وطأة‭ ‬اليقين.. من‭ ‬تضاريس‭ ‬الخطاب إلى‭ ‬أسرار‭ ‬العَتبات

لا‭ ‬أقلَّ‭ ‬من‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الانعطاف‭ ‬من‭ ‬الكتابة‭ ‬في‭ ‬الحقل‭ ‬الشِّعري‭ ‬إلى‭ ‬الحقل‭ ‬السّردي‭ ‬لَهو‭ ‬مغامرةٌ‭ ‬محفوفةٌ‭ ‬بالمخاطر،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬أنَّ‭ ‬حدودَ‭ ‬الجنس‭ ‬الأدبي‭ ‬وقواعده‭ ‬وقوانينه‭ ‬تستبدُّ‭ ‬بالكاتب‭ ‬وتفعل‭ ‬فعلها‭ ‬في‭ ‬أسلوب‭ ‬الكتابة‭ ‬ذاته؛‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬أن‭ ‬الحقل‭ ‬السّردي‭ ‬يقيم‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬العوائق‭ ‬والتحزيزات‭ ‬والنتوءات‭ ‬والشروط‭ ‬مع‭ ‬الوافدين‭ ‬من‭ ‬الحقل‭ ‬الشِّعري؛‭ ‬فبعد‭ ‬مساحات‭ ‬شاسعة‭ ‬من‭ ‬الكتابة‭ ‬الشِّعرية‭ ‬‭(‬باللغتين‭ ‬الكردية‭ ‬والعربية‭)‬‭ ‬يُطلُّ‭ ‬الشاعر‭ ‬السُّوري‭ ‬هوشنك‭ ‬أوسي‭ ‬على‭ ‬القارئ‭ ‬بنصِّ‭ ‬روائيٍّ‭ ‬طويلٍ،‭ ‬يتمحور‭ ‬حول‭ ‬ثيمات‭ ‬تتعلق‭ ‬بحلم‭ ‬السوريين‭ ‬في‭ ‬تدشين‭ ‬فضاء‭ ‬جديد‭ ‬للحرية‭ ‬وكيف‭ ‬تبدّى‭ ‬هذا‭ ‬الحلم‭ ‬في‭ ‬السردية‭ ‬الكردية‭ ‬لتفاصيله؛‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬ثيمات‭ ‬اللجوء‭ ‬والمكان‭ ‬والسياسية‭ ‬وانتزاع‭ ‬الأعضاء‭ ‬من‭ ‬المعتقلين‭ ‬في‭ ‬سجون‭ ‬النظام‭ ‬السُّوري‭.. ‬إلخ‭.‬

الجديد  خالد حسين [نُشر في 01/06/2017، العدد: 29، ص(132)]

في ‭ ‬قراءة‭ ‬نقدية‭ ‬لهذا‭ ‬العمل‭ ‬ينهض‭ ‬برتوكول‭/‬ميثاق‭ ‬ينفسح‭ ‬إلى‭ ‬مجالين،‭ ‬يخصُّ‭ ‬الأول‭ ‬منهما‭ ‬تضاريس‭ ‬الخطاب‭ ‬وجغرافيته،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬ستجري‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬الثاني‭ ‬مطاردة‭ ‬العتبات‭ ‬النَّصية‭ ‬ومحاولة‭ ‬الإمساك‭ ‬بأسرارها‭ ‬وكيف‭ ‬تُسهم‭ ‬هذه‭ ‬الموازيات‭ ‬النَّصيّة‭ ‬في‭ ‬مَنح‭ ‬النَّص‭ ‬شكله‭ ‬النَّهائي‭ ‬ومضاعفة‭ ‬دلالاته‭.‬

تضاريس‭ ‬الخطاب

تتأسَّس‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬وطأة‭ ‬اليقين‭: ‬محنة‭ ‬السؤال‭ ‬وشهوة‭ ‬الخيال‮»‬‭ ‬‭(‬دار‭ ‬السؤال،‭ ‬ط1،‭ ‬بيروت،‭ ‬2017‭)‬‭ ‬للكاتب‭ ‬هوشنك‭ ‬أوسي،‭ ‬وهي‭ ‬الرواية‭ ‬الأولى‭ ‬له،‭ ‬وفقَ‭ ‬تضاريس‭ ‬وطبقات‭ ‬متعدّدة‭ ‬من‭ ‬الخِطاب،‭ ‬أو‭ ‬لنقل‭ ‬ثمة‭ ‬ممارسات‭ ‬خطابية‭ ‬ثلاث‭ ‬تأتلف‭ ‬مع‭ ‬بعضها‭ ‬وتتداخل‭ ‬فيما‭ ‬بينها؛‭ ‬لتشكَّل‭ ‬متن‭ ‬الخِطَاب‭ ‬السَّردي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭:‬

1ــ‭ ‬الخطاب‭ ‬ــ‭ ‬المراسلة‭: ‬الذي‭ ‬يتراكم‭ ‬عن‭ ‬مراسلةٍ‭ ‬بين‭ ‬معتقلين‭ ‬سوريين؛‭ ‬العلوي‭ ‬‮«‬حيدر‭ ‬لقمان‭ ‬السنجاري‮»‬‭ ‬وصديقه‭ ‬الأرمني‭ ‬‮«‬هاغوبزارادشتيان‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬القسم‭ ‬ينتقل‭ ‬حيدر‭ ‬السنجاري‭ ‬كقوة‭ ‬فاعلة‭ ‬في‭ ‬النَّص‭ ‬السَّردي‭ ‬بعد‭ ‬فقدان‭ ‬الإيمان‭ ‬‭(‬أكاد‭ ‬أختنق،‭ ‬مات‭ ‬بروميثيوس‭)‬،‭ ‬أو‭ ‬انسداد‭ ‬الأفق‭ ‬بانبثاق‭ ‬لحظة‭ ‬تاريخية‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬عامةً‭ ‬وسوريا‭ ‬خاصةً‭ ‬إلى‭ ‬استعادة‭ ‬الأمل‭ ‬بقدوم‭ ‬هدير‭ ‬الحرية‭ ‬‭(‬غروب‭ ‬الأصنام،‭ ‬لحظة‭ ‬القيامة‭)‬‭.‬

وفي‭ ‬تضاريس‭ ‬هذا‭ ‬القسم‭ ‬من‭ ‬السَّردية‭ ‬سوف‭ ‬يجري‭ ‬تدشين‭ ‬لقاء‭ ‬تعارفٍ‭ ‬بين‭ ‬صحفي‭ ‬كردي‭ ‬سوري‭ ‬‮«‬ولات‭ ‬أوسو‮»‬‭ ‬‭-‬الذي‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬الخطابات‭ ‬الجوفاء‭ ‬لحزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬التزم‭ ‬معهم‭ ‬ردحاً‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬ثم‭ ‬انشق‭ ‬عنهم‭ ‬بعد‭ ‬الانتفاضة‭ ‬السوريةـ‭ ‬ومواطنة‭ ‬بلجيكية‮»‬كاترين‭ ‬دو‭ ‬وينتر‮»‬،‭ ‬ذات‭ ‬جذور‭ ‬يسارية‭ ‬ومتعاطفة‭ ‬مع‭ ‬الحلم‭ ‬السوري،‭ ‬أقامت‭ ‬في‭ ‬دمشق‭ ‬لخمس‭ ‬سنوات‭ ‬انتهت‭ ‬بطردها‭ ‬ومنعها‭ ‬من‭ ‬دخول‭ ‬سوريا،‭ ‬سوف‭ ‬يقودنا‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء‭ ‬إلى‭ ‬أحداث‭ ‬مثيرة‭ ‬تبدأ‭ ‬في‭ ‬القسم‭ ‬الثاني‭.‬

2ـ‭ ‬جسد‭ ‬الخطاب‭: ‬‭(‬ساحة‭ ‬لابورس‭)‬‭: ‬هنا‭ ‬ينفسح‭ ‬جسد‭ ‬الخطاب‭ ‬ليغدو‭ ‬تضاريسَ‭ ‬معقدة‭ ‬من‭ ‬الأمكنة‭: ‬بروكسل،‭ ‬أوستند،‭ ‬دمشق،‭ ‬تونس،‭ ‬بيروت،‭ ‬أنطاكيا،‭ ‬واشنطن،‭ ‬حيث‭ ‬تغدو‭ ‬ساحة‭ ‬‮«‬لابورس‮»‬‭ ‬في‭ ‬بروكسل‭ ‬البؤرة‭ ‬المكانية‭ ‬التي‭ ‬تستقطب‭ ‬مجموعةَ‭ ‬قوًى‭ ‬فاعلة‭ ‬ترسم‭ ‬فضاءات‭ ‬الرواية‭ ‬وتقوم‭ ‬بأحداثها‭: ‬رولان‭ ‬كايمبي،‭ ‬كلارا،‭ ‬جورجينو‭ ‬الذين‭ ‬أخُضِعُوا‭ ‬لعمليات‭ ‬زرع‭ ‬أعضاء‭ ‬‭(‬الكبد‭ ‬لرولان،‭ ‬والشبكية‭ ‬لجورجينو،‭ ‬والكلية‭ ‬لكلار‭)‬،‭ ‬هؤلاء‭ ‬يرتبطون‭ ‬بصداقة‭ ‬مع‭ ‬الصَّحفي‭ ‬الكردي‭ ‬‮«‬ولات‭ ‬أوسو‮»‬‭ ‬والمواطنة‭ ‬البلجيكية‭ ‬‮«‬كاترين‭ ‬دو‭ ‬وينتر‮»‬،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يجمع‭ ‬هذه‭ ‬الشخصيات‭ ‬الثلاث‭ ‬حصراً‭ ‬بعد‭ ‬زرع‭ ‬أعضاء‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬أجسادها‭ ‬هو‭ ‬شعورها‭ ‬الغريب‭ ‬بالانحياز‭ ‬العاطفي‭ ‬للثورة‭ ‬السورية‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬اعتصاماتها‭ ‬ببروكسل‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬الاهتمام‭ ‬الجديد‭ ‬والطارئ‭ ‬بالفن‭ ‬والأدب‭ ‬والثقافة‭.‬

هذه‭ ‬التغيرات‭ ‬الشعورية‭ ‬تدفعهم‭ ‬إلى‭ ‬التحري‭ ‬والسؤال‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يسمح‭ ‬بدخول‭ ‬قوى‭ ‬فاعلة‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬المشهد‭ ‬الروائي‭: ‬الممرضة‭ ‬إيليس،‭ ‬الصحافي‭ ‬يان‭ ‬دو‭ ‬كاستيلر‭ ‬‭(‬العميل‭ ‬المزدوج‭)‬‭ ‬والدكتورة‭ ‬مارسيل‭ ‬ماكسيمليان‭ ‬وزوجها‭ ‬الأكاديمي‭ ‬جورج‭ ‬ساندرز‭ ‬ذو‭ ‬الرؤية‭ ‬التاريخية‭ ‬ثم‭ ‬مدير‭ ‬مشفى‭ ‬زرع‭ ‬الأعضاء‭ ‬ببروكسل‭ ‬البروفيسور‭ ‬إدوارد‭ ‬فاندرويه‭. ‬ستكشف‭ ‬تحريات‭ ‬مجموعة‭ ‬الأصدقاء‭ ‬بطرائق‭ ‬بوليسية‭ ‬‭-‬غاية‭ ‬في‭ ‬الحذاقة‭-‬‭ ‬عن‭ ‬علاقة‭ ‬بين‭ ‬المستشفى‭ ‬وضابط‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬السَّوري‭ ‬‮«‬ذو‭ ‬الفقار‭ ‬العلي‮»‬‭ ‬عن‭ ‬تولي‭ ‬الأخير‭ ‬انتزاع‭ ‬الأعضاء‭ ‬الحية‭ ‬من‭ ‬المعتقلين‭ ‬وتوريدها‭ ‬للقارة‭ ‬العجوز‭ ‬مقابل‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬الدولارات،‭ ‬وتنتهي‭ ‬الأحداث‭ ‬بمسؤولية‭ ‬ذو‭ ‬الفقار‭ ‬العلي‭ ‬بالانتقام‭ ‬من‭ ‬المناضل‭ ‬حيدر‭ ‬لقمان‭ ‬السنجاري‭ ‬‭(‬ابن‭ ‬قريته‭ ‬جيبول‭ ‬ورفيق‭ ‬دراسته‭)‬‭ ‬بالضرب‭ ‬وانتزاع‭ ‬أعضائه‭ ‬وبيعها‭ ‬ثم‭ ‬قتله،‭ ‬ستتحقَّق‭ ‬المجموعة‭ ‬بعد‭ ‬بيانات‭ ‬دقيقة‭ ‬عن‭ ‬الـ‮»‬DNA‮»‬‭ ‬الخاص‭ ‬بشقيق‭ ‬حيدر‭ ‬السنجاري؛‭ ‬بأنَّ‭ ‬الأعضاء‭ ‬المزروعة‭ ‬في‭ ‬أجسادها‭ ‬هي‭ ‬للمعتقل‭ ‬السياسي‭ ‬حيدر‭ ‬السنجاري‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬مشاركة‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬مظاهرات‭ ‬الثورة‭ ‬حيث‭ ‬يتنبأ‭ ‬بذلك‭ ‬في‭ ‬رسالته‭ ‬الأخيرة‭ ‬لصديقة‭ ‬الأرمني‭ ‬هاغوب‭ ‬‮«‬عزيزي‭ ‬هاغوب‮…‬‭ ‬كما‭ ‬قلت‭ ‬لك،‭ ‬غداً‭ ‬سأخرج‭ ‬في‭ ‬مظاهرة‭ ‬جمعة‭ ‬آزادي،‭ ‬ولا‭ ‬أعرف‭ ‬إن‭ ‬كنت‭ ‬سأعود‭ ‬إلى‭ ‬بيتي‭ ‬أم‭ ‬ستأخذني‭ ‬رصاصة‭ ‬قناص،‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬أريد‭. ‬تصبح‭ ‬على‭ ‬آزادي‭.. ‬تصبح‭ ‬على‭ ‬حرية‮»‬‭. ‬وهكذا‭ ‬ينتهي‭ ‬هذا‭ ‬القسم‭ ‬بلقاء‭ ‬كلارا‭ ‬بشقيق‭ ‬حيدر‭ ‬السنجاري‭ ‬‭(‬علي‭)‬‭ ‬للتأكد‭ ‬من‭ ‬فحص‭ ‬‭(‬DNA‭)‬‭ ‬الذي‭ ‬يثبت‭ ‬التوقعات‭ ‬الأولى‭ ‬للمجموعة؛‭ ‬ليبدأ‭ ‬القسم‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬الرواية‭ ‬بلقاء‭ ‬المجموعة‭ ‬مع‭ ‬صديق‭ ‬حيدر‭ ‬السنجاري‭ ‬المقيم‭ ‬في‭ ‬ستوكهولم‭ ‬هاغوبزارادشتيان‭.‬

3ـ‭ ‬خطاب‭ ‬الرواية‭ ‬غير‭ ‬المكتملة‭ ‬لحيدر‭ ‬السنجاري‭: ‬هذا‭ ‬القسم‭ ‬من‭ ‬الرواية‭ ‬يتخذ‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬كاترين‭ ‬دو‭ ‬وينتر‭ ‬بؤرة‭ ‬للقاء‭ ‬هاغوبزارادشتيان‭ ‬الذي‭ ‬يقصُّ‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬الأصدقاء‭ ‬بعض‭ ‬الأسرار‭ ‬الخاصة‭ ‬بحيدر‭ ‬السنجاري‭: ‬مجموعة‭ ‬أوراق‭ ‬تتضمن‭ ‬مشروعا‭ ‬روائيا‭ ‬عن‭ ‬تجربة‭ ‬سجنه‭ ‬‭(‬المنفردة‭ ‬رقم‭ ‬16‭)‬‭ ‬وشذرات‭ ‬تشفُّ‭ ‬عن‭ ‬لقاء‭ ‬بين‭ ‬حيدر‭ ‬وجده‭ ‬‭(‬رحلة‭ ‬السؤال‭ ‬في‭ ‬اشتهاء‭ ‬الخيال‭)‬،‭ ‬لينتهي‭ ‬هذا‭ ‬القسم‭ ‬ومعه‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬بحادث‭ ‬أليم،‭ ‬تودي‭ ‬بحياة‭ ‬‭(‬رولان،‭ ‬جورجينو،‭ ‬كلار‭)‬‭ ‬مع‭ ‬ضيفهم‭ ‬هاغوبزارادشتيان‭ ‬أثناء‭ ‬مرافقتهم‭ ‬له‭ ‬إلى‭ ‬مطار‭ ‬‮«‬زافينتم‮»‬‭ ‬الدولي،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬صدمت‭ ‬سيارتهم‭ ‬شاحنةٌ‭ ‬مجنونةٌ‭. ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التكثيف‭ ‬لأحداث‭ ‬الرواية‭ ‬وقواها‭ ‬الفاعلة‭ ‬قبل‭ ‬معاينة‭ ‬أسرار‭ ‬العتبات‭ ‬النَّصية‭ ‬التي‭ ‬تحفُّ‭ ‬بالخطاب‭ ‬الروائي،‭ ‬حيث‭ ‬يمكنها‭ ‬بعد‭ ‬التحليل‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬كثيرٍ‭ ‬من‭ ‬الصنعة‭ ‬الروائية‭ ‬وعن‭ ‬مدى‭ ‬ضرورتها‭ ‬لاستكمال‭ ‬التحليل‭ ‬السيميائي‭ ‬للخطاب‭ ‬الأدبي‭.‬

أسرار‭ ‬العتبات

حُضُورُ‭ ‬النَّص‭ ‬في‭ ‬–ومع‭-‬‭ ‬العَالم‭ ‬يرتهنُ‭ ‬بمصُاحباتٍ‭ ‬نصية‭ ‬وتشكيلية،‭ ‬تجعل‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬النَّصَّ‮»‬‭ ‬في‭ ‬متناول‭ ‬‮«‬العالم‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬تقديمه‭ ‬ككينونةٍ‭ ‬مكتملة،‭ ‬فتتفكك‭ ‬ثنائية‭ ‬الأساسي‭/‬الثانوي‭ ‬من‭ ‬تلقاء‭ ‬ذاتها،‭ ‬وتغدو‭ ‬العناصر‭ ‬النَّصية‭ ‬في‭ ‬الأهمية‭ ‬سواء‭. ‬وهكذا‭ ‬فالنُّصوص‭ ‬الموازية‭ ‬‭(‬the‭ ‬paratext‭)‬‭ ‬من‭ ‬عنوان‭ ‬وإهداء‭ ‬وبداية‭ ‬وخاتمة‭ ‬وكائنات‭ ‬الغلاف‭ ‬‭(‬اسم‭ ‬المؤلف،‭ ‬العلامات‭ ‬الأجناسية،‭ ‬اللوحة‭ ‬التشكيلية،‭.. ‬إلخ‭)‬‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تَهَبُ‭ ‬النَّصَّ‭ ‬حضوراً،‭ ‬ووجوداً‭ ‬قدر‭ ‬ما‭ ‬ترمي‭ ‬بهذا‭ ‬الحضور‭ ‬الدلالي‭ ‬على‭ ‬أقواس‭ ‬القراءة‭ ‬وتزجُّه‭ ‬في‭ ‬لعبة‭ ‬التأويل‭ ‬المرتقبة‭. ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬نشرع‭ ‬بقراءة‭ ‬عتبة‭ ‬العنوان،‭ ‬العتبة‭ ‬الأكثر‭ ‬استراتيجية‭ ‬والأكثر‭ ‬سراً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬السردية‮»‬،‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬من‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬عنوان‭ ‬النَّص‭ ‬يقودنا‭ ‬ويدفع‭ ‬بنا‭ ‬نحو‭ ‬عتبتي‭ ‬‮«‬الإهداء‮»‬‭ ‬و‮»‬الافتتاحية‮»‬‭ ‬اللتين‭ ‬تَعْقِدَان‭ ‬مع‭ ‬القارئ‭ ‬ميثاق‭/‬برتوكول‭ ‬قراءة،‭ ‬فالإهداء‭ ‬يخصُّ‭ ‬مدينة‭ ‬‮«‬أوستند‮»‬‭ ‬البلجيكية‭ ‬حباً‭ ‬وتكريماً‭ ‬حيث‭ ‬يقيم‭ ‬الكاتب،‭ ‬وكذلك‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬كلِّ‭ ‬مَنْ‭ ‬ظلم‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‮»‬‭.‬

هذه‭ ‬التفريعة‭ ‬العلاماتية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬ترسم‭ ‬بعد‭ ‬عتبة‭ ‬العنوان‭ ‬تخوم‭ ‬برتوكول‭ ‬قراءة،‭ ‬عبر‭ ‬سؤال‭ ‬ناهضٍ‭ ‬وحادٍّ‭: ‬مَنْ‭ ‬هؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬ظلموا‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬ولماذا‮…‬؟‭ ‬لكن‭ ‬الإجابة‭ ‬مرهونة‭ ‬بقراءة‭ ‬الرواية‭ ‬للإمساك‭ ‬بأسباب‭ ‬الظلم‭ ‬الذي‭ ‬تعرضت‭ ‬له‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭!‬

يبدو‭ ‬أن‭ ‬الافتتاحية‭ ‬النّصية‭ ‬التي‭ ‬تترامى‭ ‬على‭ ‬صفحةٍ‭ ‬كاملةٍ‭ ‬تتضمن‭ ‬من‭ ‬العلامات‭ ‬والإشارات‭ ‬الكثير‭ ‬لتورّط‭ ‬القارئ‭ ‬مع‭ ‬النَّص‭ ‬وتهيكل‭ ‬له‭ ‬فضاء‭ ‬القراءة‭ ‬‮«…‬‭ ‬ولكن،‭ ‬هل‭ ‬حَدَثَ‭ ‬كلُّ‭ ‬هذا،‭ ‬كما‭ ‬روي،‭ ‬أم‭ ‬أنَّ‭ ‬الأمرَ‭ ‬محضُ‭ ‬التباسٍ،‭ ‬لا‭ ‬أكثر؟‭!‬‮»‬،‭ ‬إن‭ ‬الافتتاحية‭ ‬هنا‭ ‬تستعيد‭ ‬تقاليد‭ ‬الموازيات‭ ‬النَّصية‭ ‬لإبرام‭ ‬مواثيق‭ ‬القراءة‭ ‬بقصد‭ ‬اقتناص‭ ‬القارئ،‭ ‬وإحداث‭ ‬فعل‭ ‬القراءة‭ ‬المرتقب‭.‬

لوحة: حمد الحناوي

يشرعُ‭ ‬برتوكول‭ ‬القراءة‭ ‬في‭ ‬حركته‭ ‬الأولى‭ ‬بالانفساح‭ ‬عبر‭ ‬التموضع‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬النَّصي‭ ‬بغية‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬أسرار‭ ‬لعبة‭ ‬العتبات‭ ‬النصية‭ ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬النَّص‭ ‬السَّردي‭ ‬هويته‭ ‬كحضور‭ ‬سيميائي‭. ‬هنا؛‭ ‬يبدأ‭ ‬اللقاء‭ ‬مع‭ ‬النَّص‭ ‬بنهوض‭ ‬عنوان‭ ‬مُلغز‭ ‬يستعير‭ ‬علاماته‭ ‬من‭ ‬المعجم‭ ‬الصوفي‭ ‬‮«‬وطأة‭ ‬اليقين‭: ‬محنة‭ ‬السؤال‭ ‬وشهوة‭ ‬الخيال‮»‬،‭ ‬تركيب‭ ‬إضافي‭ ‬يتكرر‭ ‬ثلاثاً‭ ‬بغموض‭ ‬متقصّد‭ ‬دون‭ ‬رأفة،‭ ‬حيث‭ ‬يفتح‭ ‬فجوةً‭ ‬من‭ ‬الحيرة‭ ‬ويربك‭ ‬مسار‭ ‬القراءة‭ ‬عن‭ ‬التقدُّم‭ ‬في‭ ‬طيات‭ ‬النَّص‭ ‬وتشعباتها،‭ ‬وهذه‭ ‬ميزة‭ ‬تصبُّ‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬العنوان‭ ‬الأدبي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بتعيين‭ ‬النَّص‭ ‬هويةً‭ ‬وإنما‭ ‬يتجاوز‭ ‬‮«‬التعيين‮»‬وظيفةً‭ ‬إلى‭ ‬استملاك‭ ‬البعد‭ ‬الجمالي؛‭ ‬الذي‭ ‬به‭ ‬يكون‭ ‬العنوان‭ ‬الأدبي‭ ‬خطاباً‭ ‬مفارقاً،‭ ‬خطاباً‭ ‬يتلاعب‭ ‬بالدِّلالة‭ ‬المحدّدة‭ ‬عرفياً؛‭ ‬لينزلق‭ ‬إلى‭ ‬دلالات‭ ‬جديدة‭ ‬معاكسة،‭ ‬خطاباً‭ ‬يسكن‭ ‬الإرجاء‭ ‬الدلالي،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يمارسه‭ ‬العنوان‭ ‬الرَّاهن،‭ ‬فالقارئ‭ ‬لا‭ ‬يحتاجُ‭ ‬إلى‭ ‬جهد‭ ‬كبيرٍ‭ ‬ليمضي‭ ‬معه‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬المعرفية‭ ‬الصُّوفية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يوهم‭ ‬بأنَّهُ‭ ‬إزاء‭ ‬كتابِ‭ ‬في‭ ‬أفهومات‭ ‬التَّصوف‭ ‬الإسلامي‭ ‬ومعجمه‭ ‬‮«‬وطأة،‭ ‬محنة،‭ ‬شهوة،‭ ‬اليقين،‭ ‬السؤال،‭ ‬الخيال‮»‬،‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬العلامة‭ ‬الأجناسية‭ ‬‮«‬رواية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تتخذ‭ ‬من‭ ‬منتصف‭ ‬الغلاف‭ ‬مسكناً‭ ‬لها‭ ‬تقوّض‭ ‬هذا‭ ‬الاحتمال‭ ‬في‭ ‬انتماء‭ ‬الكتاب‭ ‬إلى‭ ‬المعرفة‭ ‬الصوفية،‭ ‬لتعلن‭ ‬عن‭ ‬انتمائه‭ ‬إلى‭ ‬السَّرد‭ ‬الأدبيِّ‭.‬

وهكذا‭ ‬فالعُنوان‭ ‬تسميةٌ‭ ‬لسرديةٍ؛‭ ‬يؤثث‭ ‬منطقةً‭ ‬معتمةً‭ ‬من‭ ‬الغموض‭ ‬الدلالي،‭ ‬يمتنع‭ ‬عن‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬القارئ،‭ ‬فالعنوان‭ ‬الرئيسي‭ ‬‮«‬وطأة‭ ‬اليقين‮»‬‭ ‬المفخّخ‭ ‬بالغموض‭ ‬يُدجَّجُ‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬العادة‭ ‬بعنوان‭ ‬فرعي‭ ‬‮«‬محنة‭ ‬السؤال‭ ‬وشهوة‭ ‬الخيال‮»‬،‭ ‬وبدلاً‭ ‬من‭ ‬تخفيف‭ ‬وطأة‭ ‬العَتَمة‭ ‬في‭ ‬العنوان‭ ‬الرئيسي‭ ‬نجده‭ ‬يهبط‭ ‬بعلامات‭ ‬العنوان‭ ‬الرئيسي‭ ‬في‭ ‬لجةٍ‭ ‬من‭ ‬غموضٍ‭ ‬المضاعف‭. ‬ولذلك‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬من‭ ‬تخفيف‭ ‬حدة‭ ‬التوتر‭ ‬الدلالي،‭ ‬حيث‭ ‬نلفي‭ ‬أنَّ‭ ‬‮«‬اليقين‮»‬‭ ‬يؤمئ‭ ‬إلى‭ ‬الثبوت‭ ‬والتأكيد‭ ‬والحتمي،‭ ‬فهو‭ ‬في‭ ‬المعرفة‭ ‬الصُّوفية‭ ‬‮«‬العلم‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يتداخلُ‭ ‬صاحِبَهُ‭ ‬ريبٌ‭ ‬على‭ ‬مُطلق‭ ‬العرف‮»‬،‭ ‬إزاء‭ ‬هذا‭ ‬اليقين‭ ‬الموصوف‭ ‬بوطأة‭ ‬حضوره‭ ‬الكثيف‭ ‬ينهض‭ ‬العنوان‭ ‬الفرعي‭ ‬عبر‭ ‬علامتي‭ ‬‮«‬السؤال،‭ ‬الخيال‮»‬،‭ ‬ليعصفَ‭ ‬بـ‮»‬اليقين‮»‬‭ ‬الماثل‭ ‬ويجعله‭ ‬محفلاً‭ ‬للتسآل‭ ‬حيث‭ ‬الشكُّ‭ ‬والاستفسار‭ ‬والاستخبار‭ ‬والاستيضاح،‭ ‬هذا‭ ‬اليقين‭ ‬وتحت‭ ‬مطرقة‭ ‬الاستشكال‭ ‬‭(‬علم‭ ‬السؤال‭)‬‭ ‬يغدو‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬الخيال‭ ‬وهماً،‭ ‬ظنوناً،‭ ‬وتَمَثُّلاً‭ ‬عابراً،‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنَّ‭ ‬العنوان‭ ‬بعلاماته‭ ‬‮«‬اليقين،‭ ‬السؤال،‭ ‬الخيال‮»‬‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬السيرورة‭ ‬الدلالية‭ ‬للتأويل‭ ‬إنما‭ ‬يعكس‭ ‬عملية‭ ‬الاختلاق‭ ‬الأدبي‭ ‬وذلك‭ ‬بالانتقال‭ ‬من‭ ‬عَالم‭ ‬يقينيٍّ‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬المحسوس‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬آخر،‭ ‬قوامه‭ ‬متخيَّلٌ،‭ ‬خَيالٌ‭ ‬يتأسَّسُ‭ ‬تحت‭ ‬شهوة‭ ‬أسئلة‭ ‬المُخيِّلة‭ ‬وبها‭. ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬فهذه‭ ‬الدِّلالات‭ ‬التي‭ ‬يحتاز‭ ‬عليها‭ ‬العنوانُ‭ ‬بوصفه‭ ‬نصاً‭ ‬مستقلاً‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬ينحرفُ‭ ‬عنها‭ ‬حينما‭ ‬يغدو‭ ‬علامةً‭ ‬دالةً‭ ‬على‭ ‬النَّصِّ‭ ‬الذي‭ ‬يسمّيه‭ ‬ويمنحه‭ ‬الكينونة،‭ ‬أي‭ ‬حين‭ ‬يتناصُّ‭ ‬مع‭ ‬النَّصِّ‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬تزاوج،‭ ‬فالعنوان‭ ‬من‭ ‬ممتلكات‭ ‬النَّص‭ ‬وإليه‭ ‬يحيل،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجدرُ‭ ‬بنا‭ ‬الوقوف‭ ‬عنده،‭ ‬فثمة‭ ‬ميثاق،‭ ‬عهدٌ،‭ ‬التزام‭ ‬لا‭ ‬بدَّ‭ ‬أن‭ ‬يأخذ‭ ‬مجراه‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬تَبَنْيُنِ‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الكائنين‭: ‬العُنوان‭ ‬والنَّص،‭ ‬لكي‭ ‬يدلَّ‭ ‬الاسم‭ ‬على‭ ‬المسمَّى‭.‬

تبدأ‭ ‬العَلاقة‭ ‬التناصية‭ ‬بين‭ ‬العنوان‭ ‬والنَّص‭ ‬بالتمظهر‭ ‬في‭ ‬الرسالة‭ ‬الأولى‭ ‬‮«‬أكاد‭ ‬أختنق‮»‬‭ ‬للمعتقل‭ ‬السياسي‭ ‬حيدر‭ ‬لقمان‭ ‬السنجاري‭ ‬لصديقه‭ ‬هاغوب،‭ ‬فعنوان‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة‭ ‬آنف‭ ‬الذكر‭ ‬يعكس‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬يحياه‭ ‬المعتقل‭ ‬السياسي‭ ‬السابق‭ ‬‮«‬فكلُّ‭ ‬شيءٍ‭ ‬برسم‭ ‬الفساد‮»‬‭ ‬‮«‬الزمنُ‭ ‬شديدُ‭ ‬الانحطاط،‭ ‬الهواء‭ ‬الفاسد،‭ ‬الماء‭ ‬الفاسد،‭ ‬النهار،‭ ‬الليل،‭ ‬الأفكار،‭ ‬الغناء،‭ ‬الرسم‮…‬‭ ‬فاسد‮»‬،‭ ‬ليعلن‭ ‬أخيراً‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭-‬اليقين‭ ‬الأبدي،‭ ‬اللاتاريخي‭ ‬والرافض‭ ‬للتغيير،‭ ‬فليست‭ ‬‮«‬وطأة‭ ‬اليقين‮»‬‭ ‬إلا‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الواقع‭-‬المستنقع‮»‬،‭ ‬يكتب‭ ‬‮«‬قياساً‭ ‬على‭ ‬حالنا‭ ‬هذه،‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬سيأتي‭ ‬التغيير‭ ‬الذي‭ ‬ربما‭ ‬يلقي‭ ‬بحجر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المستنقع‭ ‬الآسن‭ ‬الذي‭ ‬نعيشه،‭ ‬ونسميه‭ ‬وطناً‭!‬‭(‬‮…‬‭)‬‭ ‬أكتب‭ ‬إليك‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬يقين‭ ‬يزدادُ‭ ‬تراكماً،‭ ‬لسان‭ ‬حاله؛‭ ‬ألا‭ ‬تزحزح‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الحال‭ ‬التي‭ ‬نعيشها‮»‬‭ ‬‭(‬ص‭ ‬12‭)‬‭. ‬يمتدُّ‭ ‬هذا‭ ‬اليقين‭ ‬إلى‭ ‬كلِّ‭ ‬شيء‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يعيشه‭ ‬في‭ ‬السّجن‭ ‬حيث‭ ‬الحماس‭ ‬والهيجان‭ ‬والأحلام،‭ ‬لكن‭ ‬خارج‭ ‬السّجن‭ ‬غدا‭ ‬ذاك‭ ‬المستقر‭-‬الموات‭ ‬‮«‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هنالك‭ ‬ثمّة‭ ‬شعب‭ ‬بلا‭ ‬أحلام،‭ ‬فهو‭ ‬نحن‭. ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هنالك‭ ‬ثمّة‭ ‬وطن‭ ‬بلا‭ ‬أحلام،‭ ‬فهو‭ ‬حيث‭ ‬نعيش‮»‬‭ ‬‭(‬ص‭ ‬14‭)‬‭.‬

ينهض‭ ‬التناصُّ‭ ‬بين‭ ‬العنوان‭ ‬الرئيسي‭ ‬والرسالتين‭ ‬الأوليين‭ ‬‮«‬أكاد‭ ‬أختنق،‭ ‬ومات‭ ‬بروميثيوس‮»‬‭ ‬اللتين‭ ‬أرسلهما‭ ‬حيدر‭ ‬السنجاري‭ ‬لصديقه‭ ‬هاغوب‭ ‬معبراً‭ ‬عن‭ ‬وطأة‭ ‬اليقين‭ ‬المسيطر‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭. ‬غير‭ ‬أنَّنا‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬نلمس‭ ‬انعطافةً‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الدلالي‭ ‬في‭ ‬الرسالتين‭ ‬التاليتين‭ ‬‮«‬غروب‭ ‬الأصنام‮»‬‭ ‬و‮»‬لحظة‭ ‬القيامة‮»‬‭ ‬تساوقاً‭ ‬مع‭ ‬الحركة‭ ‬الدلالية‭ ‬للعنوان‭ ‬الفرعي‭ ‬‮«‬محنة‭ ‬السؤال‭ ‬وشهوة‭ ‬الخيال‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬انبثق‭ ‬كضديد‭ ‬للعنوان‭ ‬الرئيسي،‭ ‬فالرسالتان‭ ‬تعبران‭ ‬عن‭ ‬الأمل‭ ‬الجديد‭ ‬بتقويض‭ ‬‮«‬اليقين‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬الهيمنةُ‭ ‬الأسطورية‭ ‬لاستبدادٍ‭ ‬لا‭ ‬مثيل‭ ‬له،‭ ‬عاكفٌ‭ ‬على‭ ‬ابتلاع‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬عموماً‭ ‬والسوري‭ ‬خصوصاً‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬فهذا‭ ‬الأمل‭ ‬بالتغيير‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬‮«‬السؤال‮»‬‭ ‬بوصفه‭ ‬أداة‭ ‬الفكر‭ ‬في‭ ‬المساءلة‭ ‬والتشكيك‭ ‬في‭ ‬اليقين‭ ‬ذاته،‭ ‬يقين‭ ‬السلطة‭ ‬الأبدية،‭ ‬فالتقويض‭ ‬لا‭ ‬يبدأ‭ ‬إلا‭ ‬بمطرقة‭ ‬السؤال،‭ ‬بالسؤال‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬‮«‬محنة‮»‬‭ ‬في‭ ‬ذاك‭ ‬الزمن‭ ‬الصعب،‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬كلّف‭ ‬ويكلف‭ ‬الكينونة‭ ‬تغييباً‭ ‬في‭ ‬سجون‭ ‬‮«‬الرجل‭-‬الأبد‮»‬‭. ‬هنا‭ ‬يومئ‭ ‬حيدر‭ ‬السنجاري‭ ‬بـ‮»‬غروب‭ ‬الأصنام‮»‬إلى‭ ‬رحيل‭ ‬فرعوني‭ ‬تونس‭ ‬ومصر‭ ‬زين‭ ‬العابدين‭ ‬ومبارك‭! ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يمثّل‭ ‬لحظة‭ ‬فارقة‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬الخيال‭ ‬في‭ ‬شهوته‭ ‬إيجاد‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يوجد؛‭ ‬هو‭ ‬‮«‬لحظة‭ ‬القيامة‮»‬،‭ ‬آنَ‭ ‬انبثاق‭ ‬هدير‭ ‬الحلم‭ ‬السوري،‭ ‬اللحظة‭-‬الخيال‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬متوقعة‭ ‬بأيِّ‭ ‬حال‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬كالواقع‭ ‬السوري؛‭ ‬لذلك‭ ‬يكتب‭ ‬السنجاري‭ ‬غير‭ ‬مصدق‭ ‬‮«‬أتخيّل‭ ‬سورية،‭ ‬تنهض‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬ركام‭ ‬ألف‭ ‬غورينيكا‭ ‬وحلبجة‭ ‬وهيروشيما‮…‬،‭ ‬بعد‭ ‬تحطّم‭ ‬الباستيل‭ ‬الذي‭ ‬كنا‭ ‬نعيشه‭. ‬ولن‭ ‬نعود‭ ‬إليه‭. ‬تحطّم‭ ‬سجن‭ ‬تدمر،‭ ‬سجن‭ ‬صيدنايا،‭ ‬سجن‭ ‬المزّة،‭ ‬سجن‭ ‬درعا،‭.. ‬وإنها‭ ‬القيامة‭ ‬ولا‭ ‬ريب‭. ‬قيامةُ‭ ‬شعب،‭ ‬قيامة‭ ‬وطن،‭ ‬قيامة‭ ‬مجتمع،‭ ‬قيامة‭ ‬ثورة،‭ ‬سيغمر‭ ‬دفئها‭ ‬وحرارة‭ ‬أفكارها،‭ ‬عموم‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬‭ ‬‭(‬ص‭ ‬195‭)‬‭.‬

هكذا‭ ‬الالتزام‭ ‬بين‭ ‬العنوان‭ ‬والنَّص‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬بمكان‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬اللفظي‭ ‬أو‭ ‬الدلالي،‭ ‬ويكتسب‭ ‬شكله‭ ‬شبه‭ ‬النَّهائي‭ ‬في‭ ‬ختام‭ ‬النَّص‭ ‬الروائي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬رحلة‭ ‬السؤال‭ ‬والتخمين‭ ‬في‭ ‬مقابر‭ ‬اليقين‭ ‬والتلقين‮»‬‭ ‬‭(‬ص347‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬الكتاب‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬تركه‭ ‬الجد‭ ‬الشيخ‭ ‬أزدشير‭ ‬بن‭ ‬حيدر‭ ‬بن‭ ‬معصوم‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬السنجاري‭ ‬بعد‭ ‬وفاته،‭ ‬فيوصى‭ ‬به‭ ‬لحفيده‭ ‬المعتقل‭ ‬حيدر‭ ‬السنجاري‭ ‬بعد‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬السجن‭. ‬بيد‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬الذي‭ ‬يتفاعل‭ ‬صيغةً‭ ‬ودلالةً‭ ‬مع‭ ‬عنوان‭ ‬الرواية‭ ‬ما‭ ‬يلبث‭ ‬أن‭ ‬يظهر‭ ‬ثانيةً‭ ‬بين‭ ‬الأوراق‭ ‬التي‭ ‬تركها‭ ‬حيدر‭ ‬السنجاري‭ ‬لدى‭ ‬صديقه‭ ‬هاغوبزارادشتيان،‭ ‬ليكتسب‭ ‬تسمية‭ ‬أكثر‭ ‬رشاقة‭ ‬‮«‬رحلة‭ ‬السؤال‭ ‬واشتهاء‭ ‬الخيال‮»‬‭ ‬‭(‬ص‭ ‬355‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬يتضمن‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬طرحها‭ ‬الحفيد‭ ‬على‭ ‬جده‭ ‬الشيخ‭ ‬حول‭ ‬الحياة،‭ ‬والموت،‭ ‬والوجود،‭ ‬والفناء،‭ ‬والزمان،‭ ‬والإيمان،‭ ‬والعقل،‭ ‬والنفس،‭ ‬والعناصر‭.. ‬إلخ‭.‬

وهكذا‭ ‬يتبين‭ ‬للقارئ‭ ‬انضغاط‭ ‬هذين‭ ‬العنوانين‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬عنوان‭ ‬الرواية‭ ‬بصورة‭ ‬متشاكلة‭ ‬إلا‭ ‬قليلاً‭ ‬‮«‬وطأة‭ ‬اليقين‭: ‬محنة‭ ‬السؤال‭ ‬وشهوة‭ ‬الخيال‮»‬‭. ‬وليس‭ ‬بخافٍ‭ ‬على‭ ‬القارئ‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الرحلة‮»‬‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬‮«‬رحلة‭ ‬السؤال‮»‬‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬المحنة‭ ‬واشتهاء‭ ‬المعرفة،‭ ‬فالرحلة‭ ‬ليست‭ ‬إلا‭ ‬محنة‭ ‬الكائن‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬السر‭. ‬وبهذا‭ ‬التَّشاكل‭ ‬التّناصي‭ ‬بين‭ ‬العنوان‭ ‬الرئيسي‭ ‬والداخل‭ ‬النَّصي‭ ‬يؤدّي‭ ‬العنوان‭ ‬أدواراً‭ ‬بنائية‭ ‬غايتها‭ ‬التماسك‭ ‬وتقوية‭ ‬البنية‭ ‬النَّصية‭. ‬بيد‭ ‬أنّ‭ ‬عنوان‭ ‬الرواية‭ ‬يفتح‭ ‬مساحة‭ ‬من‭ ‬الاختلاف‭ ‬الدلالي‭ ‬مع‭ ‬العنوانين‭ ‬المذكورين،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬ديدن‭ ‬العنوان‭ ‬المفارق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ممارسة‭ ‬التماثل‭ ‬والاختلاف‭ ‬دلالةً‭.‬

ما‭ ‬ينتظر‭ ‬القراءة‭ ‬من‭ ‬الموازيات‭ ‬النَّصية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬يتمثَّل‭ ‬في‭ ‬‮«‬خاتمة‭ ‬الرواية‮»‬‭ ‬ذاتها،‭ ‬فالخاتمة‭ ‬تسمح‭ ‬لنا‭ ‬بالخروج‭ ‬من‭ ‬تضاريس‭ ‬النَّص،‭ ‬أي‭ ‬أنها‭ ‬تشكّل‭ ‬حدّاً‭ ‬فيزيائياً‭ ‬لامتداد‭ ‬المساحة‭ ‬اللغوية‭ ‬للنص‭ ‬الروائي،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬تفتح‭ ‬عالماً‭ ‬سيميائياً‭ ‬من‭ ‬التساؤلات‭ ‬والدلالات‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬الانتباه‭ ‬أن‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬وطأة‭ ‬اليقين‮»‬‭ ‬تلوذ‭ ‬بخاتمتين‭ ‬نصيتين،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يثير‭ ‬جملةً‭ ‬من‭ ‬التساؤلات،‭ ‬فالتماسك‭ ‬البنائي‭ ‬للنَّصِّ‭ ‬يفترض‭ ‬إنهاء‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬الصفحة‭ ‬الـ348‭ ‬بعد‭ ‬لقاء‭ ‬كلارا‭ ‬بعليٍّ‭ ‬‭(‬شقيق‭ ‬حيدر‭ ‬السنجاري‭)‬‭ ‬في‭ ‬تركيا،‭ ‬وتحديداً‭ ‬عندما‭ ‬يبلّغ‭ ‬علي‭ ‬كلارا‭ ‬عن‭ ‬هاغوبزارادشتيان‭ ‬الصديق‭ ‬الحميم‭ ‬لحيدر‭ ‬السنجاري‭ ‬في‭ ‬سجن‭ ‬تدمر‭ ‬ويقيم‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬السويد،‭ ‬فتطلب‭ ‬منه‭ ‬دليلاً‭ ‬يدلُّ‭ ‬على‭ ‬عنوانه‭ ‬فيسهّل‭ ‬لها‭ ‬المهمة‭ ‬‮«‬هو‭ ‬سياسي‭ ‬وكاتب‭ ‬معروف‭. ‬يمكنكِ‭ ‬الاستعانة‭ ‬بالنشطاء‭ ‬ومواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للوصول‭ ‬إليه‮»‬‭ ‬‭(‬ص‭ ‬384‭)‬‭.‬

هذه‭ ‬النهاية‭ ‬المفتوحة‭ ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬القارئ‭ ‬فضاء‭ ‬للتخيَّل‭ ‬والتصور‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬يقفلها‭ ‬الكاتب‭ ‬بإضافة‭ ‬حيز‭ ‬سردي‭ ‬ثالث‭ ‬‮«‬خطاب‭ ‬الرواية‭ ‬غير‭ ‬المكتملة‭ ‬لحيدر‭ ‬السنجاري‮»‬؛‭ ‬الأمر‭ ‬أطاح‭ ‬بالتماسك‭ ‬البنائي‭ ‬وخلّف‭ ‬فجوةً‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬السردية،‭ ‬ودفع‭ ‬الكاتب‭ ‬إلى‭ ‬اختتام‭ ‬النص‭ ‬الروائي‭ ‬بنهاية‭ ‬ثانية،‭ ‬لكنها‭ ‬مقفلة‭ ‬دلالياً‭ ‬‮«‬بعد‭ ‬مضيّ‭ ‬أربعة‭ ‬أيام‭ ‬على‭ ‬تواجده‭ ‬في‭ ‬بروكسل،‭ ‬قرر‭ ‬هاغوب‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬ستوكهولم‭ ‬نهار‭ ‬يوم‭ ‬20‭ ‬أيار‭ ‬2013‭. ‬فاتفق‭ ‬الثلاثة،‭ ‬رولان‭ ‬وجورجينو‭ ‬وكلارا،‭ ‬على‭ ‬إيصاله‭ ‬إلى‭ ‬مطار‭ ‬بروكسل‭ ‬الدولي‭. ‬لكن‭ ‬طائرة‭ ‬هاغوب‭ ‬أقلعت‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يلحق‭ ‬بها‭. ‬إذ‭ ‬شاء‭ ‬القدر‭ ‬أن‭ ‬يأخذه‭ ‬والثلاثة‭ ‬الذين‭ ‬يصطحبونه‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬يتواجد‭ ‬صديقهم‭ ‬حيدر‭ ‬السنجاري‭. ‬وذلك‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬صدمت‭ ‬شاحنة‭ ‬مجنونة‭ ‬سيارتهم،‭ ‬على‭ ‬بُعد‭ ‬خمسة‭ ‬كيلومترات‭ ‬من‭ ‬مطار‭ ‬‘زافينتم’‭ ‬الدولي‮»‬‭ ‬‭(‬ص380‭)‬‭.‬

هكذا‭ ‬يتبين‭ ‬لنا‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬الخاتمة‮»‬‭ ‬تقاوم‭ ‬بدلالاتها‭ ‬‮«‬الخاتمة‮»‬‭ ‬الأولى،‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تشرف‭ ‬فيه‭ ‬الرواية‭ ‬مع‭ ‬الخاتمة‭ ‬الأولى‭ ‬على‭ ‬فضاء‭ ‬مفتوح‭ ‬واحتمالات‭ ‬وإمكانات‭ ‬وتساؤلات‭ ‬متعددة،‭ ‬تفضي‭ ‬الخاتمة‭ ‬الثانية‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬مقفل‭! ‬مغلق‭ ‬بفعل‭ ‬الحضور‭ ‬المريع‭ ‬للموت،‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنه‭ ‬‭-‬بموت‭ ‬الشخصيات‭ ‬الأربع‭-‬‭ ‬يشير‭ ‬النَّصُّ‭ ‬إلى‭ ‬انسداد‭ ‬الآفاق‭ ‬وانغلاقها‭ ‬أمام‭ ‬الانتفاضة‭ ‬السورية‭ ‬بدخولها‭ ‬في‭ ‬مضائق‭ ‬وممرات‭ ‬غير‭ ‬متوقعة‭!‬

لا‭ ‬بدَّ‭ ‬من‭ ‬الإشارة‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬المتن‭ ‬السردي‭ ‬‭(‬الذي‭ ‬يتطلب‭ ‬مقاربة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬وطأة‭ ‬اليقين‮»‬‭ ‬يشغل‭ ‬مساحات‭ ‬شاسعة‭ ‬وتشغله‭ ‬فضاءات‭ ‬وأزمنة‭ ‬وشخصيات‭ ‬كثيرة‭ ‬ومتنوعة‭)‬‭ ‬يغدو‭ ‬من‭ ‬الصَّعب‭ ‬في‭ ‬مقالةٍ‭ ‬محدودة‭ ‬المساحة‭ ‬محاصرة‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الكائنات‭ ‬النَّصية‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬أن‭ ‬البرامج‭ ‬السردية‭ ‬تتنوع‭ ‬بتنوع‭ ‬هذه‭ ‬الكائنات‭ ‬النَّصية،‭ ‬وما‭ ‬يحتّم‭ ‬الإشارة‭ ‬إليه‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬السَّرد‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬الثرية‭ ‬بثيماتها‭ ‬يمتاز‭ ‬بإيقاع‭ ‬بطيء‭ ‬نتيجة‭ ‬التساهل‭ ‬مع‭ ‬تقنية‭ ‬الحوار،‭ ‬الحوار‭ ‬الطويل‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الفاعلة‭ ‬في‭ ‬المشاهد‭ ‬الروائية‭ ‬الكثيرة‭ ‬والمتوزعة‭ ‬على‭ ‬الشريط‭ ‬اللغوي‭ ‬للرواية،‭ ‬لتهيمن‭ ‬هذه‭ ‬التقنية‭ ‬على‭ ‬الرواية‭ ‬فتعرقل‭ ‬انتظام‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬إيقاع‭ ‬سريع‭ ‬يجذب‭ ‬قارئ‭ ‬الرواية‭ ‬بقوة‭ ‬أشدّ‭ ‬إلى‭ ‬عوالم‭ ‬اليقين‭ ‬السُّؤال‭ ‬والخيال‭.‬


كاتب من سوريا مقيم في ألمانيا