سبل‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬عصر‭ ‬الارتداد

لا‭ ‬ينكر‭ ‬إلا‭ ‬عنيد‭ ‬مكابر‭ ‬ما‭ ‬يشهده‭ ‬الغرب‭ ‬منذ‭ ‬أعوام‭ ‬من‭ ‬تحولات‭ ‬سلبية‭ ‬عميقة،‭ ‬ونكوص‭ ‬على‭ ‬شتى‭ ‬المستويات،‭ ‬أهونها‭ ‬الكساد‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬فإنكلترا‭ ‬تحنّ‭ ‬إلى‭ ‬حلمها‭ ‬الإمبراطوري‭ ‬في‭ ‬صيغته‭ ‬القديمة‭ ‬منذ‭ ‬قرنين،‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تريد‭ ‬استعادة‭ ‬عظمتها‭ ‬في‭ ‬صيغة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الكونية‭ ‬الثانية،‭ ‬فيما‭ ‬وجدت‭ ‬أوروبا‭ ‬القارية‭ ‬نفسها‭ ‬وحيدة،‭ ‬ضعيفة،‭ ‬مشتتة‭ ‬كأشد‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬التشتت‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬بولندا‭ ‬تحلم‭ ‬ببلد‭ ‬خيالي‭ ‬وهنغاريا‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تحتمل‭ ‬إلا‭ ‬المجريين‭ ‬الأصليين،‭ ‬والهولنديون‭ ‬والفرنسيون‭ ‬والإيطاليون‭ ‬يواجهون‭ ‬أحزابا‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬الانغلاق‭ ‬داخل‭ ‬حدود‭ ‬وهمية‭. ‬

الجديد  أبو بكر العيادي [نُشر في 01/06/2017، العدد: 29، ص(157)]

لوحة: بكري الدوغري
أما‭ ‬أسكتلندا‭ ‬وكتالونيا‭ ‬وإقليم‭ ‬الفلمندر‭ ‬فهي‭ ‬تروم‭ ‬الانفصال‭ ‬عن‭ ‬المركز‭ ‬لتشكيل‭ ‬دول‭ ‬مستقلة‭. ‬يحدث‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تزداد‭ ‬فيه‭ ‬أطماع‭ ‬روسيا،‭ ‬وتشهد‭ ‬الصين‭ ‬تحقيق‭ ‬حلمها‭ ‬في‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬‮«‬إمبراطورية‭ ‬الوسط‮»‬،‭ ‬تلك‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬التي‭ ‬تتجاهل‭ ‬مصالح‭ ‬كل‭ ‬الأطراف‭ ‬المتاخمة‭ ‬لها‭. ‬فبين‭ ‬الانكفاء‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الانتماء‭ ‬الهووي‭ ‬وتنامي‭ ‬الديماغوجيات‭ ‬المتسلطة‭ ‬يتعرض‭ ‬العالم‭ ‬لارتداد‭ ‬مهول‭ ‬وانقلاب‭ ‬أيديولوجي‭ ‬كبير‭ ‬يزعزع‭ ‬المؤسسات‭ ‬السياسية‭. ‬فمن‭ ‬المفارقات‭ ‬مثلا‭ ‬أن‭ ‬البلد‭ ‬الذي‭ ‬ابتدع‭ ‬الفضاء‭ ‬اللامتناهي‭ ‬للسوق‭ ‬برّا‭ ‬وبحرّا‭ ‬ولم‭ ‬ينفك‭ ‬عن‭ ‬جعل‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬مجرد‭ ‬متجر‭ ‬كبير،‭ ‬قرر‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬طائشة،‭ ‬أمام‭ ‬بروز‭ ‬بضعة‭ ‬آلاف‭ ‬من‭ ‬المهاجرين‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬المقابلة‭ ‬بمدينة‭ ‬با‭-‬دو‭-‬كاليه‭ ‬الفرنسية،‭ ‬أن‭ ‬يتخلى‭ ‬عن‭ ‬دوره‭ ‬كطرفٍ‭ ‬في‭ ‬العولمة‭.‬

هذا ‭ ‬الوضع‭ ‬الحرج‭ ‬دفع‭ ‬ناشرا‭ ‬ألمانيّا‭ ‬شابّا‭ ‬هو‭ ‬هاينريش‭ ‬غايسلبرغر‭ ‬إلى‭ ‬دعوة‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المفكرين‭ ‬عبر‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬أسباب‭ ‬ذلك‭ ‬الارتداد،‭ ‬وإعادة‭ ‬إحياء‭ ‬اليسار‭ ‬الذي‭ ‬أفقدته‭ ‬الهيمنة‭ ‬اليمينية‭ ‬توازنه،‭ ‬وصارت‭ ‬تهدّد‭ ‬وجوده‭. ‬ثم‭ ‬نشر‭ ‬مساهماتهم‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬عنوانه‭ ‬‮«‬عصر‭ ‬الارتداد‮»‬‭ ‬وتزامن‭ ‬صدوره‭ ‬الشهرَ‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬ثلاث‭ ‬عشرة‭ ‬لغة‭ ‬عالمية،‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬نشر‭ ‬كبرى‭ ‬أمثال‭ ‬بوليتي‭ ‬الإنكليزية،‭ ‬وسايكس‭ ‬بارّال‭ ‬الإسبانية،‭ ‬وفيلترينيلّي‭ ‬الإيطالية،‭ ‬وميتيس‭ ‬التركية،‭ ‬وآفاق‭ ‬الصينية،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬سوركامب‭ ‬الألمانية‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬أعمال‭ ‬كبار‭ ‬المفكرين‭ ‬الألمان‭

. ‬خمسة‭ ‬عشر‭ ‬مثقفا‭ ‬عالميا‭ ‬هم‭ ‬البولندي‭ ‬زيغمونت‭ ‬بومان‭ ‬والأميركية‭ ‬نانسي‭ ‬فرايزر‭ ‬والبلغاري‭ ‬إيفان‭ ‬كراستيف‭ ‬والفرنسي‭ ‬برونو‭ ‬لاتور‭ ‬والإنكليزي‭ ‬بول‭ ‬ماسون،‭ ‬والهنديّان‭ ‬بانكاج‭ ‬ميشرا‭ ‬وأرجون‭ ‬أبادوراي‭ ‬والنمساوي‭ ‬روبرت‭ ‬ميسيك‭ ‬والألمانيّان‭ ‬أوليفر‭ ‬ناختفاي‭ ‬وفولفغانغ‭ ‬ستريك‭ ‬والإسباني‭ ‬ثيسار‭ ‬رندويليس‭ ‬والبلجيكي‭ ‬دفيد‭ ‬فان‭ ‬ريبروك‭ ‬والإسرائيلية‭ ‬إيفا‭ ‬اللوز‭ ‬والسلوفيني‭ ‬سلافوي‭ ‬جيجك‭ ‬يشخّصون‭ ‬أوضاع‭ ‬العالم،‭ ‬ويحاولون‭ ‬إنعاش‭ ‬روح‭ ‬المقاومة‭ ‬أمام‭ ‬تصاعد‭ ‬المخاطر‭: ‬تعاظم‭ ‬الأحزاب‭ ‬القومية‭ ‬والشعبوية‭ ‬المتسلطة،‭ ‬تنامي‭ ‬الديماغوجية،‭ ‬توخي‭ ‬الانكفاء‭ ‬على‭ ‬النفس،‭ ‬نزوع‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬إلى‭ ‬العنف،‭ ‬هيمنة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحقيقة،‭ ‬تحول‭ ‬التصويت‭ ‬إلى‭ ‬سلاح‭ ‬ضد‭ ‬الديمقراطية‭.‬

ويذكر‭ ‬غايسلبرغر‭ ‬أن‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬المفكرين‭ ‬كانوا‭ ‬استبَقوا‭ ‬مسار‭ ‬الارتداد‭ ‬هذا‭ ‬منذ‭ ‬بدايات‭ ‬العولمة،‭ ‬كأثر‭ ‬من‭ ‬آثارها‭ ‬الجانبية‭. ‬مثل‭ ‬الأميركي‭ ‬ريتشارد‭ ‬رورتي،‭ ‬وكان‭ ‬قد‭ ‬وضع‭ ‬قائمة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الارتدادات‭ ‬التي‭ ‬ستحلّ،‭ ‬كتفاقم‭ ‬التفاوت‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬وظهور‭ ‬عالم‭ ‬أورويلي‭ ‬‭(‬نسبة‭ ‬إلى‭ ‬الكاتب‭ ‬البريطاني‭ ‬جورج‭ ‬أورويل‭ ‬مبتدع‭ ‬الأخ‭ ‬الأكبر‭)‬‭ ‬وانفجار‭ ‬الكراهية‭ ‬وانتشار‭ ‬حملات‭ ‬التحقير‭ ‬والتشهير‭ ‬بالنساء‭ ‬والأقليات‭. ‬وكذلك‭ ‬عالم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬التركي‭ ‬داني‭ ‬رودريك‭ ‬الذي‭ ‬تنبأ‭ ‬بأن‭ ‬العولمة‭ ‬ستؤدي‭ ‬إلى‭ ‬التفكك‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وحذّر‭ ‬من‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الحمائية‭. ‬أما‭ ‬الـ‮»‬نحن‭ ‬الكونية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬عنها‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬الألماني‭ ‬أولريخ‭ ‬بيك‭ ‬فإنها‭ ‬لم‭ ‬تتشكل‭ ‬أبدا‭.‬

كما‭ ‬يعترف‭ ‬غايسلبرغر‭ ‬بأن‭ ‬الفكرة‭ ‬نشأت‭ ‬عقب‭ ‬أحداث‭ ‬13‭ ‬نوفمبر‭ ‬2015‭ ‬في‭ ‬فرنسا،‭ ‬وتولدت‭ ‬عنها‭ ‬أسئلة‭ ‬بسيطة‭ ‬في‭ ‬ظاهرها،‭ ‬ولكنها‭ ‬عميقة‭ ‬الغور‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬‮«‬ما‭ ‬الذي‭ ‬أوهانا‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الوضع؟‭ ‬وفي‭ ‬أيّ‭ ‬وضع‭ ‬سنكون‭ ‬بعد‭ ‬خمس‭ ‬سنوات،‭ ‬أو‭ ‬عشر‭ ‬أو‭ ‬عشرين؟‭ ‬وكيف‭ ‬السبيل‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬حدّ‭ ‬لهذا‭ ‬الارتداد‭ ‬الشامل،‭ ‬وكيف‭ ‬نُحدث‭ ‬حركة‭ ‬مضادّة؟‭ ‬وأخيرا‭ ‬كيف‭ ‬نَخرج‭ ‬من‭ ‬عصر‭ ‬الارتداد؟‮»‬،‭ ‬تلا‭ ‬ذلك‭ ‬جدل‭ ‬حامٍ‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬حول‭ ‬استقبال‭ ‬المهاجرين،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬نتائجه‭ ‬انتشار‭ ‬الشعبوية‭ ‬واليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬عبر‭ ‬العالم‭. ‬يقول‭ ‬غايسلبرغر‭ ‬‮«‬حاولنا‭ ‬خلق‭ ‬منتدى‭ ‬عابر‭ ‬للبلدان‭ ‬لنقاوم‭ ‬عالمية‭ ‬القوميين‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬كارل‭ ‬بولانيي‭ ‬قد‭ ‬تنبأ‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬‘التحول‭ ‬الأكبر’‭ ‬بنهاية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الليبرالي،‭ ‬فإن‭ ‬غاية‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬مواصلة‭ ‬لجهوده،‭ ‬بأصوات‭ ‬متعددة‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬رأيه‭ ‬أن‭ ‬المسألة‭ ‬تستدعي‭ ‬نوعين‭ ‬من‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭: ‬الاستياء،‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يتبع‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أنماط‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬المشاعر‭ ‬القريبة‭ ‬كالنيهيلية‭ ‬واللامبالاة‭ ‬والاكتئاب‭ ‬والتسليم‭ ‬بالأمر‭ ‬الواقع؛‭ ‬أو‭ ‬النظر‭ ‬النقدي،‭ ‬وما‭ ‬يتصل‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬إرادة‭ ‬ترفض‭ ‬الاستسلام‭ ‬للخيبة‭ ‬ونهاية‭ ‬الآمال،‭ ‬وتشتاف‭ ‬آفاقا‭ ‬سياسية‭ ‬مستجدة‭. ‬وما‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬المشترك‭ ‬إلا‭ ‬وفاء‭ ‬للموقف‭ ‬الثاني،‭ ‬موقف‭ ‬النظر‭ ‬النقدي‭ ‬الذي‭ ‬يقترح‭ ‬هنا‭ ‬تشخيصا‭ ‬للأسباب‭ ‬التي‭ ‬أدّت‭ ‬إلى‭ ‬النكوص‭ ‬والارتداد،‭ ‬مثلما‭ ‬يقترح‭ ‬سبلا‭ ‬ممكنة‭ ‬لإنعاش‭ ‬التطور‭. ‬

ولئن‭ ‬بدا‭ ‬هذا‭ ‬المسعى‭ ‬غير‭ ‬جديد‭ ‬‭-‬لكون‭ ‬تشخيص‭ ‬المفكرين‭ ‬لمرحلتهم‭ ‬هو‭ ‬أقل‭ ‬ما‭ ‬يحويه‭ ‬مشروع‭ ‬كل‭ ‬نشاط‭ ‬فكري‭-‬‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬يميزه‭ ‬تعدد‭ ‬الأصوات‭ ‬وتنوّع‭ ‬أصولها‭ ‬وتباين‭ ‬آفاقها،‭ ‬وكأن‭ ‬رهان‭ ‬نظرة‭ ‬نقدية‭ ‬إيجابية‭ ‬حول‭ ‬الأزمة‭ ‬الحالية‭ ‬يتجاوز‭ ‬الإطار‭ ‬الوطني‭ ‬الصرف‭ ‬أو‭ ‬الحقل‭ ‬المعرفي‭ ‬المخصوص‭. ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬دلالة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬تهمّ‭ ‬الجميع،‭ ‬وأن‭ ‬الخروج‭ ‬منها‭ ‬يستوجب‭ ‬تضافر‭ ‬جهود‭ ‬كل‭ ‬الأطراف‭ ‬ووضع‭ ‬صيغة‭ ‬مشتركة‭ ‬لتأمّلاتهم‭ ‬النظرية‭. ‬

ولو‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬تنوع‭ ‬الأنظار‭ ‬تلك‭ ‬تبرز‭ ‬رغبة‭ ‬ملحة‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬حدّ‭ ‬لنزوع‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬اليمين،‭ ‬وإدماج‭ ‬التحولات‭ ‬الإيكولوجية،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إنعاش‭ ‬تقدم‭ ‬خاص‭ ‬بالقرن‭ ‬العشرين،‭ ‬متحرّر‭ ‬من‭ ‬الرؤية‭ ‬الاشتراكية‭ ‬الديمقراطية‭ ‬التي‭ ‬عفا‭ ‬عليها‭ ‬الزمن‭. ‬تقدّمٌ‭ ‬ينتشل‭ ‬الديمقراطية‭ ‬مما‭ ‬أصابها‭ ‬من‭ ‬إنهاك،‭ ‬ليواجه‭ ‬‮«‬الارتداد‭ ‬الكبير‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يمر‭ ‬به‭ ‬الغرب‭ ‬عبر‭ ‬تحول‭ ‬جديد‭ ‬نحو‭ ‬‮«‬مسار‭ ‬تحضّر‭ ‬حثيث‮»‬،‭ ‬وليس‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬أوليفر‭ ‬ناختفاي‭ ‬مسعى‭ ‬‮«‬إزالة‭ ‬الحضارة‮»‬،‭ ‬المتصل‭ ‬بالضغينة،‭ ‬أي‭ ‬خلاف‭ ‬ما‭ ‬عناه‭ ‬نوربرت‭ ‬إلياس‭ ‬في‭ ‬‮«‬نكران‮»‬‭ ‬الحضارة‭ ‬اليومية،‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬حضارة‭ ‬غربية‭ ‬خيالية‮»‬‭.‬

هؤلاء‭ ‬المثقفون،‭ ‬وإن‭ ‬أجمعوا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬‮«‬العالَم‭ ‬يتقهقر‭ ‬ويسودّ‮»‬،‭ ‬يحاولون‭ ‬بناء‭ ‬شبكة‭ ‬قراءة‭ ‬جديدة‭ ‬لتبين‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬الناس‭ ‬ينتخبون‭ ‬ممثلين‭ ‬يمارسون‭ ‬دائما‭ ‬سياسات‭ ‬لا‭ ‬تخدم‭ ‬مصالحهم‭. ‬وخلافا‭ ‬للسلام‭ ‬الأبدي‭ ‬الذي‭ ‬نظّر‭ ‬له‭ ‬فوكوياما‭ ‬في‭ ‬‮«‬نهاية‭ ‬التاريخ‮»‬‭ ‬عند‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬يشهد‭ ‬العالم‭ ‬‮«‬انتفاضة‭ ‬ذات‭ ‬شمولية‭ ‬عالمية‮»‬،‭ ‬انتفاضة‭ ‬‮«‬تنذر‭ ‬بنبذ‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الليبرالية‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬العالمي‭ ‬وتعويضها‭ ‬بشكل‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬الاستبداد‭ ‬الشعبوي‮»‬‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬رأي‭ ‬الهندي‭ ‬أرجون‭ ‬أبادوراي،‭ ‬أو‭ ‬أنه‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬وعدٍ‭ ‬بحياة‭ ‬سعيدة‭ ‬تمخّضَ‭ ‬عن‭ ‬كابوس‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬البلغاري‭ ‬إيفان‭ ‬كراستيف،‭ ‬الذي‭ ‬يشبّه‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬بأبطال‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬تواتر‭ ‬الموت‮»‬‭ ‬لجوزي‭ ‬ساراماغو‭ ‬حين‭ ‬كفّ‭ ‬سكان‭ ‬بلد‭ ‬صغير‭ ‬فجأة‭ ‬عن‭ ‬الموت،‭ ‬فانشغلوا‭ ‬بعد‭ ‬الفرحة‭ ‬بمشاكل‭ ‬كثيرة،‭ ‬منها‭ ‬حيرة‭ ‬الكنيسة‭ ‬في‭ ‬إقناع‭ ‬الناس‭ ‬بوجود‭ ‬الخالق،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬انتهى‭ ‬الموت‭ ‬والانبعاث،‭ ‬وحيرة‭ ‬الدولة‭ ‬أمام‭ ‬عجزها‭ ‬عن‭ ‬دفع‭ ‬معاشات‭ ‬المتقاعدين‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬نهاية،‭ ‬والنتيجة‭ ‬أن‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬اقتنع‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬بأن‭ ‬البلاد‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬مستقبل‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬عاد‭ ‬مواطنوها‭ ‬يموتون‭. ‬

وفي‭ ‬رأي‭ ‬كراستيف،‭ ‬فإن‭ ‬تجربة‭ ‬العولمة‭ ‬تشبه‭ ‬الكيفية‭ ‬التي‭ ‬عاش‭ ‬بها‭ ‬سكان‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬تجربة‭ ‬الخلود،‭ ‬فالحلم‭ ‬في‭ ‬الحالين‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬كابوس‭. ‬فكيف‭ ‬يمكن‭ ‬والحال‭ ‬تلك‭ ‬أن‭ ‬ينظر‭ ‬الباحث‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬البينَ‭ ‬بين‭ ‬هذه،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬الألماني‭ ‬فولفغانغ‭ ‬ستريك‭ ‬‮«‬مرحلة‭ ‬زالت‭ ‬خلالها‭ ‬علاقات‭ ‬السببية،‭ ‬وصار‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬لحظة‭ ‬أحداثٌ‭ ‬غير‭ ‬متوقعة،‭ ‬خطيرة،‭ ‬خارجة‭ ‬عن‭ ‬الأطر‭ ‬المعتادة‭ ‬بشكل‭ ‬مثير‮»‬‭. ‬أما‭ ‬البولندي‭ ‬زيغمونت‭ ‬بومان‭ ‬مبتكر‭ ‬نظرية‭ ‬‮«‬المجتمع‭ ‬السائل‮»‬‭ ‬فيرى‭ ‬أن‭ ‬العولمة‭ ‬حوّلت‭ ‬بقاع‭ ‬الأرض‭ ‬جميعا‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬أوانٍ‭ ‬مستطرقة‮»‬‭ ‬تتسرب‭ ‬محتوياتها‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭ ‬باستمرار،‭ ‬وأن‭ ‬تنافر‭ ‬العناصر‭ ‬الثقافية‭ ‬يتحول‭ ‬بسرعة‭ ‬قصوى‭ ‬إلى‭ ‬ملمح‭ ‬مميز‭ ‬نهائي،‭ ‬ومُعْدٍ،‭ ‬للنمط‭ ‬المديني‭ ‬للتعايش‭ ‬البشري‭.‬

قد‭ ‬يكون‭ ‬النقد‭ ‬حادا‭ ‬أحيانا‭ ‬تجاه‭ ‬النخب‭ ‬الكونية‭ ‬التي‭ ‬خذلت‭ ‬الشعوب‭ ‬ببرودة‭ ‬دم،‭ ‬وتجاه‭ ‬يسار‭ ‬ثقافي‭ ‬تأقلم‭ ‬مع‭ ‬الليبرالية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بسهولة،‭ ‬فالبريكسيت‭ ‬وانتخاب‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬هما‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬الفيلسوفة‭ ‬الأميركية‭ ‬نانسي‭ ‬فرايزر‭ ‬تمرد‭ ‬انتخابي‭ ‬ضد‭ ‬النيوليبرالية‭ ‬التقدمية،‭ ‬واتحاد‭ ‬الحركات‭ ‬الجديدة‭ ‬‭(‬النسوية،‭ ‬مناهضة‭ ‬العنصرية،‭ ‬مناصرة‭ ‬المثلية‮…‬‭)‬،‭ ‬والاقتصاد‭ ‬المتطور‭. ‬فبينما‭ ‬كانت‭ ‬أوضاع‭ ‬العمال‭ ‬تتردّى،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬عهدي‭ ‬كلينتون‭ ‬وأوباما،‭ ‬كانت‭ ‬التصورات‭ ‬الفردانية‭ ‬للتطور‭ ‬تعوِّض‭ ‬تدريجيا‭ ‬تصورات‭ ‬التحرر‭ ‬والمساواة‭. ‬

وردّا‭ ‬على‭ ‬الأوضاع‭ ‬المتردية،‭ ‬سارع‭ ‬بعضهم‭ ‬إلى‭ ‬إلقاء‭ ‬تبعاتها‭ ‬على‭ ‬النخب‭ ‬السياسية‭ ‬والثقافية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬‭-‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الملوَّنين‭ ‬والمسلمين‭-‬‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬فرق‭ ‬في‭ ‬نظرهم‭ ‬بين‭ ‬وول‭ ‬ستريت‭ ‬والنسوية،‭ ‬بل‭ ‬هما‭ ‬شيء‭ ‬واحد‭ ‬تمثله‭ ‬هيلاري‭ ‬كلينتون‭ ‬بامتياز‭. ‬أما‭ ‬الكاتب‭ ‬الهندي‭ ‬بنكاج‭ ‬ميشرا‭ ‬الذي‭ ‬حاز‭ ‬شهرة‭ ‬واسعة‭ ‬عن‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬زمن‭ ‬الغضب‮»‬،‭ ‬فيذهب‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬مُثُل‭ ‬الديمقراطيات‭ ‬الليبرالية‭ ‬الداعية‭ ‬إلى‭ ‬المساواة،‭ ‬حينما‭ ‬تعولمت‭ ‬ولّدت‭ ‬الضغينة‭. ‬لقد‭ ‬وقع‭ ‬استبعاد‭ ‬الدين‭ ‬والتقاليد‭ ‬منذ‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬يتوصّل‭ ‬أناس‭ ‬عقلاء‭ ‬إلى‭ ‬تكوين‭ ‬مجموعة‭ ‬سياسية‭ ‬ليبرالية،‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬السعي‭ ‬الأساس‭ ‬للحداثة‭ ‬العلمانية،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يهدده‭ ‬غير‭ ‬الأصوليين‭ ‬الدينيين،‭ ‬صار‭ ‬مهددا‭ ‬أيضا‭ ‬بديماغوجيين‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬هذه‭ ‬الحداثة‭ ‬العلمانية‭ ‬نفسها،‭ ‬أي‭ ‬أوروبا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

والخلاصة‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬إجماعا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬العولمة‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬التفكك‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬الذي‭ ‬ولّد‭ ‬بدوره‭ ‬رغبة‭ ‬مرَضية‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬منغلق‭ ‬على‭ ‬نفسه،‭ ‬خلقت‭ ‬ضغائن‭ ‬ضد‭ ‬الأقليات‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬ونزوع‭ ‬إلى‭ ‬قطع‭ ‬الصلة‭ ‬بالخارج،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المال‭ ‬كسب‭ ‬معركته‭ ‬مع‭ ‬الأديان‭ ‬للفوز‭ ‬بالكونية،‭ ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬ثمّة‭ ‬وجود‭ ‬ليمين‭ ‬ويسار،‭ ‬بل‭ ‬لناهبين‭ ‬‮«‬تحلقوا‭ ‬حول‭ ‬عِجل‭ ‬ذهبي‮»‬،‭ ‬بعبارة‭ ‬ميشيل‭ ‬ومونيك‭ ‬بانسون‭. ‬ولا‭ ‬عزاء‭ ‬لبقية‭ ‬العالم‭. ‬وأمام‭ ‬هذه‭ ‬الدعوات‭ ‬الشعبوية‭ ‬إلى‭ ‬التقوقع‭ ‬داخل‭ ‬مجموعات‭ ‬قومية‭ ‬أو‭ ‬عرقية‭ ‬أو‭ ‬دينية،‭ ‬يسلط‭ ‬الكتاب‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬مجموعات‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬آخر،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الجوار،‭ ‬والعمل‭ ‬داخل‭ ‬نفس‭ ‬المؤسسة،‭ ‬ومواجهة‭ ‬نفس‭ ‬المشاكل‭. ‬أي‭ ‬أنها،‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬الإسباني‭ ‬ثيسار‭ ‬رندويليس،‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬حياة‭ ‬عائلية‭ ‬ومهنية‭ ‬طبيعية‭.‬

‮«‬عصر‭ ‬الارتداد‮»‬‭ ‬هو‭ ‬زمننا‭ ‬دون‭ ‬ريب،‭ ‬وهو‭ ‬أيضا‭ ‬زمن‭ ‬الوعي‭ ‬النقدي،‭ ‬الذي‭ ‬ينشط‭ ‬في‭ ‬شبكات‭ ‬الفكر‭ ‬بكل‭ ‬أشكالها،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لها‭ ‬ما‭ ‬لمحترفي‭ ‬السياسة‭ ‬من‭ ‬حضور،‭ ‬فهي‭ ‬التي‭ ‬تساعدنا‭ ‬على‭ ‬تبين‭ ‬الطريق‭ ‬الصحيحة‭. ‬بقي‭ ‬أن‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬استثناء‭ ‬المفكرين‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المبادرة،‭ ‬وكأنهم‭ ‬أبعد‭ ‬ما‭ ‬يكونون‭ ‬عن‭ ‬تقديم‭ ‬الوصفة‭ ‬الشافية‭ ‬لهذا‭ ‬العالم‭ ‬المعتلّ‭.‬


كاتب من تونس مقيم في باريس

مقالات أخرى للكاتب:

  • أهي‭ ‬نهاية‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار
  • الشعب والشعبوية
  • انتصار العنصرية في بلد حقوق الإنسان
  • أمراض‭ ‬اليسار
  • سلافوي جيجك وتناقضاته العجيبة
  • الدّينُ‭ ‬هُويةً‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬العلمانية
  • بوب‭ ‬ديلان‭ ‬الكذبة‭ ‬الكبرى
  • نهاية المثقفين الفرنسيين
  • هل‭ ‬تشهد‭ ‬فرنسا‭ ‬انتصار‭ ‬الرجعية
  • كيف‭ ‬تنشأ‭ ‬ثقافة‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬الشبيبة‭ ‬المهاجرة
  • نهاية‭ ‬الدين‭ ‬أم‭ ‬عودة‭ ‬الديني
  • العلمانية‭ ‬والاستشراق‭ ‬ومركّب‭ ‬النقص
  • نهاري الأول في المدرسة
  • فرنسا نحو حرب أهلية أم حرب تطهير
  • ثورة‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية
  • الهويات‭ ‬المنغلقة
  • التطرف‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية
  • ماركس والتوتاليتارية الشيوعية
  • التفكير‭ ‬النهضوي‭ ‬العربي بين‭ ‬الأمل‭ ‬والوهم
  • علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬وتهمة‭ ‬ثقافة‭ ‬الأعذار
  • طاحونة‭ ‬الشيء‭ ‬المعتاد
  • هموم‭ ‬الفرد‭ ‬وهموم‭ ‬الأوطان
  • أسلمة الراديكالية
  • مراد وهبة والتعميم المخل بالحقيقة
  • دعوة إلى عقد اجتماعي للوفاق مع الإسلام
  • رهان‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬تأليف‭ ‬أم‭ ‬تفرقة
  • نيتشه المناهض للمنظومة
  • الطوباوية‭ ‬والجريمة‬‬
  • ميشيل‭ ‬فوكو ‬وعلاقته‭ ‬بالليبرالية‭ ‬الجديدة‭ ‬واليسار
  • العرب وانتكاس الوعي النقدي
  • الشعب والدولة والتباساتهما
  • النخبة‭ ‬والنخبوية