هل‭ ‬انهارت‭ ‬أسطورة‭ ‬البراءة‭ ‬البيضاء

لو‭ ‬أن‭ ‬أيّ‭ ‬رجل‭ ‬أبيض‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬طالب‭ ‬بالحرية‭ ‬أو‭ ‬الموت‭ ‬سوف‭ ‬يصفق‭ ‬له‭ ‬العالم‭ ‬الأبيض‭ ‬بأسره‭. ‬ولكن‭ ‬حين‭ ‬ينطق‭ ‬رجلٌ‭ ‬أسود‭ ‬بالكلمات‭ ‬ذاتها،‭ ‬ينظرون‭ ‬إليه‭ ‬نظرتهم‭ ‬إلى‭ ‬مجرم‭ ‬ويعاملونه‭ ‬معاملة‭ ‬المجرم‭. ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ممكن‭ ‬يَصدُر‭ ‬بحقه‭ ‬لتحويل‭ ‬هذا‭ ‬الزنجي‭ ‬الرديء‭ ‬إلى‭ ‬أمثولة‭. ‬بهذا‭ ‬المنطق‭ ‬المباشر‭ ‬يتحدث‭ ‬الروائي‭ ‬والشاعر‭ ‬الأميركي‭ ‬جيمز‭ ‬بولدوين‭ ‬‭(‬1924‭-‬1987‭)‬‭ ‬في‭ ‬الفيلم‭ ‬الوثائقي‭ ‬‮«‬لستُ‭ ‬زنجيك‮»‬‭ ‬من‭ ‬إخراج‭ ‬المخرج‭ ‬الهاييتي‭ ‬راؤول‭ ‬بيك‭.‬

الجديد  هالة صلاح الدين [نُشر في 01/06/2017، العدد: 29، ص(154)]

بدأت ‭ ‬‭ ‬دور‭ ‬السينما‭ ‬اللندنية‭ ‬منذ‭ ‬أيام‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬الفيلم‭ ‬الوثائقي‭ ‬الذي‭ ‬رُشّح‭ ‬لجائزة‭ ‬الأوسكار‭ ‬عام‭ ‬2017‭. ‬وقد‭ ‬تزامن‭ ‬هذا‭ ‬مع‭ ‬إعلان‭ ‬مكتبة‭ ‬‮«‬لندن‭ ‬ريفيو‭ ‬أوف‭ ‬بوكس‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬مكاتب‭ ‬لندن،‭ ‬أن‭ ‬بولدوين‭ ‬هو‭ ‬كاتبها‭ ‬الأثير‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬مايو‭. ‬سوف‭ ‬تنظم‭ ‬المكتبة‭ ‬جلسات‭ ‬للقراءة‭ ‬ولقاءات‭ ‬عامة‭ ‬تناقش‭ ‬أعمال‭ ‬الكاتب‭. ‬كما‭ ‬ستعْرض‭ ‬على‭ ‬رفوفها‭ ‬كل‭ ‬كتبه‭ ‬وعدداً‭ ‬ضخماً‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬النقدية‭ ‬التي‭ ‬تتناول‭ ‬أدبه‭ ‬ونضاله‭ ‬المدني‭ ‬بسعر‭ ‬مخفّض‭. ‬اتفق‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬صار‭ ‬أرشيف‭ ‬رسائل‭ ‬بولدوين‭ ‬بالكامل‭ ‬معروضاً‭ ‬أخيراً‭ ‬للقراء‭ ‬والباحثين‭ ‬بعد‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الحجب‭ ‬والغموض،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬شومبرج‭ ‬لأبحاث‭ ‬الثقافة‭ ‬السوداء‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭.‬

عقدة‭ ‬الناجي

هرباَ‭ ‬من‭ ‬العنصرية‭ ‬في‭ ‬بلاده،‭ ‬قضى‭ ‬بولدوين‭ ‬معظم‭ ‬حياته‭ ‬في‭ ‬باريس‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬ظلت‭ ‬أميركا‭ ‬هي‭ ‬شغله‭ ‬الشاغل‭ ‬ومنبع‭ ‬أرقه‭. ‬ينْظر‭ ‬‮«‬لستُ‭ ‬زنجيك‮»‬‭ ‬بعين‭ ‬العطف‭ ‬إلى‭ ‬إحساس‭ ‬بولدوين‭ ‬بالذنب‭ ‬تجاه‭ ‬القضية‭. ‬فقد‭ ‬تجاذَبه‭ ‬صراعُ‭ ‬المراقِب‭ ‬من‭ ‬بعيد‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬والمعارض‭ ‬النشط‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭. ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الأنجع،‭ ‬الكتابة‭ ‬عن‭ ‬الكفاح‭ ‬في‭ ‬منفى‭ ‬باريسي‭ ‬أم‭ ‬سحل‭ ‬الطرقات‭ ‬والمظاهرات؟

الحق‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬كاتب‭ ‬عبَّر‭ ‬مثله‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬الأسود‭ ‬لعنصرية‭ ‬الشمال‭ ‬والجنوب‭. ‬يكفينا‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬النيران‭ ‬في‭ ‬المرة‭ ‬القادمة‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬إنجيلاً‭ ‬للحركة‭ ‬السوداء‭ ‬في‭ ‬أميركا‭. ‬في‭ ‬‮«‬لست‭ ‬زنجيك‮»‬‭ ‬يُطلعنا‭ ‬بولدوين‭ ‬على‭ ‬قصة‭ ‬العرق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حيوات‭ ‬ثلاثة‭ ‬أصدقاء‭ ‬اغتالهم‭ ‬التحامل‭ ‬الأبيض‭: ‬مالكوم‭ ‬إكس‭ ‬ومارتن‭ ‬لوثر‭ ‬كينج‭ ‬وميدجار‭ ‬إفيرز‭. ‬وكلهم‭ ‬نشطاء‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الحقوق‭ ‬المدنية‭. ‬والأخير،‭ ‬الأقل‭ ‬شهرة،‭ ‬سعى‭ ‬إلى‭ ‬إلغاء‭ ‬الفصل‭ ‬العنصري‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬ميسيسبي‭ ‬الأميركية‭.‬

رهافة‭ ‬شعرية

يتخيل‭ ‬المخرج‭ ‬بيك‭ ‬كتاباً‭ ‬لم‭ ‬تتسن‭ ‬لبولدوين‭ ‬الفرصة‭ ‬لكتابته،‭ ‬صنع‭ ‬من‭ ‬كلماته‭ ‬النبوئية‭ ‬فيلماً‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬السردية‭ ‬الراديكالية‭ ‬والرهافة‭ ‬الشعرية‭. ‬وعنه‭ ‬كتبت‭ ‬جريدة‭ ‬‮«‬نيويورك‭ ‬تايمز‮»‬،‭ ‬‮«‬صورةٌ‭ ‬لرجل‭ ‬أعزل‭ ‬يجابه‭ ‬بلداً‭ ‬دمّر‭ ‬الكون‭ ‬بارتكاب‭ ‬جريمة‭ ‬القتل‭ ‬بعد‭ ‬الأخرى‮»‬‭.‬

قبل‭ ‬أن‭ ‬يعاجل‭ ‬الأجل‭ ‬بولدوين،‭ ‬كان‭ ‬يطمح‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تعالج‭ ‬مخطوطته‭ ‬‮«‬تذكَّر‭ ‬هذا‭ ‬المنزل‮»‬‭ ‬فاجعةَ‭ ‬اغتيال‭ ‬ثلاثي‭ ‬الحقوق‭ ‬المدنية‭ ‬السابق‭ ‬ذكرهم‭. ‬أهداها‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مَن‭ ‬خانوهم،‭ ‬ولمن‭ ‬ضحوا‭ ‬بأرواحهم‭ ‬من‭ ‬أجلهم‮»‬‭. ‬و‮»‬لستُ‭ ‬زنجيك‮»‬‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إلا‭ ‬تفسير‭ ‬كامل‭ ‬للمخطوطة‭ ‬الناقصة،‭ ‬ولكن‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬بيك‭. ‬نشاهد‭ ‬لقطات‭ ‬أرشيفية‭ ‬لحوارات‭ ‬تلفزيونية‭ ‬أجراها‭ ‬بولدوين،‭ ‬ونستمع‭ ‬لصوت‭ ‬الممثل‭ ‬الأميركي‭ ‬صامويل‭ ‬جاكسون‭ ‬وهو‭ ‬يُبلِغنا‭ ‬بتصريحات‭ ‬بولدوين‭ ‬النارية‭ ‬عن‭ ‬العرق‭ ‬والسود،‭ ‬‮«‬في‭ ‬أميركا،‭ ‬كنتُ‭ ‬حراً‭ ‬في‭ ‬المعركة‭ ‬فقط‭. ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬حراً‭ ‬قط‭ ‬لكي‭ ‬أرتاح‮»‬‭.‬

لسنا‭ ‬مجرد‭ ‬قتامة

يتكلم‭ ‬الكاتب‭ ‬بلهجة‭ ‬العليم‭ ‬عن‭ ‬حاجة‭ ‬الأمة‭ ‬الأميركية‭ ‬إلى‭ ‬السود‭ ‬في‭ ‬الأصل،‭ ‬‮«‬احتاجوا‭ ‬إلينا‭ ‬لنقطف‭ ‬القطن،‭ ‬والآن‭ ‬لا‭ ‬حاجة‭ ‬لهم‭ ‬بنا‭. ‬والآن‭ ‬سيقتلوننا‭ ‬جميعاً‮»‬‭. ‬هكذا‭ ‬بلغت‭ ‬درجة‭ ‬تشاؤم‭ ‬بولدوين،‭ ‬وربما‭ ‬درجة‭ ‬واقعيته‭. ‬يكشف‭ ‬بولدوين‭ ‬أنه‭ ‬أبى‭ ‬البكاء‭ ‬في‭ ‬جنازة‭ ‬مارتن‭ ‬لوثر‭ ‬كينج‭ ‬خشية‭ ‬أن‭ ‬يعجز‭ ‬عن‭ ‬الكف‭. ‬وبعد‭ ‬اغتيال‭ ‬مالكوم‭ ‬باح‭ ‬‮«‬أتذكر‭ ‬أني‭ ‬بكيت‭ ‬سخطاً،‭ ‬لا‭ ‬حزناً‮»‬‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬صرّح‭ ‬بأنه‭ ‬مرغم‭ ‬على‭ ‬التفاؤل،‭ ‬مرغم‭ ‬على‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬بمقدوره‭ ‬البقاء‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬شيء‭.‬

وبعدها‭ ‬يطرح‭ ‬المخرج‭ ‬مسألة‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬للسود‭. ‬فجأة‭ ‬اكتشفت‭ ‬صناعة‭ ‬الدعاية‭ ‬أن‭ ‬السود‭ ‬ينفقون‭ ‬أموالاً‭ ‬غير‭ ‬قليلة‭ ‬وأنهم‭ ‬ليسوا‭ ‬عالة‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرأسمالي،‭ ‬‮«‬إنه‭ ‬الفيل‭ ‬في‭ ‬الحجرة،‭ ‬والشَرَك‭ ‬أيضاً،‮»‬‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬المخرج‭ ‬بنبرة‭ ‬واثقة‭ ‬‮«‬حين‭ ‬يجبرونك‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬نفسك‭ ‬باعتبارك‭ ‬مجرد‭ ‬قتامة،‭ ‬حين‭ ‬يبثون‭ ‬فيك‭ ‬السخط‭ ‬يومياً،‭ ‬يجردون‭ ‬عقلك‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬تفاصيل‭ ‬أخرى‭ ‬عدا‭ ‬العرق‮»‬‭.‬

آثام‭ ‬الماضي

ثمة‭ ‬شيء‭ ‬منوم‭ ‬مغناطيسياً‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬بولدوين‭ ‬التلفزيوني‭. ‬ذلك‭ ‬المزيج‭ ‬من‭ ‬الغضب‭ ‬التقيّ‭ ‬الممزوج‭ ‬بالبراءة‭ ‬ودقة‭ ‬المنظومة‭ ‬الفكرية‭ ‬واحترام‭ ‬الذات‭ ‬الرزين‭ ‬الخليق‭ ‬بالواعظ‭. ‬كان‭ ‬وليد‭ ‬عصره،‭ ‬ولكنه‭ ‬سابق‭ ‬لعصره‭ ‬لأن‭ ‬اليمين‭ ‬الأميركي‭ ‬اخترع‭ ‬أسطورة‭ ‬للبراءة‭ ‬البيضاء‭ ‬تدَّعي‭ ‬الانقطاع‭ ‬عن‭ ‬آثام‭ ‬الماضي‭ ‬والتبرّؤ‭ ‬منها‭. ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬أجاب‭ ‬على‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬طرحها‭ ‬بولدوين‭ ‬ولا‭ ‬حلّ‭ ‬على‭ ‬الطاولة‭.‬

وفي‭ ‬الفيلم‭ ‬نطَّلع‭ ‬بعينيْ‭ ‬بولدوين‭ ‬واستشهاداته‭ ‬على‭ ‬آثار‭ ‬حركتيْ‭ ‬‮«‬حيوات‭ ‬السود‭ ‬مهمة‮»‬‭ ‬‮«‬والقوة‭ ‬السوداء‮»‬‭ ‬وكذلك‭ ‬التفرقة‭ ‬العنصرية‭ ‬في‭ ‬هوليوود‭. ‬يقول‭ ‬مخرج‭ ‬الفيلم‭ ‬أسود‭ ‬البشرة،‭ ‬‮«‬إننا‭ ‬نتعرض‭ ‬لضغط‭ ‬هائل‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬السينما‭. ‬ليست‭ ‬لدينا‭ ‬فرص‭ ‬المخرجين‭ ‬البيض‭. ‬هم‭ ‬يخفقون‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭ ‬ليس‭ ‬مسموحاً‭ ‬لنا‭ ‬بأن‭ ‬نخفق‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‮»‬‭.‬

وباجتهاد‭ ‬سينمائي‭ ‬جدير‭ ‬بالإعجاب‭ ‬يحبك‭ ‬الفيلمُ‭ ‬الصورةَ‭ ‬والموسيقى‭ ‬والشعر‭ ‬والدراما‭ ‬بسردياتها‭ ‬المتباينة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬سمعي‭ ‬وبصري‭ ‬ليسبر‭ ‬استغلالاً‭ ‬لا‭ ‬ينفك‭ ‬ينزل‭ ‬بحيوات‭ ‬السود‭ ‬في‭ ‬أميركا‭. ‬يدسّ‭ ‬المخرج‭ ‬لحظات‭ ‬درامية‭ ‬تدمع‭ ‬لها‭ ‬العين‭ ‬ويرقّ‭ ‬لها‭ ‬القلب‭. ‬نازيون‭ ‬يحرقون‭ ‬الكتب،‭ ‬رجال‭ ‬سود‭ ‬يُعدمون‭ ‬شنقاً‭ ‬دون‭ ‬محاكمة‭ ‬قانونية،‭ ‬والكثير‭ ‬من‭ ‬المواجهات‭ ‬الدامية‭ ‬للقويّ‭ ‬يبرح‭ ‬الضعيف‭ ‬ضرباً‭. ‬نرى‭ ‬أيضاً‭ ‬لقطات‭ ‬من‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬كينج‭ ‬كونج‮»‬،‭ ‬وفيه‭ ‬ينطلق‭ ‬وحش‭ ‬هائل‭ ‬‮«‬أسود‭ ‬اللون‮»‬‭ ‬ليهدم‭ ‬ويدمّر‭ ‬المدينة‭. ‬تناغمت‭ ‬اللقطات‭ ‬مع‭ ‬كلمات‭ ‬بولدوين‭ ‬تناغماً‭ ‬أخّاذاً،‭ ‬وبصورة‭ ‬فنية‭ ‬جميلة‭ ‬بعيدة‭ ‬كل‭ ‬البعد‭ ‬عن‭ ‬الوعظ‭ ‬والتعليم‭.‬

استعارة‭ ‬السلطة

إن‭ ‬التجربة‭ ‬الأميركية‭ ‬الأفريقية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬منظور‭ ‬بولدوين‭ ‬ليست‭ ‬قصة‭ ‬الزنوج‭ ‬في‭ ‬أميركا،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬قصة‭ ‬أميركا‭ ‬نفسها،‭ ‬‮«‬لست‭ ‬زنجياً،‭ ‬إنّي‭ ‬رجل‭. ‬ولكنك‭ ‬لو‭ ‬تظن‭ ‬أنّي‭ ‬زنجي،‭ ‬هذا‭ ‬يعني‭ ‬أنك‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭. ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تلمّ‭ ‬بالسبب‭. ‬ومستقبل‭ ‬البلد‭ ‬يتّكل‭ ‬على‭ ‬هذا‮»‬‭. ‬رفض‭ ‬بولدوين‭ ‬أن‭ ‬يعرِّفه‭ ‬مجتمع‭ ‬الأغلبية،‭ ‬بل‭ ‬رفض‭ ‬أن‭ ‬يعرِّف‭ ‬نفسه‭. ‬اكتفي‭ ‬بأن‭ ‬يعلن‭ ‬أنه‭ ‬إنسان‭ ‬ذو‭ ‬سلطة‭ ‬ذاتية،‭ ‬ولكنه‭ ‬أقرّ‭ ‬بأن‭ ‬الواقع‭ ‬خذله‭ ‬مندداً‭ ‬بأن،‭ ‬‮«‬البياض‭ ‬صار‭ ‬استعارة‭ ‬عن‭ ‬السلطة‮»‬‭.‬

يجادل‭ ‬بيك‭ ‬بأنّ‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬تغير‭ ‬سياسياً‭ ‬وفلسفياً‭. ‬ولم‭ ‬يفلح‭ ‬انتخاب‭ ‬الشعب‭ ‬الأميركي‭ ‬لرئيس‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬أفريقي،‭ ‬بعد‭ ‬ثمانية‭ ‬أعوام‭ ‬ضاعت‭ ‬منهم‭ ‬البوصلة‭ ‬وانتخبوا‭ ‬رجلاً‭ ‬هو‭ ‬خير‭ ‬نموذج‭ ‬للفاشية‭ ‬الشعبوية‭. ‬قتلوا‭ ‬ثلاثي‭ ‬الحقوق‭ ‬المدنية‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬الرابع‭ ‬من‭ ‬أعمارهم،‭ ‬وانقضت‭ ‬عقود‭ ‬لتقتل‭ ‬الشرطة‭ ‬الأميركية‭ ‬شباباً‭ ‬في‭ ‬عقدهم‭ ‬الثالث‭ ‬بل‭ ‬والثاني‭.‬

لقد‭ ‬انصرمت‭ ‬قرابة‭ ‬ستين‭ ‬عاماً‭ ‬وحركة‭ ‬الحريات‭ ‬المدنية‭ ‬تظل‭ ‬حيّة‭ ‬ترزق،‭ ‬صارت‭ ‬بالأحرى‭ ‬مسألة‭ ‬حياة‭ ‬أو‭ ‬موت،‭ ‬‮«‬ليس‭ ‬بمقدوري‭ ‬أن‭ ‬أتشاءم‭ ‬لأنّي‭ ‬حيّ‮»‬‭. ‬ينطلق‭ ‬صوت‭ ‬بولدوين‭ ‬الرائد‭ ‬صاخباً،‭ ‬وفيلمه‭ ‬يقْطَع‭ ‬جسراً‭ ‬بين‭ ‬ستينات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬واللحظة‭ ‬الآنية‭. ‬الواقع‭ ‬أن‭ ‬‮«‬لست‭ ‬زنجيك‮»‬‭ ‬تحوِّل‭ ‬بولدوين‭ ‬إلى‭ ‬رسول‭ ‬طليعي‭ ‬حانت‭ ‬لحظته‭ ‬ليلمع‭ ‬ولحظته‭ ‬هي‭ ‬الآن‭.‬

ورواياته‭ ‬عن‭ ‬بربرية‭ ‬العنصرية‭ ‬وتحديها‭ ‬خطابٌ‭ ‬كوني‭ ‬يخاطب‭ ‬كل‭ ‬منبوذي‭ ‬العالم‭. ‬نطالعها‭ ‬اليوم‭ ‬وكأنما‭ ‬نطالع‭ ‬أخباراً‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بولدوين‭ ‬في‭ ‬التحليل‭ ‬الأخير‭ ‬يسوعاً‭ ‬ولا‭ ‬غاندي‭. ‬كان‭ ‬يعلم‭ ‬علم‭ ‬اليقين‭ ‬أن‭ ‬النتيجة‭ ‬أياً‭ ‬كانت‭ ‬ستصبح‭ ‬دامية‭. ‬ومخرج‭ ‬الفيلم‭ ‬على‭ ‬قناعة‭ ‬بأن‭ ‬الناس‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬يصنعون‭ ‬التاريخ،‭ ‬لا‭ ‬العكس‭. ‬فالتاريخ‭ ‬ليس‭ ‬نصاً‭ ‬مكتوباً‭ ‬على‭ ‬حجر‭ ‬‮«‬لو‭ ‬أرادنا‭ ‬دماً،‭ ‬سنصنع‭ ‬دماً‮»‬‭.‬


كاتبة من مصر مقيمة في ليدز