هل‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬شاعر‭ ‬عربي‭ ‬ملعون

خصَّ‭ ‬الشاعر‭ ‬عباس‭ ‬بيضون‭ ‬كتابَ‭ ‬‮«‬الآثار‭ ‬الشعرية‭ ‬‭-‬آرتور‭ ‬رامبو‭-‬‭ ‬ترجمة‭: ‬كاظم‭ ‬جهاد،‭ ‬الصّادر‭ ‬عن‭ ‬منشورات‭ ‬الجمل‭ ‬عام‭ ‬2007‮»‬‭ ‬بنصٍّ‭ ‬عنوانُهُ‭ ‬‮«‬استئناف‭ ‬رامبو‮»‬،‭ ‬وناقشَ‭ ‬فيه‭ ‬جُملة‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭ ‬الضرورية‭ ‬والعميقة‭ ‬‭-‬في‭ ‬اعتقادي‭-‬‭ ‬عن‭ ‬تأثير‭ ‬رامبو‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬الحديث،‭ ‬أو‭ ‬لأقُل‭ ‬بلُغة‭ ‬أدقّ‭ ‬عن‭ ‬غياب‭ ‬رامبو‭ ‬عند‭ ‬الحداثيين‭ ‬العرب‭ ‬على‭ ‬حدِّ‭ ‬تعبيره؛‭ ‬إذ‭ ‬يُرجِعُ‭ ‬ذلكَ‭ ‬إلى‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬نُظِرَ‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬الشاعر‭ ‬العربي‭ ‬الحديث،‭ ‬أو‭ ‬بالأحرى‭ ‬نظَرَ‭ ‬هوَ‭ ‬نفسه‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬ذاتِهِ‭ ‬الشاعرة‭ ‬بوصفها‭ ‬ذاتَ‭ ‬‭(‬الرائي‭-‬النَّبي‭)‬‭ ‬الذي‭ ‬حلَّ‭ ‬محلَّ‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أُولى،‭ ‬وحلَّ‭ ‬شِعرُهُ‭ ‬محلَّ‭ ‬الدِّين‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬ثانية‭.‬

الجديد  مازن أكثم سليمان [نُشر في 01/06/2017، العدد: 29، ص(126)]

تخطيط: عمر خيري
ورأى ‬بيضون‭ ‬أنَّ‭ ‬تواتُر‭ ‬الكلام‭ ‬عن‭ ‬رامبو‭ ‬كانَ‭ ‬دائماً‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬القصيدة‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬افتقدَتْ‭ ‬أثَرَهُ‭ ‬حتّى‭ ‬عندَ‭ ‬من‭ ‬يُعَدُّونَ‭ ‬سليلينَ‭ ‬رامبويين‭ ‬من‭ ‬العرب،‭ ‬وذلكَ‭ ‬في‭ ‬انزياحٍ‭ ‬مُشوَّهٍ‭ ‬للمَفاهيم‭ ‬الرامبوية‭ ‬لديهِم‭ ‬نحوَ‭ ‬حنين‭ ‬ثقافيّ‭ ‬يُخفي‭ ‬في‭ ‬جذورِهِ‭ ‬حنيناً‭ ‬دينياً‭ ‬أو‭ ‬قومياً‭.‬

ما‭ ‬من‭ ‬شكٍّ‭ ‬أنَّ‭ ‬ما‭ ‬تحدَّثَ‭ ‬عنه‭ ‬بيضون‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬مُستوياتٍ‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬الدِّقّة‭ ‬بالنِّسبة‭ ‬إلى‭ ‬قراءتي‭ ‬لهذه‭ ‬المَسألة؛‭ ‬فالأثَرُ‭ ‬الرامبوي‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬الحديث‭ ‬شكَّلَ‭ ‬قطيعةً‭ ‬مع‭ ‬الأصل‭ ‬الرامبوي‭ ‬‭-‬على‭ ‬الأقل‭ ‬إذا‭ ‬قبلْنا‭ ‬مصطلح‭ ‬الأصل‭ ‬جدَليّاً‭-‬‭ ‬في‭ ‬نظريَّتِهِ‭ ‬الشعرية‭ ‬وفي‭ ‬فضاءاتِهِ‭ ‬النَّصِّيّة‭. ‬وكانَ‭ ‬يُمكِنُ‭ ‬أنْ‭ ‬يُمثِّلَ‭ ‬هذا‭ ‬عامِلاً‭ ‬إيجابيّاً‭ ‬لو‭ ‬تمَّتْ‭ ‬إعادة‭ ‬خَلْق‭ ‬الأثَر‭ ‬الرامبوي‭ ‬خَلْقاً‭ ‬يفي‭ ‬من‭ ‬جانبٍ‭ ‬أوّل‭ ‬بأُسُسِهِ‭ ‬المَعرفيّة‭ ‬الديناميكية،‭ ‬ويستجيبُ‭ ‬من‭ ‬جانبٍ‭ ‬ثانٍ‭ ‬للخُصوصيّة‭ ‬العربيّة‭ ‬المُفترَضة،‭ ‬حيثُ‭ ‬كانَ‭ ‬الانزياحُ‭ ‬المُنتظَر‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬الحديث‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬نكوصاً‭ ‬هُوِيّاتيّاً‭ ‬يُطيحُ‭ ‬بأصالة‭ ‬السؤال‭ ‬الشعري‭ ‬الرامبوي‭ ‬المُتحرِّك‭ ‬بلا‭ ‬هوادة‭ ‬نحوَ‭ ‬هشاشة‭ ‬المَجهول،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬تحقيق‭ ‬إضافة‭ ‬نوعيّة‭ ‬عبر‭ ‬تخليق‭ ‬آفاقٍ‭ ‬مَعرفيّة‭ ‬جديدة‭ ‬وخياناتٍ‭ ‬فنِّيّة‭ ‬مُغايِرة‭ ‬من‭ ‬داخِلِ‭ ‬حركيّة‭ ‬الانفتاح‭ ‬الرامبويّة،‭ ‬وهوَ‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتمكَّن‭ ‬الشعراء‭ ‬العرب‭ ‬من‭ ‬النُّهوض‭ ‬به‭ ‬حتَّى‭ ‬هذه‭ ‬اللّحظة‭.‬

يكمنُ‭ ‬السؤالُ‭ ‬المحوري‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬في‭ ‬البَحث‭ ‬عن‭ ‬مُنطلَقات‭ ‬الاستئناف‭ ‬الشعري‭ ‬العربي‭ ‬لرامبو،‭ ‬وعدم‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬‮«‬رامبو‭: ‬الرَّمز‭ ‬المُتخيَّل‭ ‬عربيّاً‮»‬‭ ‬و‮»‬رامبو‭: ‬السِّياق‭ ‬الوقائعي‭ ‬المَعيش،‭ ‬وصاحب‭ ‬المَرجعيّات‭ ‬النظَرية‭ ‬الفريدة‭ ‬في‭ ‬تجربته‭ ‬النَّصِّيّة‮»‬؛‭ ‬فأيُّ‭ ‬حديث‭ ‬عن‭ ‬إحياء‭ ‬الأثَر‭ ‬الرامبوي‭ ‬عربيّاً‭ ‬ينبغي‭ ‬أنْ‭ ‬يضَعَ‭ ‬في‭ ‬حسبانِهِ‭ ‬البُعدَ‭ ‬الكونيَّ‭ ‬الذي‭ ‬انطوَتْ‭ ‬عليه‭ ‬تجربة‭ ‬رامبو،‭ ‬والتي‭ ‬احتلَّ‭ ‬فيها‭ ‬الشرق‭ ‬مَوضِعاً‭ ‬عميقاً‭ ‬يصعُبُ‭ ‬تجاهُلُهُ،‭ ‬وهيَ‭ ‬القضية‭ ‬التي‭ ‬تفترِضُ‭ ‬في‭ ‬المُقابِل‭ ‬العربي،‭ ‬ولا‭ ‬سيما،‭ ‬ونحنُ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العصر‭ ‬المَوسوم‭ ‬بـِ‮»‬العولمة‭/‬الليبرالية‭ ‬الجديدة‮»‬‭ ‬أنْ‭ ‬يُؤسَّسَ‭ ‬هذا‭ ‬الحُضور‭ ‬الرامبوي‭ ‬على‭ ‬رُؤىً‭ ‬كلِّيّة‭ ‬تتجذَّرُ‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬أسئلة‭ ‬الوجود‭ ‬المَعيش‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬المُعاصِر،‭ ‬بدَلاً‭ ‬من‭ ‬الإطاحة‭ ‬بديناميكيّات‭ ‬هذه‭ ‬الإمكانيّة‭ ‬الثَّرّة‭ ‬عبرَ‭ ‬تنميطِها‭ ‬وأسرِها،‭ ‬ثُمَّ‭ ‬إخصائِها‭ ‬بالمُسَبّقات‭ ‬المَوروثة‭ ‬التي‭ ‬تبقى‭ ‬على‭ ‬السَّطح‭ ‬المُباشَر‭ ‬وهيَ‭ ‬تجترُّ‭ ‬أفكاراً‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬‮«‬النحنُ‭ ‬والأصالة‮»‬‭ ‬في‭ ‬مُواجَهة‭ ‬‮«‬الآخَر‭ ‬والتَّغرُّب‮»‬؛‭ ‬بما‭ ‬هيَ‭ ‬ليسَتْ‭ ‬سوى‭ ‬ثيماتُ‭ ‬محتوىً‭ ‬جوهرانيّ‭ ‬ميتافيزيقيّ‭ ‬يُعيدُ‭ ‬إنتاجَ‭ ‬سُلطة‭ ‬الاستبداد‭ ‬شعريّاً‭.‬

ومَعنى‭ ‬هذا‭ ‬الفَهْم‭ ‬أنْ‭ ‬نكونَ‭ ‬أوفياء‭ ‬لخلخلة‭ ‬رامبو‭ ‬نفسه‭ ‬لمركزيّة‭ ‬الغرب‭ ‬بخلخلتنا‭ ‬أيضاً‭ ‬لمركزية‭ ‬الشرق‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬معاً،‭ ‬والالتحاق‭ ‬بانغماسِهِ‭ ‬الأصيل‭ ‬بالهامشيّ‭ ‬والمَنسيّ‭ ‬خارج‭ ‬منطق‭ ‬الثنائيات‭ ‬التَّقابُلية؛‭ ‬أي‭ ‬وفقَ‭ ‬ما‭ ‬تحدَّثَ‭ ‬عنهُ‭ ‬جاك‭ ‬بيرك‭ ‬حولَ‭ ‬وجود‭ ‬شرق‭ ‬آخَر‭ ‬وغرب‭ ‬آخَر‭ ‬غير‭ ‬شرق‭ ‬الخرائط‭ ‬وغربها،‭ ‬إنَّهُ‭ ‬‮«‬شرق‭-‬‭ ‬غرب‭ ‬التَّبادُلات‭ ‬بالغة‭ ‬الحميّة‭ ‬بينَ‭ ‬العظَمة‭ ‬والقيمة،‭ ‬العقل‭ ‬والهوى،‭ ‬الشيء‭ ‬والعلامة‮»‬‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬ألان‭ ‬بورير‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬مُقدِّمات‭ ‬ترجمة‭ ‬كاظم‭ ‬جهاد‭.‬

تبدأ‭ ‬تناقضات‭ ‬الحداثة‭ ‬الشعرية‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬احتفائِها‭ ‬النظَريّ‭ ‬بمَقولات‭ ‬الجِدَّة‭ ‬والإبداع‭ ‬والتَّجاوُز،‭ ‬وبدعواتِها‭ ‬الحثيثة‭ ‬إلى‭ ‬التَّثوير‭ ‬والتَّغيير‭ ‬والخروج‭ ‬عن‭/‬على‭ ‬التقليد‭ ‬والماضي،‭ ‬واستشراف‭ ‬المُستقبَل‭ ‬والمَجهول،‭ ‬ثُمَّ‭ ‬بسُقوطِها‭ ‬المُدوِّي‭ ‬نصِّيّاً‭ ‬في‭ ‬براثن‭ ‬سُلطة‭ ‬الذّات‭ ‬الشاعِرة‭ ‬المُسَبّقة‭ ‬بوصفِها‭ ‬سُلطةً‭ ‬مركزيّة‭ ‬مُتعالية‭ ‬ومُشبَعة‭ ‬بالأيديولوجيا،‭ ‬وهوَ‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يُغلِقُ‭ ‬الباب‭ ‬بعُنف‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬مُنطلَقات‭ ‬رامبو‭ ‬الأثيرة،‭ ‬ويدفَعُ‭ ‬القارئَ‭ ‬المُتمعِّنَ‭ ‬إلى‭ ‬التَّساؤلِ‭ ‬مثلاً‭ ‬عن‭ ‬مساحة‭ ‬وجود‭ ‬رامبو‭ ‬‮«‬العابر‭ ‬الهائل‮»‬‭ ‬كما‭ ‬نعتَهُ‭ ‬مالارميه،‭ ‬وهوَ‭ ‬يحتفي‭ ‬‭-‬أي‭ ‬رامبو‭-‬‭ ‬بالتَّجاوُزيّة‭ ‬والعُبور‭ ‬والاختراق‭ ‬والتَّفجير‭ ‬ونشدان‭ ‬المُستحيل‭ ‬والحُرِّيّة‭ ‬الحُرّة‭ ‬وتشويش‭ ‬الحواس‭ ‬ومَخض‭ ‬الغِياب‭ ‬ومَخر‭ ‬المَجهول‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المَلامِح‭ ‬الرامبوية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يُمكِن‭ ‬أنْ‭ ‬تتعايَشَ‭ ‬مع‭ ‬أيِّ‭ ‬نكوصٍ‭ ‬أيديولوجيّ‭ ‬ماضويّ‭ ‬حطَّ‭ ‬بظلالِهِ‭ ‬الثَّقيلة‭ ‬والعريضة‭ ‬على‭ ‬فضاءات‭ ‬الشعرية‭ ‬العربيّة،‭ ‬وعلَّقَ‭ ‬إمكانيّات‭ ‬ولادة‭ ‬الشاعر‭ ‬العربي‭ ‬المَلعون‭!‬

لعلَّ‭ ‬مأثرةَ‭ ‬‮«‬الرّامبويّة‮»‬‭ ‬الكُبرى‭ ‬أنَّها‭ ‬وُلِدَتْ‭ ‬وترعرعَتْ‭ ‬ونضُجَتْ‭ ‬في‭ ‬بُؤرة‭ ‬‮«‬الفعل‮»‬؛‭ ‬فالكتابةُ‭ ‬لدى‭ ‬رامبو‭ ‬كانت‭ ‬فعل‭ ‬حُرِّيّة‭ ‬وظيفتُها‭ ‬مُجاوَزة‭ ‬حُدود‭ ‬الحُرِّيّة‭ ‬نفسها،‭ ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬‮«‬الفعلُ‮»‬‭ ‬هُنا‭ ‬مُطابَقة‭ ‬المُستوى‭ ‬الوقائعيّ،‭ ‬أو‭ ‬مُحاكاتِهِ،‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاجِهِ،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬مَدَّهُ‭ ‬بفائض‭ ‬وجوديّ‭ ‬جَماليّ‭ ‬يمنَحُ‭ ‬الشعرَ‭ ‬الرامبوي‭ ‬طُموحَهُ‭ ‬الفريد‭ ‬في‭ ‬مُجاوَزة‭ ‬العالم‭ ‬العابر،‭ ‬باتّجاه‭ ‬تغييره‭ ‬باستكناه‭ ‬العالم‭ ‬المَجهول،‭ ‬لتذوبَ‭ ‬بهذا‭ ‬الشكل‭ ‬المَسافة‭ ‬المُتوهَّمة‭ ‬بين‭ ‬اللغة‭ ‬والوجود‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أُولى،‭ ‬وبين‭ ‬الذات‭ ‬والموضوع‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬ثانية،‭ ‬وليكونَ‭ ‬الجدَل‭ ‬مفتاحَ‭ ‬تأويل‭ ‬التَّحولات‭ ‬التي‭ ‬طرأَتْ‭ ‬على‭ ‬المُستوى‭ ‬الوقائعيّ‭ ‬المَعيش‭ ‬في‭ ‬شعر‭ ‬رامبو،‭ ‬ذلكَ‭ ‬أنَّ‭ ‬ما‭ ‬أدعوه‭ ‬‮«‬المبدأ‭ ‬الثوريّ‭ ‬الرامبويّ‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬بلَغَ‭ ‬ذروتَهُ‭ ‬في‭ ‬‮«‬كومونة‭ ‬باريس‮»‬‭ ‬تحوَّلَ‭ ‬في‭ ‬القصائد‭ ‬إلى‭ ‬مبدأ‭ ‬ثوريّ‭ ‬كشفيّ‭ ‬يرغبُ‭ ‬بالقبض‭ ‬على‭ ‬الحُرِّيّة‭ ‬الحُرّة‭ ‬بوصفِها‭ ‬تفتيتاً‭ ‬لمركزيّة‭ ‬أيِّ‭ ‬يقين،‭ ‬واختباراً‭ ‬لهشاشة‭ ‬العالم‭ ‬واستعصاء‭ ‬المَجهول،‭ ‬وهُنا‭ ‬مَكمَنُ‭ ‬المأثرة‭ ‬الرامبوية‭ ‬الاستثنائية‭ ‬التي‭ ‬استطاعَتْ‭ ‬صياغة‭ ‬السياسي‭ ‬فنيّاً‭ ‬عبر‭ ‬مَحطّات‭ ‬معروفة‭ ‬كنقد‭ ‬النظام‭ ‬السُّلطوي‭ ‬الغربي‭ ‬والاستعمار‭ ‬والاستشراق‭ ‬من‭ ‬جانبٍ‭ ‬أوّل،‭ ‬والمُحافَظة‭ ‬على‭ ‬حدْسيّة‭ ‬الشعر‭ ‬وجَمالياتِهِ‭ ‬من‭ ‬جانبٍ‭ ‬ثانٍ‭. ‬ويبدو‭ ‬لي‭ ‬أنَّ‭ ‬هذهِ‭ ‬السمات‭ ‬تُمثِّلُ‭ ‬‭-‬وبلا‭ ‬مُوارَبة‭-‬‭ ‬تعريةً‭ ‬بالغة‭ ‬للحداثة‭ ‬الشعرية‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يبقَ‭ ‬في‭ ‬مُعظَم‭ ‬قصائِدِها‭ ‬غير‭ ‬الضجيج‭ ‬الشعاراتيّ،‭ ‬أو‭ ‬الأقنِعة‭ ‬التي‭ ‬أخفَتْ‭ ‬الوجوه‭ ‬الحقيقية‭ ‬لمجموعة‭ ‬من‭ ‬الدِّيكتاتوريين‭ ‬الشعريين‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يكفُّوا‭ ‬عن‭ ‬الانشداد‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭.‬

أخيراً،‭ ‬لا‭ ‬أريدُ‭ ‬في‭ ‬هذهِ‭ ‬القراءة‭ ‬العاجِلة‭ ‬أنْ‭ ‬أسقُطَ‭ ‬في‭ ‬التَّعميم‭ ‬المَذموم‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬مُستوى‭ ‬الأسماء،‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬مُستوى‭ ‬تعدُّد‭ ‬تجارِب‭ ‬كُلّ‭ ‬شاعر‭ ‬على‭ ‬حدة،‭ ‬وإمكانيّات‭ ‬اختلافِها،‭ ‬لكنَّني‭ ‬أُحاوِلُ‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المبدأ‭ ‬أنْ‭ ‬أُحدِّدَ‭ ‬بعضَ‭ ‬المَلامِح‭ ‬الأساسيّة‭ ‬التي‭ ‬تحتاجُ‭ ‬إلى‭ ‬مزيدٍ‭ ‬من‭ ‬البَحث‭ ‬والتَّدقيق،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يدعوني‭ ‬إلى‭ ‬الإشارة‭ ‬هُنا‭ ‬إلى‭ ‬أنَّني‭ ‬قد‭ ‬دعوْتُ‭ ‬في‭ ‬بَياني‭ ‬الشِّعري‭ ‬الأوّل‭ ‬المنشور‭ ‬عام‭ ‬2015،‭ ‬وعنوانُهُ‭ ‬‮«‬الإعلان‭ ‬التَّخارُجيّ‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬استئناف‭ ‬الحداثة‭ ‬الشعرية‭ ‬نفسها‭ ‬بوصفِها‭ ‬دعوة‭ ‬دائمة‭ ‬ومَفتوحة‭ ‬إلى‭ ‬التَّجديد‭ ‬والتَّثوير‭ ‬والحُرِّيّة‭ ‬عبرَ‭ ‬تحجيم‭ ‬سُلطة‭ ‬الذّات‭ ‬المركزية‭ ‬المُتعالية‭ ‬والمُتحكِّمة‭ ‬بتأثير‭ ‬مُسَبّقاتِها‭ ‬المُختلِفة‭ ‬بالقصائد‭ ‬المَولودة،‭ ‬وذلكَ‭ ‬بإنجازِ‭ ‬فَصْمٍ‭ ‬نظريّ‭ ‬لا‭ ‬فعليّ‭ ‬للذات‭ ‬‭(‬دعوتُهُ‭: ‬فَصْمُ‭ ‬الذات‭)‬‭ ‬يقولُ‭ ‬بوجودِ‭ ‬فعلٍ‭ ‬جدَليّ‭ ‬تراكُبيّ‭ ‬أثناء‭ ‬خَلْق‭ ‬العالم‭ ‬الشعري‭ ‬يتمُّ‭ ‬بينَ‭ ‬الذات‭ ‬الشاعِرة‭ ‬المَوجودة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الوقائعيّ،‭ ‬والذات‭ ‬الشعريّة‭ ‬المَوجودة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الافتراضيّ،‭ ‬لتكونَ‭ ‬هذهِ‭ ‬الآليّة‭ ‬عُدّة‭ ‬توليديّة‭ ‬مُتَّكِئة‭ ‬على‭ ‬مَفاهيم‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬حداثيّة،‭ ‬وساعية‭ ‬إلى‭ ‬كَبْحِ‭ ‬جماح‭ ‬القَبْليّات‭ ‬المركزية‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬والمَعرفيّة‭ ‬‭-‬ذاتيّاً‭ ‬وموضوعيّاً‭-‬‭ ‬التي‭ ‬يُمكِنُ‭ ‬أنْ‭ ‬تُصادِرَ‭ ‬حُرِّية‭ ‬الانفتاح‭ ‬الشعري‭ ‬نحوَ‭ ‬المَجهول،‭ ‬وتحجبَ‭ ‬إلى‭ ‬حدٍّ‭ ‬بعيد‭ ‬مدى‭ ‬القُدرة‭ ‬النظَرية‭ ‬والنَّصِّيّة‭ ‬على‭ ‬تفكيك‭ ‬ثوابت‭ ‬الحداثة‭ ‬الشعرية‭ ‬العربية‭ ‬المُتكلِّسة‭ ‬الآن،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬ثنائيتها‭ ‬المُفتَعَلة‭ ‬الشهيرة‭ ‬‮«‬الشعر‭ ‬الرؤيويّ‭-‬الشعر‭ ‬اليوميّ‮»‬‭.‬

إنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الفَصْم‭ ‬المُقترَح‭ ‬بما‭ ‬هوَ‭ ‬درْبة‭ ‬عمَليّة‭ ‬لتخليق‭ ‬الانبثاق‭ ‬الشعري‭ ‬الحُرّ،‭ ‬يلتقي‭ ‬تحقيبيّاً‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬العربيّة‭ ‬المُتشظِّية‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬ثورات‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬وتداعياتِها‭ ‬أوَّلاً،‭ ‬ويُذكِّرُ‭ ‬ثانياً‭ ‬بالصِّلة‭ ‬الفنِّيّة‭ ‬الأصيلة‭ ‬التي‭ ‬استطاعَ‭ ‬رامبو‭ ‬أنْ‭ ‬يُنجزَها‭ ‬في‭ ‬تجربتِهِ‭ ‬بينَ‭ ‬ذاتِهِ‭ ‬الشاعِرة‭ ‬الوقائعيّة‭ ‬في‭ ‬عصرها‭ ‬المُنفجِر‭ ‬سياسياً‭ ‬واجتماعياً،‭ ‬وذاتِهِ‭ ‬الشعرية‭ ‬الافتراضيّة‭ ‬التي‭ ‬عاشَتْ‭ ‬صراعاً‭ ‬جدَليّاً‭ ‬مريراً‭ ‬مع‭ ‬المُستوى‭ ‬الوقائعيّ‭ ‬وهيَ‭ ‬تُحاوِلُ‭ ‬أنْ‭ ‬تصوغَ‭ ‬عالمها‭ ‬الشعري‭ ‬فنِّيّاً‭ ‬وجَماليّاً‭ ‬على‭ ‬نحوٍ‭ ‬خاصّ‭ ‬يحتفي‭ ‬بلا‭ ‬توقُّف‭ ‬بالانفتاح‭ ‬المُتسارِع‭ ‬نحوَ‭ ‬المُجاوَزات‭ ‬والمُباعَدات‭ ‬والمَجهول‭ ‬والاختلاف‭.‬


شاعر وناقد من سوريا