ ‬تطور‭ ‬علاقة‭ ‬المثاقفة‭ ‬إلى‭ ‬انسلاخ‭ ‬من‭ ‬الذاتية‭ ‬الثقافية‭ ‬واعتناق‭ ‬لثقافة‭ ‬الآخر‭. ‬وقد‭ ‬ظهر‭ ‬مصطلح‭ ‬المثاقفة‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭-‬‭ ‬في‭ ‬الأنثربولوجيا‭ ‬الأميركية‭ ‬سنة‭ ‬1880،‭ ‬لدراسة‭ ‬التفاعل‭ ‬الحاصل‭ ‬بين‭ ‬الأنساق‭ ‬الثقافية‭ ‬للمهاجرين‭ ‬الجدد‭ ‬في‭ ‬أميركا،‭ ‬وأول‭ ‬من‭ ‬استعمله‭ ‬هو‭ ‬العالم‭ ‬الأنتروبولوجي‭ ‬الأميركي‭ ‬جون‭ ‬ويسلي‭ ‬باوول‭ ‬المتوفي‭ ‬عام‭ ‬1902‭. ‬وفي‭ ‬سنة‭ ‬1936‭ ‬تم‭ ‬اعتماد‭ ‬مصطلح‭ ‬المثاقفة‭.‬

ينتمي‭ ‬مصطلح‭ ‬المثاقفة‭ ‬إلى‭ ‬الحقل‭ ‬المفهومي‭ ‬للأنثروبولوجيا‭ ‬الثقافية‭ ‬وعلم‭ ‬الاجتماع،‭ ‬وتعرف‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬ظاهرة‭ ‬تأثير‭ ‬وتأثر‭ ‬الثقافات‭ ‬فيما‭ ‬بينها،‭ ‬بفعل‭ ‬عملية‭ ‬الاتصال‭ ‬الواقعة‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬ثقافات‭ ‬أخرى‭ ‬غريبة‭ ‬عنها‭. ‬‮«‬وهي‭ ‬العملية‭ ‬التي‭ ‬تنتقل‭ ‬بها‭ ‬الثقافة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اتصالات‭ ‬مستمرة‭ ‬مباشرة‭ ‬بين‭ ‬جماعات‭ ‬ذات‭ ‬ثقافات‭ ‬مختلفة‮»‬‭. ‬‭(‬عماد‭ ‬عبد‭ ‬الغني،‭ ‬سوسيولوجيا‭ ‬الثقافة‭ ‬المفاهيم‭ ‬والإشكالات‮…‬‭ ‬من‭ ‬الحداثة‭ ‬إلى‭ ‬العولمة،‭ ‬ص‭ ‬310‭)‬‭.‬

بهذا‭ ‬تكون‭ ‬المثاقفة‭ ‬رافدا‭ ‬تسعى‭ ‬كل‭ ‬أمة‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬الآخر‭ ‬والاستفادة‭ ‬منه‭ ‬لتنمية‭ ‬كيانها‭ ‬الثقافي،‭ ‬مع‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬هويتها‭. ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬لأيّ‭ ‬حضارة‭ ‬أن‭ ‬تزدهر‭ ‬بدون‭ ‬التفاعل‭ ‬مع‭ ‬الحضارات‭ ‬المعاصرة‭ .‬

يميز‭ ‬المؤرخون‭ ‬بين‭ ‬نوعين‭ ‬من‭ ‬المثاقفة‭:‬

‭ ‬المثاقفة‭ ‬التلقائية‭: ‬وتندرج‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬التلاقحات‭ ‬الناتجة،‭ ‬والناجمة‭ ‬عن‭ ‬الحروب،‭ ‬وعن‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬العبيد‭ ‬أو‭ ‬الاتصالات‭ ‬السلمية‭ ‬بواسطة‭ ‬التجارة‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الشأن‭ ‬بكندا‭ ‬والشمال‭ ‬الحالي‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأميركية؛

‭ ‬المثاقفة‭ ‬المفروضة‭: ‬وتتم‭ ‬عبر‭ ‬سيطرة‭ ‬الأوروبيين‭ ‬بصفة‭ ‬مباشرة‭ ‬وبالقوة‭ ‬على‭ ‬الهنود‭ ‬مثلا،‭ ‬وذلك‭ ‬بعد‭ ‬هضم‭ ‬حقوقهم‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية،‭ ‬والمس‭ ‬بشعائرهم‭ ‬الدينية‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬بالفعل‭ ‬بكل‭ ‬من‭ ‬المكسيك،‭ ‬والبيرو‭ ‬غداة‭ ‬الاكتشافات‭ ‬الجغرافية‭ ‬الكبرى‭.‬

تنقسم‭ ‬المثاقفة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬مسارها‭ ‬ونتائجها‭ ‬إلى‭ ‬مستويين‭:‬

‭ ‬نمط‭ ‬الدمج‭: ‬ويتميز‭ ‬باقتباس‭ ‬النمط‭ ‬المحلي‭ ‬لعناصر‭ ‬أجنبية،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬قيم‭ ‬الثقافة‭ ‬المحلية‭.‬

‭ ‬نمط‭ ‬التمثل‭: ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تتشبع‭ ‬الثقافة‭ ‬المحلية‭ ‬بعناصر‭ ‬الثقافة‭ ‬الغربية‭. ‬يوازيه‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬التقاليد‭ ‬المحلية‭ ‬والانقياد‭ ‬لقيم‭ ‬المجتمع‭ ‬المسيطر‭. ‬‭(‬خليل‭ ‬السعدني،‭ ‬مساءلة‭ ‬مفهوم‭ ‬المثاقفة،‭ ‬فكر‭ ‬ونقد،ع‭ ‬16،1999،‭ ‬ص‭ ‬36‭)‬‭.‬

بدأت‭ ‬المثاقفة‭ ‬مع‭ ‬نابليون‭ ‬بونابرت‭ ‬عام‭ ‬1797،‭ ‬عندما‭ ‬قدم‭ ‬إلى‭ ‬مصر‭ ‬وعبّر‭ ‬عن‭ ‬انتمائه‭ ‬للمنظومة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬بقوله‭ ‬‮«‬إننا‭ ‬نحن‭ ‬المسلمين‭ ‬الحقيقيين‮»‬،‭ ‬فقام‭ ‬بإرسال‭ ‬بعثات‭ ‬لإنشاء‭ ‬دراسات‭ ‬حول‭ ‬مصر،‭ ‬وذلك‭ ‬بجمع‭ ‬حقائق‭ ‬عن‭ ‬تراثها،‭ ‬وثقافتها‭ ‬وبذلك‭ ‬وصلوا‭ ‬إلى‭ ‬تأليف‭ ‬ثلاثة‭ ‬وعشرين‭ ‬مجلداً‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬سنتي‭ ‬‭(‬1809‭-‬1828‭)‬،‭ ‬ونظراً‭ ‬لهذه‭ ‬النتيجة‭ ‬الاستعمارية‭ ‬قامت‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬فرص‭ ‬تحديثية‭ ‬معتمدة‭ ‬على‭ ‬نماذج‭ ‬غربية‭.‬

تمت‭ ‬المثاقفة‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬عبر‭ ‬طرق‭ ‬عدة‭ ‬من‭ ‬ضمنها‭ ‬الرحلة‭ ‬التي‭ ‬اتخذت‭ ‬طابعا‭ ‬فكريا‭ ‬وأدبيا،‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬إذكاء‭ ‬التواصل‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬والتعرف‭ ‬إليه؛‭ ‬فكانت‭ ‬وجهة‭ ‬الرحالة‭ ‬الشرقيين‭ ‬للديار‭ ‬الفرنسية‭ ‬بِعَدِّها‭ ‬عاصمة‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭.‬

أثرت‭ ‬رحلة‭ ‬رافع‭ ‬رفاعة‭ ‬الطهطاوي‭ ‬إلى‭ ‬باريس‭ ‬في‭ ‬24‭ ‬أبريل‭ ‬1826‭ ‬على‭ ‬تاريخ‭ ‬الأدب‭ ‬العربي،‭ ‬وذلك‭ ‬بنقله‭ ‬مظاهر‭ ‬الثقافة‭ ‬الغربية،‭. ‬واستمرت‭ ‬رحلته‭ ‬ست‭ ‬سنوات،‭ ‬تعلم‭ ‬في‭ ‬بدايتها‭ ‬اللغة‭ ‬الفرنسية‭. ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬رحلته‭ ‬ضمن‭ ‬البعثات‭ ‬التي‭ ‬أرسلها‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬باشا‭ ‬إلى‭ ‬فرنسا‭ ‬في‭ ‬محاولته‭ ‬إدخال‭ ‬الإصلاحات‭ ‬إلى‭ ‬مصر‭. ‬وتمثل‭ ‬رحلته‭ ‬اللقاء‭ ‬الأول‭ ‬بين‭ ‬الفكر‭ ‬الإسلامي‭ ‬الأصيل،‭ ‬وبين‭ ‬الحضارة‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬أوج‭ ‬عنفوانها‭ ‬عقب‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية‭. ‬‮«‬وخلال‭ ‬تواجده‭ ‬بفرنسا‭ ‬اطلع‭ ‬على‭ ‬أعمال‭ ‬الكتاب‭ ‬الفرنسيين‭ ‬أمثال‭: ‬فرانسوا‭ ‬ماري‭ ‬أرويه‭ ‬المعروف‭ ‬بـفولتير‭ ‬وجون‭ ‬جاك‭ ‬روسو،‭ ‬ومونتسكيو‭ ‬وغيرهم‭.‬

لوحة: صفوان داحول

يعد‭ ‬كتاب‭ ‬تخليص‭ ‬الإبريز‭ ‬في‭ ‬تلخيص‭ ‬باريس‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬كتب‭ ‬الرحلات‭ ‬العربية‭ ‬صدر‭ ‬عام‭ ‬1934،‭ ‬بالقاهرة‭ ‬بعد‭ ‬ثلاثة‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬العودة‭ ‬من‭ ‬باريس،‭ ‬ترجم‭ ‬إلى‭ ‬الألمانية‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬‘مسلم‭ ‬يكتشف‭ ‬أوروبا’‭. ‬وصف‭ ‬فيه‭ ‬رافع‭ ‬رفاعة‭ ‬الطهطاوي‭ ‬المجتمع‭ ‬الفرنسي‭ ‬وتحدث‭ ‬عن‭ ‬انطباعاته‭ ‬وعن‭ ‬النظم‭ ‬السياسية‭: ‬الدستور،‭ ‬والحكومة،‭ ‬والشعب،‭ ‬وعادات‭ ‬وتقاليد‭ ‬المجتمع،‭ ‬والمرأة،‭ ‬والفنون‭ ‬والطبقات‭ ‬الاجتماعية‮…‬‭ ‬وهو‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬كتب‭ ‬الرحلات‭ ‬الأوروبية‭ ‬لكونه‭ ‬يستهدف‭ ‬المعرفة‭ ‬والاطلاع‭ ‬على‭ ‬منجزات‭ ‬الحضارة‭ ‬الإنسانية‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬انطباع‭ ‬الطهطاوي‭ ‬عن‭ ‬أوروبا‭ ‬بأنها‭ ‬بلاد‭ ‬كفر‭ ‬وعناد،‭ ‬وأن‭ ‬سبب‭ ‬إرساله‭ ‬إلى‭ ‬الغرب‭ ‬هو‭ ‬تفوقه‭ ‬وبراعة‭ ‬أهله‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬جلب‭ ‬العلوم‭ ‬إلى‭ ‬ديار‭ ‬الإسلام،‭ ‬وحث‭ ‬المسلمين‭ ‬على‭ ‬الأخذ‭ ‬بأسباب‭ ‬الرقي‭ ‬والحضارة‮»‬‭. ‬‭(‬سالم‭ ‬المعوش،‭ ‬صورة‭ ‬الغرب‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬العربية‭ ‬،‭ ‬ص،90‭-‬91‭)‬‭. ‬وقد‭ ‬أتبع‭ ‬رفاعة‭ ‬رافع‭ ‬الطهطاوي‭ ‬هذه‭ ‬المحاولة‭ ‬بترجمة‭ ‬كاملة‭ ‬لوقائع‭ ‬عمل‭ ‬تيليماك‭ ‬لفينيلون‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬مواقع‭ ‬الأفلاك‭ ‬في‭ ‬وقائع‭ ‬تيليماك‮»‬،‭ ‬وقد‭ ‬أراد‭ ‬صاحبها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬نصائح‭ ‬للملوك‭ ‬والحكام‭ ‬ومواعظ‭ ‬للناس‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬رفاعة‭ ‬رافع‭ ‬الطهطاوي‭ ‬يعد‭ ‬أحمد‭ ‬فارس‭ ‬الشدياق،‭ ‬الذي‭ ‬سافر‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬من‭ ‬الممهدين‭ ‬الأوائل‭ ‬لعلاقة‭ ‬المثقفين‭ ‬العرب‭ ‬بالثقافة‭ ‬الغربية،‭ ‬بقوله‭ ‬‮«‬اطلعت‭ ‬على‭ ‬الآثار‭ ‬الأدبية‭ ‬لسويفت،‭ ‬وبيرون،‭ ‬وستيرن،‭ ‬وشاتو‭ ‬بريان،‭ ‬ورابليه،‭ ‬ولامارتين‮»‬‭ ‬‭(‬فارس‭ ‬الشدياق،‭ ‬الساق‭ ‬على‭ ‬الساق‭ ‬فيما‭ ‬هو‭ ‬الفارياق‭ ‬الصادر‭ ‬بباريس‭ ‬عام‭ ‬1855‭)‬،‭ ‬نقلا‭ ‬عن‭ ‬‭(‬عبدالله‭ ‬إبراهيم،‭ ‬السردية‭ ‬العربية‭ ‬الحديثة‭ ‬ص‭ ‬124‭)‬‭. ‬وقد‭ ‬وردت‭ ‬موضوعات‭ ‬الكتاب‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬حوار‭ ‬بين‭ ‬الفارياق،‭ ‬وزوجته‭ ‬الفارياقة،‭ ‬تطرقا‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬جوانب‭ ‬الحضارة‭ ‬الأوروبية‭ ‬السلبية‭ ‬بشكل‭ ‬ساخر‭ ‬من‭ ‬الآخر‭. ‬وكان‭ ‬أحمد‭ ‬فارس‭ ‬الشدياق‭ ‬يفضل‭ ‬بريطانيا‭ ‬على‭ ‬فرنسا‭ ‬والحياة‭ ‬بصفة‭ ‬عامة‭ ‬في‭ ‬إنكلترا،‭ ‬وقد‭ ‬أتبع‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬بآخر‭ ‬سنة‭ ‬1867‭ ‬وسمه‭ ‬بـ‮»‬كشف‭ ‬المخبأ‭ ‬في‭ ‬فنون‭ ‬أوروبا‮»‬‭.‬

بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬رفاعة‭ ‬رافع‭ ‬الطهطاوي،‭ ‬وأحمد‭ ‬فارس‭ ‬الشدياق،‭ ‬نجد‭ ‬الكاتب‭ ‬المصري‭ ‬محمد‭ ‬حسين‭ ‬هيكل،‭ ‬الذي‭ ‬أعرب‭ ‬عن‭ ‬افتنانه‭ ‬وإعجابه‭ ‬بباريس،‭ ‬وعبر‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬سطور‭ ‬له‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬أول‭ ‬يوم‭ ‬في‭ ‬باريس‮»‬‭ ‬قائلا‭ ‬‮«‬وكانت‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬ترزح‭ ‬تحت‭ ‬نير‭ ‬الاحتلال‭ ‬البريطاني،‭ ‬وكانت‭ ‬فيها‭ ‬بقايا‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬الحكم‭ ‬العثماني،‭ ‬وكانت‭ ‬المرأة‭ ‬المصرية‭ ‬محجبة‭ ‬لا‭ ‬اختلاط‭ ‬لها‭ ‬بالرجال،‭ ‬وكان‭ ‬الجمود‭ ‬الفكري‭ ‬من‭ ‬فضائل‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬ذاك‭ ‬الحين،‭ ‬وكانت‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬للحياة‭ ‬المصرية‭ ‬صورة‭ ‬للحياة‭ ‬الواقعية‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬وألفتها‭ ‬ولم‭ ‬أعرف‭ ‬غيرها‭ ‬ولم‭ ‬أألفها،‭ ‬فلما‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬المساء‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬نزلت‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬باريس،‭ ‬إذ‭ ‬بي‭ ‬تفاجئني‭ ‬صورة‭ ‬للحياة‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬ألفتها‭ ‬بل‭ ‬تثور‭ ‬بها،‭ ‬بل‭ ‬تلقي‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬النوافذ‭ ‬إلى‭ ‬الجحيم‭ ‬لتتبدى‭ ‬أمامي‭ ‬صورة‭ ‬أخرى‭ ‬تبهر‭ ‬عيني‭ ‬وكأنني‭ ‬انتقلت‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬آخر‮»‬‭ ‬‭(‬محمد‭ ‬حسين‭ ‬هيكل،‭ ‬شرق‭ ‬وغرب،‭ ‬ص‭ ‬120‭-‬121‭)‬‭.‬

وتعد‭ ‬الترجمة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الرحلة‭ ‬التي‭ ‬أغنت‭ ‬التواصل‭ ‬والتفاعل‭ ‬بين‭ ‬ثقافة‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب،‭ ‬علامة‭ ‬على‭ ‬انفتاح‭ ‬وتلاقح‭ ‬الثقافات،‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬الآخر‭ ‬عبر‭ ‬الترجمة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬المثاقفة‭ ‬للاستفادة‭ ‬والتعرف‭ ‬إلى‭ ‬الآخر‭. ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي‭ ‬حافزا‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬بقول‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬‮«‬يا‭ ‬أيها‭ ‬الناس‭ ‬إنا‭ ‬خلقناكم‭ ‬من‭ ‬ذكر‭ ‬وأنثى‭ ‬وجعلناكم‭ ‬شعوبا‭ ‬وقبائل‭ ‬لتعارفوا‭ ‬إن‭ ‬أكرمكم‭ ‬عند‭ ‬الله‭ ‬أتقاكم‭ ‬إن‭ ‬الله‭ ‬عليم‭ ‬خبير‮»‬‭ ‬‭(‬سورة‭ ‬الحجرات‭ ‬آية‭ ‬13‭)‬‭. ‬ولعل‭ ‬أهم‭ ‬إنجاز‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬رفاعة‭ ‬رافع‭ ‬الطهطاوي،‭ ‬إنشاؤه‭ ‬مؤسسة‭ ‬رسمية‭ ‬في‭ ‬الترجمة‭ ‬وهي‭ ‬مدرسة‭ ‬الألسن‭ ‬التي‭ ‬أنشئت‭ ‬عام‭ ‬1835‭.‬

بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬عمل‭ ‬أحمد‭ ‬فارس‭ ‬الشدياق،‭ ‬الذي‭ ‬ترجم‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الروايات‭ ‬والكتب‭ ‬العالمية،‭ ‬كما‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬تعريب‭ ‬طائفة‭ ‬من‭ ‬الألفاظ‭ ‬الأجنبية،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬حركة‭ ‬الترجمة‭ ‬كانت‭ ‬واسعة‭ ‬حيث‭ ‬اشترك‭ ‬فيها‭ ‬كبار‭ ‬الأدباء‭ ‬العرب‭ ‬أمثال‭: ‬حافظ‭ ‬إبراهيم‭ ‬الذي‭ ‬ترجم‭ ‬‮«‬البؤساء‮»‬‭ ‬لفيكتور‭ ‬هيغو،‭ ‬كما‭ ‬ترجم‭ ‬نجيب‭ ‬حداد‭ ‬‮«‬الفرسان‭ ‬الثلاثة‮»‬‭ ‬لألكسندر‭ ‬دوما‭.‬

‭ ‬يعد‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬اطلعوا‭ ‬على‭ ‬ثقافة‭ ‬أوروبا،‭ ‬فأعجب‭ ‬بها‭. ‬مما‭ ‬نمّى‭ ‬لديه‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬ثقافة‭ ‬شبيهة‭ ‬بثقافة‭ ‬أوروبا،‭ ‬التي‭ ‬فتحت‭ ‬له‭ ‬أبواب‭ ‬المدنية‭ ‬والرقي‭ ‬السياسي‭ ‬والوعي‭ ‬بتراثها‭ ‬القديم،‭ ‬إنها‭ ‬ثقافة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هي‭ ‬ترقية‭ ‬للعقل‭ ‬وتوسيع‭ ‬للأفق‭ ‬ومد‭ ‬لآماد‭ ‬الفكر‭ ‬الإنساني‭. ‬ومن‭ ‬حيث‭ ‬هي‭ ‬مصدر‭ ‬لشعور‭ ‬الفرد‭ ‬بحقه‭ ‬وتقديره‭ ‬لواجبه،‭ ‬ومن‭ ‬حيث،‭ ‬هي‭ ‬مصدر‭ ‬لشعور‭ ‬الجماعة‭ ‬بحقها‭ ‬وتقديرها‭ ‬لواجبها‭ ‬وثباتها‭ ‬للخطوب‭ ‬واحتمالاتها‭ ‬لأثقال‭ ‬الحياة‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يشك‭ ‬في‭ ‬سلطتها‭ ‬مما‭ ‬جعله‭ ‬يقر‭ ‬بضرورة‭ ‬الاهتداء‭ ‬بها،‭ ‬فنجده‭ ‬يقول‭ ‬‮«‬إما‭ ‬أن‭ ‬نستقبل‭ ‬الثقافة‭ ‬أحراراً‭ ‬ونقبلها‭ ‬حرة‭ ‬ونمضي‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬مدى‭ ‬وأقصى‭ ‬أمد‭ ‬ونقبل‭ ‬نتائج‭ ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬وهي‭ ‬التفوق‭ ‬مرة‭ ‬والإخفاق‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭.. ‬وإما‭ ‬أن‭ ‬نستقبل‭ ‬الثقافة‭ ‬مقيدين‭ ‬ونقبلها‭ ‬ضيقة‭ ‬محدودة‭.. ‬أما‭ ‬أنا،‭ ‬فأختار‭ ‬الطريق‭ ‬الأول،‭ ‬وأقبل‭ ‬أن‭ ‬أتعرض‭ ‬لما‭ ‬تتعرض‭ ‬له‭ ‬الأمم‭ ‬الحرة‭ ‬من‭ ‬ألوان‭ ‬الخير‭ ‬والشر‭.. ‬فإن‭ ‬الحياة‭ ‬الحرة‭ ‬التي‭ ‬يملؤها‭ ‬الطموح‭ ‬الحر‭ ‬إلى‭ ‬العدل‭.. ‬خليقة‭ ‬أن‭ ‬نشتريها‭ ‬بأغلى‭ ‬ثمن‭. ‬بل‭ ‬لقد‭ ‬سلم‭ ‬بالدخول‭ ‬والإقبال‭ ‬على‭ ‬مغامرة‭ ‬الأوربة‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬بقوله‭ ‬‮«‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نصبح‭ ‬أوروبيين‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬قابلين‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬حسنات‭ ‬وسيئات‭.. ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نسير‭ ‬سيرة‭ ‬الأوروبيين،‭ ‬ونسلك‭ ‬طريقهم‭ ‬لنكون‭ ‬لهم‭ ‬أندادا‭ ‬ولنكون‭ ‬لهم‭ ‬شركاء‭ ‬في‭ ‬الحضارة‭ ‬خيرها‭ ‬وشرها،‭ ‬حلوها‭ ‬ومرها،‭ ‬وما‭ ‬يحب‭ ‬منها‭ ‬وما‭ ‬يكره،‭ ‬وما‭ ‬يحمد‭ ‬فيها‭ ‬وما‭ ‬يعاب‮»‬‭ ‬‭(‬طه‭ ‬حسين،‭ ‬فصول‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬والنقد،‭ ‬ص‭ ‬215‭)‬‭. ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬هدفه‭ ‬خلق‭ ‬ثقافة‭ ‬تبعث‭ ‬المجتمع‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الحداثة‭.‬

لعبت‭ ‬المثاقفة‭ ‬دورا‭ ‬هاما‭ ‬فيما‭ ‬يسمى‭ ‬بـحوار‭ ‬الحضارات‭ ‬بفضل‭ ‬التقارب‭ ‬الثقافي‭ ‬بين‭ ‬المجتمعات،‭ ‬بعَدّها‭ ‬الوسيلة‭ ‬الأمثل‭ ‬لتقارب‭ ‬حضارات‭ ‬المجتمع‭ ‬وتوطيد‭ ‬علاقات‭ ‬السلم‭ ‬والتعاون‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الشعوب‭ ‬حضاريا‭ ‬وثقافيا‭ ‬عبر‭ ‬التفاهم،‭ ‬والتواصل‭. ‬فلا‭ ‬أحد‭ ‬يشك‭ ‬في‭ ‬أهمية‭ ‬الثقافة‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الحضارة،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬عندما‭ ‬تتفاعل‭ ‬إيجابياً‭ ‬وتتلاقح‭ ‬وتتثاقف‭ ‬مع‭ ‬غيرها‭. ‬فالحوار‭ ‬بين‭ ‬ثقافتين‭ ‬أو‭ ‬حضارتين‭ ‬مختلفتين‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬المنهج‭ ‬الصحيح،‭ ‬حيث‭ ‬تتحقق‭ ‬فيه‭ ‬شروط‭ ‬التفاهم‭ ‬والتعايش‭ ‬والمساواة‭ ‬واقتناع‭ ‬الطرفان‭ ‬بأن‭ ‬الحوار‭ ‬بين‭ ‬الحضارات،‭ ‬هو‭ ‬السبيل‭ ‬الأمثل‭ ‬للتغلب‭ ‬على‭ ‬التوترات،‭ ‬وما‭ ‬يسمى‭ ‬بـصدام‭ ‬الحضارات‭ ‬وتوثرها‭. ‬كما‭ ‬يعزز‭ ‬هذا‭ ‬التقارب‭ ‬بناء‭ ‬صداقات‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬والسلام،‭ ‬وتجنب‭ ‬كل‭ ‬صدام‭ ‬يفككك‭ ‬ويقلل‭ ‬من‭ ‬فعالية‭ ‬القيم‭ ‬الحضارية‭ ‬والسمو‭ ‬بالثقافات‭ ‬الإنسانية‭ ‬إلى‭ ‬أنواع‭ ‬من‭ ‬الحوار‭ ‬الإيجابي،‭ ‬بالتأكيد‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬التفاعل‭ ‬بين‭ ‬الثقافات‭ ‬والكشف‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬المشتركة‭ ‬بين‭ ‬الثقافات‭ ‬وضرورة‭ ‬التعايش‭ ‬بينها‭ ‬للحيلولة‭ ‬دون‭ ‬وقوع‭ ‬صراع‭ ‬الحضارات‭ ‬نتيجة‭ ‬الاستعلاء‭ ‬الثقافي‭ ‬والتمركز‭ ‬الذاتي‭ ‬والذي‭ ‬يحول‭ ‬دون‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالحق‭ ‬في‭ ‬الاختلاف‭ ‬الثقافي‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬لشعور‭ ‬عدة‭ ‬فضاءات‭ ‬ثقافية‭ ‬غير‭ ‬غربية‭ ‬بضرورة‭ ‬مواجهة‭ ‬المد‭ ‬الثقافي‭ ‬الغربي‭ ‬حفاظا‭ ‬على‭ ‬الخصوصية،‭ ‬والهوية‭ ‬الثقافية‭ ‬ضد‭ ‬موجة‭ ‬التغريب،‭ ‬والانغلاق‭ ‬على‭ ‬الذات‭.‬

فرضت‭ ‬المثاقفة‭ ‬نفسها‭ ‬لما‭ ‬اكتسبته‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬التقارب‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‭ ‬والتفاهم‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الفهم‭ ‬الموضوعي‭. ‬وبخصوص‭ ‬صدام‭ ‬الحضارات‭ ‬يجب‭ ‬تغليب‭ ‬عوامل‭ ‬التقارب‭ ‬والتكامل‭ ‬على‭ ‬عوامل‭ ‬التنافر‭ ‬حتى‭ ‬يتحقق‭ ‬حوار‭ ‬الحضارات‭.‬

هكذا‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬مفهوم‭ ‬المثاقفة‭ ‬قام‭ ‬على‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬ثقافة‭ ‬الآخر،‭ ‬والتفاعل‭ ‬معها‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الفكري‭ ‬والمعرفي‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬البعثات‭ ‬والترجمة‭ ‬والرحلة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إغناء‭ ‬الثقافة‭ ‬القومية‭ ‬وإثرائها‭. ‬فقد‭ ‬فرضت‭ ‬نفسها‭ ‬لما‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬اكتسبتها‭ ‬عبر‭ ‬العصور،‭ ‬جعلت‭ ‬الباحثين‭ ‬مهتمين‭ ‬بها،‭ ‬لما‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬فعال‭ ‬في‭ ‬تقريب‭ ‬جسور‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬الآخر‭ ‬والاستفادة‭ ‬منه‭ ‬والانفتاح‭ ‬عليه‭. ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ننسى‭ ‬دور‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬المثاقفة‭ ‬بالحث‭ ‬على‭ ‬التعارف‭ ‬والتفاعل‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬الشعوب‭.‬


باحثة من المغرب