بوصلة‭ ‬شعبوية

لا‭ ‬يمين‭ ‬ولا‭ ‬يسار

الجديد  هيثم الزبيدي [نُشر في 01/06/2017، العدد: 29، ص(160)]

لوحة: موسى النعنع
يبدو سياسيو‭ ‬اليوم‭ ‬مثل‭ ‬قطع‭ ‬أثاث‭ ‬قديمة‭. ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تستخدم‭ ‬هذه‭ ‬القطع‭ ‬لأسباب‭ ‬عملية‭ ‬وجمالية،‭ ‬ولا‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تتخلّص‭ ‬منها‭ ‬لأنها‭ ‬أنتيكات‭ ‬لربما‭ ‬تصبح‭ ‬لها‭ ‬قيمة‭ ‬بعد‭ ‬حين‭. ‬السياسيون،‭ ‬ومثلهم‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬المثقفون،‭ ‬تم‭ ‬إعدادهم‭ ‬لعصر‭ ‬آخر‭ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬منه‭ ‬الكثير‭. ‬كلما‭ ‬حاولوا‭ ‬التجمّل‭ ‬بقصد‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬العصر‭ ‬المتقلب‭ ‬الذي‭ ‬نعيشه،‭ ‬بانت‭ ‬عليهم‭ ‬علامات‭ ‬شد‭ ‬الوجه‭ ‬ونفخ‭ ‬الشفاه‭. ‬الوجه‭ ‬الذي‭ ‬فقد‭ ‬نضارته‭ ‬وشبابه‭ ‬قد‭ ‬يخفي‭ ‬التجاعيد‭ ‬باستخدام‭ ‬البوتوكس،‭ ‬ولكنه‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يرسم‭ ‬ملامح‭ ‬تأثر‭ ‬حقيقية‭. ‬وجوه‭ ‬السياسيين‭ ‬تبدو‭ ‬جامدة‭ ‬وفيها‭ ‬من‭ ‬الذهول‭ ‬أكثر‭ ‬ممّا‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬الحيوية‭.‬

السياسي‭ ‬هو‭ ‬ابن‭ ‬النظام‭ ‬الحزبي‭ ‬القديم‭. ‬يعرف‭ ‬مرجعيّاته‭ ‬ويتصرّف‭ ‬على‭ ‬أساسها‭. ‬يحدد‭ ‬خياراته‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬عمرية‭ ‬مبكرة‭. ‬وحين‭ ‬يتقلب،‭ ‬فإنه‭ ‬يتقلب‭ ‬بسبب‭ ‬تغيرات‭ ‬يدرك‭ ‬معناها‭. ‬هو‭ ‬يساري‭ ‬مثلا،‭ ‬أو‭ ‬يميني،‭ ‬أو‭ ‬يتقلب‭ ‬بين‭ ‬الاثنين‭. ‬والتقلبات،‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬وصف‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬حكيم،‭ ‬تتم‭ ‬وفقا‭ ‬لدوافع‭ ‬عمرية‭ ‬أو‭ ‬انتهازية‭. ‬فأنت‭ ‬يساري‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬الشباب‭ ‬لأن‭ ‬لديك‭ ‬قلبا،‭ ‬وأنت‭ ‬يميني‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬العمر‭ ‬لأن‭ ‬لديك‭ ‬عقلا‭. ‬المرجعية‭ ‬العمرية‭ ‬تتوافق‭ ‬مع‭ ‬المرجعية‭ ‬الفكرية‭. ‬التظاهرات‭ ‬اليسارية‭ ‬عادة‭ ‬مليئة‭ ‬بالشباب،‭ ‬والتصريحات‭ ‬اليمينية‭ ‬والمواقف‭ ‬تأتيك‭ ‬ممن‭ ‬خبروا‭ ‬صعوبات‭ ‬تحقيق‭ ‬الأحلام،‭ ‬وصاروا‭ ‬أكثر‭ ‬واقعية‭ ‬في‭ ‬نظرتهم‭ ‬للأشياء‭.‬

التطورات‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬دفعت‭ ‬إلى‭ ‬درجات‭ ‬رمادية‭ ‬بين‭ ‬اليسار‭ ‬واليمين‭. ‬صار‭ ‬هناك‭ ‬الوسط،‭ ‬ويسار‭ ‬الوسط‭ ‬ويمينه‭. ‬ملكية‭ ‬اليسار‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬محسومة‭ ‬بالطبع‭ ‬ولا‭ ‬اليمين‭. ‬شيوعية،‭ ‬ماركسية،‭ ‬تروتسكية،‭ ‬ماوية،‭ ‬فاشية،‭ ‬يمين‭ ‬جديد‮…‬‭ ‬وعُدّ‭ ‬ولا‭ ‬تتردد‭. ‬تنويعات‭ ‬ساذجة‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬رافقت‭ ‬هذه‭ ‬التصنيفات،‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الانحياز‭ ‬إلى‭ ‬تقليم‭ ‬الشوارب‭ ‬بما‭ ‬يشبه‭ ‬هتلر‭.‬

اليمين‭ ‬واليسار،‭ ‬وما‭ ‬بينهما‭ ‬وتلويناتهما،‭ ‬كانا‭ ‬يجعلاننا‭ ‬نحس‭ ‬بالأمان‭. ‬هناك‭ ‬خطوط‭ ‬دلالة‭ ‬تقف‭ ‬بالقرب‭ ‬منها‭ ‬أو‭ ‬بعيدا‭ ‬عنها‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬الهتّافين‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التظاهرات‭ ‬التي‭ ‬تقودها‭ ‬الحركات‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬معاني‭ ‬أغلب‭ ‬ما‭ ‬يرددونه‭ ‬من‭ ‬شعارات،‭ ‬ولكن‭ ‬ثمة‭ ‬إحساس‭ ‬عام‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬شكل‭ ‬المسيرة‭. ‬تحب‭ ‬اليسار‭ ‬أو‭ ‬تكرهه،‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬اليمين‭ ‬أو‭ ‬تحاربه،‭ ‬إلا‭ ‬أنك‭ ‬تعرف‭ ‬أين‭ ‬تقف‭. ‬هل‭ ‬يستطيع‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬يشير‭ ‬بهذا‭ ‬اليقين‭ ‬الآن‭ ‬إلى‭ ‬إيمانه‭ ‬الفكري،‭ ‬دع‭ ‬عنك‭ ‬توجهاته‭ ‬العقائدية؟‭ ‬ربما‭ ‬هو‭ ‬سؤال‭ ‬صعب‭ ‬لأسباب‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالعصر‭ ‬وبالأيديولوجيات‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬سواء‭.‬

موجة‭ ‬الفكر‭ ‬الديني‭ ‬مسحت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬اليسار‭ ‬واليمين‭. ‬أيّ‭ ‬محاولة‭ ‬لتوصيف‭ ‬الدين‭ ‬باليمين‭ ‬واليسار‭ ‬لا‭ ‬تستقيم‭ ‬مع‭ ‬المعطيات‭. ‬الفكر‭ ‬الديني‭ ‬متقشّف‭ ‬كاليسار‭ ‬ومتزمّت‭ ‬كاليمين‭. ‬يجمع‭ ‬الصدقات‭ ‬ولا‭ ‬يتردّد‭ ‬في‭ ‬إزهاق‭ ‬الأرواح‭. ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬دين‭ ‬لكل‭ ‬الناس‭ ‬ولكنه‭ ‬يبقي‭ ‬على‭ ‬احتكاره‭ ‬للدين،‭ ‬إما‭ ‬لصالح‭ ‬المرجعيات‭ ‬ومؤسساتها،‭ ‬أو‭ ‬لطائفة‭ ‬دون‭ ‬غيرها‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬أحزاب‭ ‬اليسار‭ ‬واليمين‭ ‬‮"‬تزعل"‭ ‬من‭ ‬تاركيها‭ ‬إلى‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر،‭ ‬فالفكر‭ ‬الديني‭ ‬يلوّح‭ ‬بسلاح‭ ‬التكفير،‭ ‬وهو‭ ‬سلاح‭ ‬خطير‭ ‬يصيب‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬اجتماعي‭ ‬لدى‭ ‬الإنسان‭ ‬ويدمّر‭ ‬حياته‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عرضة‭ ‬للتصفية‭ ‬الجسدية‭. ‬الفكر‭ ‬الديني،‭ ‬بأوجهه‭ ‬الحزبية‭ ‬والوعظية،‭ ‬هو‭ ‬أول‭ ‬ملمح‭ ‬من‭ ‬ملامح‭ ‬الشعبوية‭ ‬التي‭ ‬تمتد‭ ‬اليوم‭ ‬لتخنق‭ ‬المجال‭ ‬الحياتي‭ ‬للمجتمعات‭.‬

الشعبوية‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬ألغت‭ ‬بدورها‭ ‬مرجعيات‭ ‬اليسار‭ ‬واليمين،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬فكر‭ ‬ديني‭. ‬الغرب‭ ‬الذي‭ ‬امضي‭ ‬مئات‭ ‬السنين‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬الفكر‭ ‬الليبرالي‭ ‬السياسي،‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬شبه‭ ‬عاجز‭ ‬أمام‭ ‬المد‭ ‬الشعبوي‭. ‬الغرب‭ ‬الذي‭ ‬أمضى‭ ‬قرونا‭ ‬للسموّ‭ ‬بالفكر‭ ‬الإنساني‭ ‬بما‭ ‬يتجاوز‭ ‬ماضيه،‭ ‬يقف‭ ‬الآن‭ ‬مذهولا‭ ‬أمام‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الغرائز‭. ‬السياسي‭ ‬الغربي‭ ‬التقليدي،‭ ‬الذي‭ ‬اعتاد‭ ‬على‭ ‬وزن‭ ‬الأمور‭ ‬ضمن‭ ‬برنامج‭ ‬الحزب‭ ‬ومشاريعه،‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬الرد‭ ‬الآن‭ ‬بسهولة‭ ‬على‭ ‬اللغة‭ ‬الشعبوية‭ ‬السائدة‭ ‬والتي‭ ‬يتصدر‭ ‬الصفوف‭ ‬فيها‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭. ‬حتى‭ ‬وصف‭ ‬هذا‭ ‬التطرف‭ ‬بالفكر‭ ‬اليميني‭ ‬فيه‭ ‬نوستالجيا‭ ‬فكرية‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬حقيقة‭. ‬الغرائزية‭ ‬المتطرفة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬الوصف‭ ‬الأقرب‭ ‬للواقع‭.‬

الغرائزية‭ ‬المتطرفة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنسف‭ ‬المشروع‭ ‬المدني‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬كما‭ ‬شتت‭ ‬الفكر‭ ‬الديني‭ ‬السياسي‭ ‬المشروع‭ ‬الوطني‭ ‬المدني‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬الضغوط‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬المجتمعات‭ ‬الغربية‭ ‬الآن،‭ ‬الاقتصادية‭ ‬منها‭ ‬والسياسية،‭ ‬جعلتها‭ ‬حساسة‭ ‬جدا‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬ملمح‭ ‬لثقافة‭ ‬الآخر‭ ‬‮«‬الدخيل”‭. ‬المشروع‭ ‬الأوروبي‭ ‬أمام‭ ‬امتحانات‭ ‬ليس‭ ‬أولها‭ ‬الخروج‭ ‬البريطاني‭ ‬ولا‭ ‬تدفق‭ ‬اللاجئين‭. ‬المشروع‭ ‬الأميركي‭ ‬يئن‭ ‬تحت‭ ‬الضغط‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬ويتحدث‭ ‬عن‭ ‬استبعاد‭ ‬الأجانب‭ ‬من‭ ‬المسلمين‭ ‬أو‭ ‬إقامة‭ ‬الحدود‭ ‬مع‭ ‬الجنوب‭ ‬الناطق‭ ‬بالإسبانية‭. ‬هل‭ ‬بإمكان‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬يصف‭ ‬روسيا‭ ‬اليوم‭ ‬وفقا‭ ‬للمعايير‭ ‬السياسية‭ ‬السابقة؟‭ ‬هل‭ ‬هي‭ ‬دولة‭ ‬أرثوذكسية‭ ‬دينية‭ ‬أم‭ ‬دولة‭ ‬تنتقم‭ ‬من‭ ‬إرث‭ ‬الإهانة‭ ‬للمشروع‭ ‬السوفييتي‭ ‬أم‭ ‬دولة‭ ‬للمافيا‭ ‬التي‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬مفاصل‭ ‬الحياة؟

"‬ربيع"‬‭ ‬الشعبوية‭ ‬أطاح‭ ‬باليسار‭ ‬واليمين‭ ‬وأضاع‭ ‬علينا‭ ‬البوصلة‭.


كاتب من العراق

مقالات أخرى للكاتب:

  • المدينة العربية
  • المصدومون
  • المثقف‭ ‬كاتباً
  • ‬المتعة‭ ‬الغائبة
  • وداعاً لبراءة الطفل
  • الصحفيون ألسنتهم طويلة
  • يقظة‭ ‬ثقافية‭ ‬لا‭ ‬‮\'‬ثورة‭ ‬ثقافية‮\'‬
  • ثقافة‭ ‬غربية‭ ‬ومنتجات‭ ‬شرقية
  • حادثة سعيدة حقا: المطالعة
  • الأسيران، المثقف والمفكر
  • مثقف‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة
  • لماذا‭ ‬الإصرار‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لدينا‭ ‬مسرح
  • الهوية‭ ‬المستبدلة
  • أهلا‭ ‬بكم‭ ‬إلى عالم الرواية الممل
  • دع‭ ‬الثقافة‭ ‬وشاهد‭ ‬التلفزيون
  • كلام‭ ‬في‭ ‬الصحافة
  • غيتو إسلامي
  • عام أول من المحاولة
  • تحية‭ ‬متأخرة‭ ‬للأسطى
  • قصيدة‭ ‬حقد‭ ‬واحدة
  • ثقافة الرخيص، ثقافة \'القط بسبعة أرواح\'
  • نحو‭ ‬مثقف‭ ‬جديد‬‬‬‬
  • الدولة‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة لصاحبها ‬‮\'‬ماد‭ ‬ماكس‮\'‬
  • أيها النقد لا تكن موضوعيا أبداً
  • حكاية‭ ‬فيديو‭ ‬عقلي
  • تلك الأدوات التي تغيرنا
  • عقول‭ ‬سطحية لا‭ ‬تستطيع‭ ‬التركيز
  • تكنولوجيا‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬أيدٍ‭ ‬متخلفة