سؤال الأيديولوجيا ونهاية التاريخ وصراع الحضارات

طرح‭ ‬سؤال‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬بعد‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬وتأويل‭ ‬هذه‭ ‬النهاية‭ ‬بأنها‭ ‬انتصار‭ ‬أخير‭ ‬للرأسمالية‭ ‬على‭ ‬الاشتراكية،‭ ‬وانتصار‭ ‬أخير‭ ‬لليبرالية‭ ‬على‭ ‬الماركسية،‭ ‬وانتصار‭ ‬أخير‭ ‬لـ”العقلانية”‭ ‬على‭ ‬اللاعقلانية،‭ ‬أو‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬نهاية‭ ‬التاريخ”،‭ ‬حسب‭ ‬تنظير‭ ‬فوكوياما،‭ ‬ما‭ ‬يشي‭ ‬بأن‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬كانت‭ ‬قناع‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬التي‭ ‬خيضت‭ ‬بجميع‭ ‬الوسائل،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬الوسائل‭ ‬العسكرية،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬لم‭ ‬تستعمل‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬النفوذ‭ ‬المتنازع‭ ‬عليها‭ ‬بين‭ ‬المعسكرين‭ ‬الرأسمالي‭ ‬والاشتراكي،‭ ‬والدولتين‭ ‬الكبريين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأميركية‭ ‬والاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬السابق،‭ ‬فكانت‭ ‬الثورات‭ ‬القومية‭ ‬والاشتراكية‭ ‬والانقلابات‭ ‬العسكرية‭ ‬والنزاعات‭ ‬المحلية‭ ‬والصراعات‭ ‬البينية‭ ‬الوجه‭ ‬الآخر‭ ‬للحرب‭ ‬الباردة‭ ‬في‭ ‬القسم‭ ‬المتأخر‭ ‬من‭ ‬العالم،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬حصيلتها‭ ‬النهائية‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬حصيلة‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬نفسها‭.‬

الجديد  جادالكريم الجباعي [نُشر في 01/08/2017، العدد: 31، ص(18)]

لوحة: أسامة النصار
لذلك غدت‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬علامة‭ ‬فارقة‭ ‬أو‭ ‬سمة‭ ‬خاصة‭ ‬لوعي‭ ‬المغلوبين‭ ‬والمهزومين‭ ‬وثقافتهم‭ ‬وتاريخهم،‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬الغالبين،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الصين‭ ‬المهزومة‭ ‬أيديولوجياً،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تحولها‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬اقتصادية‭ ‬كبرى‭ ‬تنافس‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والاتحاد‭ ‬الأوروبي‭.‬

في‭ ‬مقابل‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬الذاتية‭ ‬‭(‬أعني‭ ‬الأيديولوجية‭)‬‭ ‬للتاريخ،‭ ‬وهي‭ ‬رؤية‭ ‬أميركية‭ ‬بامتياز،‭ ‬ثمة‭ ‬رؤية‭ ‬نقدية‭ ‬للأيديولوجيا،‭ ‬عبّر‭ ‬عنها‭ ‬أحسن‭ ‬تعبير‭ ‬وأدقه‭ ‬إدغار‭ ‬موران‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬مقدمات‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين”،‭ ‬وسائر‭ ‬نقاد‭ ‬الحداثة،‭ ‬كما‭ ‬عبر‭ ‬عنها‭ ‬عبدالله‭ ‬العروي‭ ‬في‭ ‬أعماله‭ ‬الرائدة‭ ‬‮«‬الأيديولوجيا‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة”‭ ‬و”العرب‭ ‬والفكر‭ ‬التاريخي”‭ ‬و”أزمة‭ ‬المثقفين‭ ‬العرب”،‭ ‬ثم‭ ‬في‭ ‬‮«‬مفهوم‭ ‬الأيديولوجيا”،‭ ‬وياسين‭ ‬الحافظ،‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬الهزيمة‭ ‬والأيديولوجيا‭ ‬المهزومة”‭. ‬ولكن،‭ ‬أليس‭ ‬نقد‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬أو‭ ‬بعضه‭ ‬نقداً‭ ‬أيديولوجياً،‭ ‬كما‭ ‬رأى‭ ‬ألتوسير‭ ‬في‭ ‬نقد‭ ‬ماركس‭ ‬للأيديولوجيا‭ ‬الألمانية‭ ‬والعائلة‭ ‬المقدسة‭ ‬والمخطوطات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والفلسفية‭ ‬لعام‭ ‬1844،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬سماه‭ ‬كتابات‭ ‬الشباب؟

الرؤية‭ ‬الأميركية‭ ‬المزهوّة‭ ‬بانتصارها،‭ ‬‭(‬ولعلها‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬انتصار‭ ‬آخر،‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع،‭ ‬لكي‭ ‬تكتمل‭ ‬هزيمتها‭)‬،‭ ‬أنتجت‭ ‬أدلوجة‭ ‬جديدة،‭ ‬هي‭ ‬أدلوجة‭ ‬‮«‬صراع‭ ‬الحضارات”‭ ‬التي‭ ‬عبّر‭ ‬عنها‭ ‬صموئيل‭ ‬هنتنغتون‭ ‬ورصفاؤه‭ ‬من‭ ‬‮«‬الليبراليين‭ ‬الجدد”،‭ ‬الذين‭ ‬هدروا‭ ‬مبادئ‭ ‬الليبرالية‭ ‬وقيمها‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وهي‭ ‬قوام‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وعمادها‭ ‬وعوامل‭ ‬نموها،‭ ‬وخفَّضوها‭ ‬إلى‭ ‬نفعية‭ ‬كلبية‭ ‬أو‭ ‬سينيكية،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬عقلانية‭ ‬لاعقلانية،‭ ‬وقسموا‭ ‬العالم،‭ ‬وفق‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية،‭ ‬عالمين‭: ‬عالم‭ ‬الخير‭ ‬وعالم‭ ‬الشر،‭ ‬أو‭ ‬محورين‭: ‬‮«‬محور‭ ‬الخير‭ ‬ومحور‭ ‬الشر”،‭ ‬حسب‭ ‬تعبير‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬الأسبق‭ ‬جورج‭ ‬دبليو‭ ‬بوش،‭ ‬في‭ ‬أثناء‭ ‬التحضير‭ ‬لغزو‭ ‬العراق،‭ ‬وتأسيس‭ ‬ذلك‭ ‬الغزو‭ ‬على‭ ‬الكذب‭ ‬والتخرّصات‭.‬

واللافت،‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الحين”‭ ‬أن‭ ‬ستين‭ ‬مثقفاً‭ ‬أميركياً‭ ‬أصدروا‭ ‬بياناً‭ ‬جماعياً‭ ‬يبررون‭ ‬فيه‭ ‬غزو‭ ‬العراق،‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬دفاع‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬الأميركية”،‭ ‬وواجب‭ ‬أخلاقي‭ ‬لنشر‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬وانتصار‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬أي‭ ‬أنهم‭ ‬راحوا‭ ‬يلوكون‭ ‬أكاذيب‭ ‬رئيسهم‭ ‬وتخرصّات‭ ‬حكومتهم،‭ ‬كما‭ ‬يفعل‭ ‬معظم‭ ‬‮«‬المثقفين”‭ ‬العرب،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬السوريين‭ ‬منهم‭ ‬اليوم‭. ‬وهذه‭ ‬ذروة‭ ‬كلبية‭ ‬من‭ ‬ذرى‭ ‬الأيديولوجيا‭. ‬نقول‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬أولئك‭ ‬المثقفين‭ ‬حوّلوا‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬أدلوجتين‭ ‬تبريريتين‭.‬

ما‭ ‬تقدّم‭ ‬كله‭ ‬يدل‭ ‬دلالة‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬ارتباط‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬بالحروب‭ ‬والنزاعات‭ ‬والغزوات‭ ‬والفتوحات‭. ‬فحيثما‭ ‬يوجد‭ ‬نموّ‭ ‬مُحتَجَز‭ ‬وتعارضات‭ ‬مستعصية‭ ‬على‭ ‬الحل‭ ‬توجد‭ ‬الأيديولوجيا،‭ ‬وحيثما‭ ‬توجد‭ ‬اللاعدالة‭ ‬توجد‭ ‬الأيديولوجيا،‭ ‬وحيثما‭ ‬توجد‭ ‬غلبة‭ ‬ومغلوبية‭ ‬وتسلط‭ ‬واستبداد‭ ‬واحتكار‭ ‬توجد‭ ‬الأيديولوجيا‭.‬الأيديولوجيا‭ ‬ماضويات‭ ‬ومستقبليات،‭ ‬موتها‭ ‬يعني‭ ‬موت‭ ‬الماضويات‭ ‬والمستقبليات‭ ‬معاً،‭ ‬وهذا‭ ‬مستبعد،‭ ‬منطقياً‭ ‬وواقعياً،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مستحيلاً؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬مستقبل‭ ‬بلا‭ ‬ماض،‭ ‬والعكس‭ ‬صحيح،‭ ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬بالمعنى‭ ‬المتداول‭ ‬وفقاً‭ ‬للرؤية‭ ‬الخطية‭ ‬للزمن،‭ ‬ووفقاً‭ ‬لاستقلال‭ ‬الزمان‭ ‬عن‭ ‬المكان،‭ ‬بل‭ ‬وفقاً‭ ‬لمنظور‭ ‬مختلف،‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬الماضي‭ ‬والمستقبل‭ ‬وجهان‭ ‬متلازمان‭ ‬للكائن‭ ‬والكون‭ ‬وسيرورة‭ ‬التكون،‭ ‬وهما‭ ‬سدى‭ ‬الحاضر‭ ‬ولحمته،‭ ‬حتى‭ ‬حينما‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬ماض‭ ‬قريب‭ ‬ومتوسط‭ ‬وبعيد‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬حاضر‭ ‬يوصف‭ ‬بهذه‭ ‬الصفات‭. ‬فلا‭ ‬سبيل‭ ‬إلى‭ ‬إلغاء‭ ‬الذاكرة‭ ‬الفردية‭ ‬أو‭ ‬الجمعية،‭ ‬ولا‭ ‬سبيل‭ ‬إلى‭ ‬إلغاء‭ ‬الخافية‭ ‬الفردية‭ ‬أو‭ ‬الجمعية،‭ ‬ولا‭ ‬سبيل‭ ‬إلى‭ ‬إلغاء‭ ‬الأهداف‭ ‬والغايات‭ ‬والتطلّعات‭ ‬والتوقعات‭. ‬هذا‭ ‬يعني،‭ ‬في‭ ‬نظرناً،‭ ‬أن‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالحاضر،‭ ‬أو‭ ‬بالوضع‭ ‬القائم‭ ‬هنا‭ ‬والآن،‭ ‬ارتباطاً‭ ‬سببياً،‭ ‬ولكنها‭ ‬تعمل‭ ‬إما‭ ‬على‭ ‬حجبه‭ ‬وإما‭ ‬على‭ ‬تبريره‭. ‬وبهذا‭ ‬يكون‭ ‬وصف‭ ‬شايغان‭ ‬للأيديولوجيا‭ ‬بأنها‭ ‬ليست‭ ‬ديناً‭ ‬وليست‭ ‬فلسفة‭ ‬وليست‭ ‬علماً‭ ‬مطابقاً‭ ‬تماماً‭. ‬فإنّ‭ ‬من‭ ‬المستبعد‭ ‬أن‭ ‬تنتفي‭ ‬عملية‭/‬عمليات‭ ‬تأويل‭ ‬الدين‭ ‬أو‭ ‬الفلسفة‭ ‬أو‭ ‬العلم‭ ‬تأويلاً‭ ‬ما‭ ‬بقصد‭ ‬حجب‭ ‬الواقع‭ ‬أو‭ ‬تبريره،‭ ‬وهذا‭ ‬التأويل‭ ‬هو‭ ‬لب‭ ‬الأيديولوجيا،‭ ‬وهذه‭ ‬الحجب‭ ‬والتبرير‭ ‬أو‭ ‬التسويغ‭ ‬هما‭ ‬وظيفتها‭. ‬الأيديولوجيا‭ ‬ليست‭ ‬حاجة،‭ ‬بل‭ ‬حجاب‭ ‬للحاجة‭ ‬وليست‭ ‬غاية‭ ‬بل‭ ‬تبرير‭ ‬للغاية‭.‬

لا‭ ‬يصبح‭ ‬تأويل‭ ‬الدين‭ ‬أو‭ ‬الفلسفة‭ ‬أو‭ ‬العلم‭ ‬أو‭ ‬مزيج‭ ‬منها‭ ‬جميعاً‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬تبنّت‭ ‬هذا‭ ‬التأويل‭ ‬جماعة‭ ‬معينة‭ ‬أو‭ ‬جمعية‭ ‬أو‭ ‬حزب‭ ‬أو‭ ‬سلطة‭ ‬سياسية،‭ ‬قائمة‭ ‬أو‭ ‬ممكنة‭.. ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬يسوغ‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬أيديولوجية‭ ‬مجتمع‭ ‬أو‭ ‬شعب‭ ‬أو‭ ‬أمة‭ ‬أو‭ ‬دولة،‭ ‬فمن‭ ‬طبيعة‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬أنها‭ ‬خاصة،‭ ‬وحصرية،‭ ‬ومغلقة‭ ‬على‭ ‬ثوابتها‭ ‬ويقينياتها‭ ‬وإيماناتها،‭ ‬ومقترنة‭ ‬بإرادة‭ ‬السلطة،‭ ‬مطالبةً‭ ‬أو‭ ‬مدافعةً،‭ ‬وهذه‭ ‬جميعاً‭ ‬ممّا‭ ‬يجعلها‭ ‬علامة‭ ‬على‭ ‬عصبية‭ ‬بعينها،‭ ‬تحمل‭ ‬جرثومة‭ ‬العنف‭ ‬وإمكانات‭ ‬التطرف‭ ‬والإرهاب‭. ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬نوافق‭ ‬من‭ ‬يقول‭ ‬بـ”التلازم‭ ‬بين‭ ‬الوجود‭ ‬الإنساني‭ ‬وبين‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬إفصاحٌ‭ ‬عن‭ ‬التدفق‭ ‬اللامتناهي‭ ‬للأفكار‭ ‬والقيم‭ ‬الكبرى‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬تعبيرها‭ ‬الطوبوي”‭ ‬ثم‭ ‬بما‭ ‬‭(‬هي‭)‬‭ ‬ترجمةٌ‭ ‬لتنازع‭ ‬المصالح‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يزول‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬مجتمع‭ ‬أو‭ ‬عالم،‭ ‬فكيف‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬المجتمع‭ ‬والعالم‭ ‬محكوميْن‭ ‬بالنظام‭ ‬الرأسمالي‭ ‬وعلاقة‭ ‬الاستغلال‭ ‬الوحشي‭ ‬التي‭ ‬تترك‭ ‬خلفها‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬المحرومين‭ ‬والمهمَّشين”‭ ‬‭[‬1‭]‬‭.‬

لا‭ ‬نتفق‭ ‬مع‭ ‬القول‭ ‬السابق،‭ ‬بسبب‭ ‬الكثافة‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬في‭ ‬التعريف‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يأبه‭ ‬بالتناقض‭ ‬بين‭ ‬شقيه‭: ‬الوجودي‭ ‬والاجتماعي‭. ‬ونرى‭ ‬أن‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬يوتوبيا‭ ‬خائبة،‭ ‬تنتهي‭ ‬إلى‭ ‬فولكلور،‭ ‬ومنظومة‭ ‬أفكار‭ ‬ميتة،‭ ‬متماسكة‭ ‬في‭ ‬الظاهر،‭ ‬ولكنها‭ ‬لا‭ ‬تمت‭ ‬بأيّ‭ ‬صلة‭ ‬إلى‭ ‬الواقع‭ ‬المعيش،‭ ‬ولا‭ ‬تزدهر‭ ‬إلا‭ ‬حينما‭ ‬وحيثما‭ ‬تنحسر‭ ‬الفلسفة‭ ‬ويذوي‭ ‬العقل‭ ‬ويتحول‭ ‬الدين‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬شعائر‭ ‬وطقوس،‭ ‬وينفصل‭ ‬العلم‭ ‬عن‭ ‬الأخلاق‭.‬

رأى‭ ‬داريوش‭ ‬شايغان‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الثورة‭ ‬الدينية‭ ‬علامة‭ ‬خطيرة‭ ‬على‭ ‬فشل‭ ‬مزدوج،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬عجز‭ ‬الحداثة‭ ‬عن‭ ‬إقناع‭ ‬الجماهير‭ ‬المحرومة‭ ‬الطريحة‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬التاريخ،‭ ‬أم‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬عجز‭ ‬التقاليد‭ ‬الدينية‭ ‬القديمة‭ ‬عن‭ ‬استيعاب‭ ‬ما‭ ‬عرفته‭ ‬العصور‭ ‬الحديثة‭ ‬من‭ ‬قطيعة‭ ‬مع‭ ‬الماضي‭. ‬وهكذا‭ ‬نحن‭ ‬بإزاء‭ ‬انبجاس‭ ‬نزعة‭ ‬ظلامية‭ ‬جديدية‭ ‬هي‭.. ‬أدلجة‭ ‬المأثور‭ ‬الديني‭. ‬ويبدو‭ ‬الأمر‭ ‬كأن‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬أصبحت،‭ ‬بصيغتها‭ ‬الأكثر‭ ‬بهتاناً‭ ‬والأكثر‭ ‬خرقاً‭ ‬نقطة‭ ‬التقاء‭ ‬مستويات‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬الوعي‭ ‬‭[‬2‭]‬‭.‬

وكتب‭ ‬برهان‭ ‬غليون‭ ‬‮«‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬الاغتراب‭ ‬الطويلة،‭ ‬يبدو‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬النخبة‭ ‬المثقفة‭ ‬العربية‭ ‬التقت‭ ‬نفسها،‭ ‬في‭ ‬لهب‭ ‬الأحداث‭ ‬الإيرانية،‭ ‬وكان‭ ‬تبنّيها‭ ‬السريع‭ ‬لها‭ ‬وسيلة‭ ‬بلا‭ ‬ريب‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬مشاغلها‭ ‬الذاتية،‭ ‬وعن‭ ‬رفضها‭ ‬للوضع‭ ‬العربي‭ ‬الراهن‭. ‬وهكذا‭ ‬جاءت‭ ‬الثورة‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب،‭ ‬لتعيد‭ ‬إلى‭ ‬الوجدان‭ ‬العربي‭ ‬المثلوم‭ ‬فرحَه‭ ‬الزائل،‭ ‬وإلى‭ ‬الشعور‭ ‬العميق‭ ‬بالخيبة‭ ‬أملاً‭ ‬متجدّداً‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬استملاك‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬فالتقت‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المناسبة‭ ‬التاريخية‭ ‬العروبةُ‭ ‬روحَها‭ ‬الإسلامي‭ ‬الضائع،‭ ‬كما‭ ‬التقى‭ ‬الإسلام‭ ‬موطنه‭ ‬العربي‭ ‬الجافي‭.. ‬الإسلام‭ ‬الذي‭ ‬عمّد‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬أعظم‭ ‬ثورة‭ ‬شهدها‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬مطالب‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬الحلم‭ ‬الذي‭ ‬عجزت‭ ‬عن‭ ‬تحقيقه‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬الماضية،‭ ‬القومية‭ ‬والماركسية”‭ ‬‭[‬3‭]‬‭.‬

أوردنا‭ ‬هذين‭ ‬النصين‭ ‬للتفريق‭ ‬بين‭ ‬رؤيتين‭ ‬وموقفين‭ ‬من‭ ‬الثورة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬وقناعها‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬‭(‬المذهبي‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬يتضافر‭ ‬مع‭ ‬القومية‭ ‬الفارسية،‭ ‬ويوجه‭ ‬سياسات‭ ‬إيران‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية،‭ ‬النص‭ ‬الأول‭ ‬لكاتب‭ ‬إيراني،‭ ‬والثاني‭ ‬لكاتب‭ ‬عربي‭ ‬من‭ ‬سوريا،‭ ‬نترك‭ ‬للقارئة‭ ‬أو‭ ‬القارئ‭ ‬الحكم‭ ‬فيهما،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬غليون‭ ‬يتفق‭ ‬مع‭ ‬مقدمات‭ ‬شايغان‭ ‬في‭ ‬‮«‬الفشل‭ ‬المزدوج”،‭ ‬ولا‭ ‬يملّ‭ ‬من‭ ‬تكرار‭ ‬ذلك،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يصل‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المقدمات‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬وصل‭ ‬إليه‭ ‬شايغان،‭ ‬بل‭ ‬ذهب‭ ‬بعيداً‭ ‬في‭ ‬التبشير‭ ‬بـ”الصحوة‭ ‬الإسلامية”،‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬يفعل‭ ‬ذلك‭ ‬تحت‭ ‬قناع‭ ‬ديمقراطية‭ ‬الكم،‭ ‬‭(‬ديمقراطية‭ ‬صندوق‭ ‬الاقتراع‭)‬‭ ‬ومناهضة‭ ‬العلمانية‭ ‬مترسماً‭ ‬خطى‭ ‬محمد‭ ‬عابد‭ ‬الجابري‭.‬

‮«‬قبل‭ ‬عقود،‭ ‬كتب‭ ‬دانيال‭ ‬بيل،‭ ‬وهو‭ ‬عالم‭ ‬سياسي‭ ‬أميركي،‭ ‬يتنبأ‭ ‬بأن‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬في‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬الفناء‭. ‬كان‭ ‬بيل‭ ‬يتصور‭ ‬مثل‭ ‬كثيرين‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬علماء‭ ‬السياسة‭ ‬والسياسيين‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬أن‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬هي‭ ‬الشيوعية،‭ ‬أما‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬فهو‭ ‬خيارات‭ ‬للبشر‭ ‬نتيجة‭ ‬حسابات‭ ‬واقعية‭ ‬ومصالح‭ ‬حقيقية‭. ‬ولكن‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬القومية‭ ‬تأججت‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬وتركيا‭ ‬والعالم‭ ‬العربي‭ ‬وتحت‭ ‬السطح‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬أوروبا”‭ ‬‭[‬4‭]‬،‭ ‬كما‭ ‬تأججت‭ ‬أيديولوجيات‭ ‬دينية،‭ ‬بل‭ ‬مذهبية‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬مكان‭ ‬من‭ ‬العالم‭.‬

‮«‬رحلت‭ ‬الشيوعية‭ ‬وانتشى‭ ‬علماء‭ ‬السياسة‭ ‬الأميركية‭ ‬برحيلها،‭ ‬إلا‭ ‬أنهم‭ ‬تجاهلوا‭ ‬أنه‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الضياع‭ ‬والفساد‭ ‬والجريمة‭ ‬وسقوط‭ ‬مئات‭ ‬الألوف‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬الشعب‭ ‬الروسي‭ ‬موتى‭ ‬من‭ ‬الجوع‭ ‬وإدمان‭ ‬الكحول،‭ ‬وقع‭ ‬‘انقلاب‭ ‬أبيض’‭ ‬في‭ ‬الكرملين‭ ‬وجاء‭ ‬إلى‭ ‬الحكم‭ ‬رجل‭ ‬أنعش‭ ‬القومية‭ ‬الروسية‭ ‬واستعاد‭ ‬للكنيسة‭ ‬الأرثوذكسية‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬البلشفية،‭ ‬لأنه‭ ‬عرف‭ ‬أنه‭ ‬لن‭ ‬ينقذ‭ ‬روسيا‭ ‬من‭ ‬الغرق‭ ‬إلا‭ ‬وجود‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬ما،‭ ‬وطالما‭ ‬أن‭ ‬الشيوعية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬نافعة‭ ‬ولا‭ ‬تستعاد‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬حال،‭ ‬فإنه‭ ‬لجأ‭ ‬إلى‭ ‬الشعور‭ ‬الوطني‭ ‬وقومية‭ ‬الشعب‭ ‬الروسي‭ ‬وإلى‭ ‬المؤسسة‭ ‬التي‭ ‬ربطت‭ ‬تاريخها‭ ‬بتاريخ‭ ‬الأمة‭ ‬الروسية‭. ‬وفي‭ ‬الصين‭ ‬وقع‭ ‬شيء‭ ‬مماثل‭ ‬مع‭ ‬اختلاف‭ ‬في‭ ‬التفاصيل‭ ‬الدقيقة،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬يصرّ‭ ‬علماء‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬على‭ ‬تأكيد‭ ‬أن‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬ماتت‭ ‬في‭ ‬الصين”‭.‬

لا‭ ‬تكفي‭ ‬البرهنة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬حية‭ ‬في‭ ‬العالمين‭ ‬المتقدم‭ ‬والمتأخر،‭ ‬مع‭ ‬الفرق،‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬وظيفتها‭ ‬الإنقاذية،‭ ‬كما‭ ‬يفهم‭ ‬من‭ ‬قول‭ ‬جميل‭ ‬مطر‭ ‬إذ‭ ‬تقتصر‭ ‬وظيفتها‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬المتقدم‭ ‬أو‭ ‬تكاد‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬التبرير،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تؤدي‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬المتقدم‭ ‬وظيفة‭ ‬الحجب‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التبرير‭ ‬والتسويغ‭. ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬أي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬انحسار‭ ‬أدلوجة‭ ‬معينة‭ ‬يفضي‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬مصيرين،‭ ‬إما‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬فولكلور‭ ‬وإما‭ ‬إلى‭ ‬استعادة‭ ‬كلّ‭ ‬من‭ ‬الفلسفة‭ ‬أو‭ ‬العلم‭ ‬أو‭ ‬الدين‭ ‬مكانته‭ ‬اللائقة‭. ‬فحين‭ ‬انحسرت‭ ‬أدلوجة‭ ‬الماركسية‭ ‬اللينينية‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬السابق‭ ‬والدول‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬فلكه،‭ ‬وحلت‭ ‬محلها‭ ‬أيديولوجيات‭ ‬قومية‭ ‬ذات‭ ‬بطانة‭ ‬دينية‭ ‬‭(‬قل‭ ‬مذهبية‭)‬‭ ‬عادت‭ ‬الماركسية‭ ‬إلى‭ ‬حقيقتها‭ ‬الأصلية‭ ‬فلسفة‭ ‬وعلماً‭. ‬وقد‭ ‬أشرنا‭ ‬غير‭ ‬مرة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أدلجة‭ ‬الفكر‭ ‬وتسييسه‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬خطراً‭ ‬عن‭ ‬أدلجة‭ ‬الدين‭ ‬وتسييسه‭.‬

‬الأيديولوجيا‭ ‬يوتوبيا‭ ‬خائبة،‭ ‬تنتهي‭ ‬إلى‭ ‬فولكلور،‭ ‬ومنظومة‭ ‬أفكار‭ ‬ميتة،‭ ‬متماسكة‭ ‬في‭ ‬الظاهر،‭ ‬ولكنها‭ ‬لا‭ ‬تمت‭ ‬بأيّ‭ ‬صلة‭ ‬إلى‭ ‬الواقع‭ ‬المعيش،‭ ‬ولا‭ ‬تزدهر‭ ‬إلا‭ ‬حينما‭ ‬وحيثما‭ ‬تنحسر‭ ‬الفلسفة‭ ‬ويذوي‭ ‬العقل‭ ‬ويتحول‭ ‬الدين‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬شعائر‭ ‬وطقوس،‭ ‬وينفصل‭ ‬العلم‭ ‬عن‭ ‬الأخلاق

‮«‬تؤدي‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬اليوم‭ ‬الدور‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬أدته‭ ‬المثيولوجيات‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬القديم،‭ ‬فهي،‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬ترضي‭ ‬الروح‭ ‬الجماعية‭ ‬لمعتنقيها‭ ‬برؤيتها‭ ‬لمجتمع‭ ‬مغلق،‭ ‬وتزعم،‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬أنها‭ ‬علمية،‭ ‬أي‭ ‬مطابقة‭ ‬للتجربة‭ ‬والواقع‭. ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬تتوفر‭ ‬على‭ ‬شحنة‭ ‬انفعالية‭ ‬تقرِّب‭ ‬الشقّة‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬العاطفة‭ ‬الدينية‭ ‬وعلى‭ ‬جهاز‭ ‬منطقي‭ ‬عقلي‭ ‬يعطيها‭ ‬مظهراً‭ ‬علمياً‭ ‬وفلسفياً،‭ ‬فإنها‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬علماً‭ ‬ولا‭ ‬فلسفة‭ ‬ولا‭ ‬ديناً‭ ‬‭[‬5‭]‬‭.‬

المثيولوجيات‭ ‬التي‭ ‬تداولها‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬العصور‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬فولكلور،‭ ‬هو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية،‭ ‬هنا‭ ‬وهناك،‭ ‬وذلك‭ ‬حين‭ ‬كفّت‭ ‬عن‭ ‬كونها‭ ‬استئنافاً‭ ‬لعمل‭ ‬الآلهة‭ ‬في‭ ‬الخلق،‭ ‬أي‭ ‬حين‭ ‬كفت‭ ‬عن‭ ‬كونها‭ ‬إبداعاً‭ ‬فنياً‭ ‬ورؤى‭ ‬كوسمولوجية‭ ‬وشعراً‭ ‬ملحمياً‭.. ‬إلخ‭. ‬وكذلك‭ ‬مصير‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬كافة،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬هي‭ ‬يوتوبيات‭ ‬ميْته‭ ‬ومتفسخة،‭ ‬تؤول‭ ‬إلى‭ ‬فولكلور‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬تزعمه‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬لنفسها‭ ‬من‭ ‬دين‭ ‬وفلسفة‭ ‬وعلم‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يؤول‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬التفسخ،‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬مجتمع‭ ‬يهتم‭ ‬بالعلم‭ ‬ويحتفي‭ ‬بالدين‭ ‬والفلسفة‭ ‬‭(‬وما‭ ‬بينهما‭ ‬من‭ ‬اتصال،‭ ‬بتعبير‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭)‬‭. ‬أي‭ ‬إن‭ ‬موت‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬ممكن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬ازدهار‭ ‬الروح‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬الدين،‭ ‬وتحققه‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬المعيش،‭ ‬هنا‭ ‬وهناك،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الطقوس‭ ‬والشعائر‭ ‬والعلامات‭ ‬والرموز‭ ‬والأزياء‭ ‬والتقاليد،‭ ‬وبعيداً‭ ‬عن‭ ‬سلطة‭ ‬الفقهاء‭ ‬ومن‭ ‬يسمّون‭ ‬‮«‬رجال‭ ‬الدين”،‭ ‬وفي‭ ‬حال‭ ‬ازدهار‭ ‬الفلسفة‭ ‬والفكر‭ ‬الحر،‭ ‬وازدهار‭ ‬العلم‭ ‬واقترانه‭ ‬بالأخلاق،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬تموت‭ ‬حين‭ ‬تنتفي‭ ‬الحاجة‭ ‬إليها،‭ ‬سواء‭ ‬حاجة‭ ‬الحكام‭ ‬أو‭ ‬المحكومين،‭ ‬حاجة‭ ‬المستغِلّين‭ ‬‭(‬بكسر‭ ‬العين‭)‬‭ ‬أو‭ ‬المستغَلّين‭ ‬‭(‬بفتح‭ ‬العين‭)‬،‭ ‬أو‭ ‬حين‭ ‬تصير‭ ‬بلا‭ ‬وظيفة،‭ ‬وهو‭ ‬المعنى‭ ‬نفسه‭. ‬فما‭ ‬دام‭ ‬التفاوت‭ ‬الاجتماعي‭ ‬قائماً،‭ ‬وبعض‭ ‬هذا‭ ‬التفاوت‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬حذفه،‭ ‬وما‭ ‬دامت‭ ‬اللاعدالة‭ ‬منتشرة‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬وإن‭ ‬بنسب‭ ‬مختلفة‭ ‬ومقترنة‭ ‬بالتسلط‭ ‬والاستغلال‭ ‬والاستعباد‭.. ‬بل‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬الطبيعة‭ ‬ليست‭ ‬شفافة‭ ‬بعد،‭ ‬وما‭ ‬دامت‭ ‬المجتمعات‭ ‬كذلك،‭ ‬وما‭ ‬دامت‭ ‬السلطات‭ ‬والسياسات‭ ‬كذلك‭ ‬أيضاً،‭ ‬ستظل‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬حيّة،‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬تزدهر‭ ‬بازدهار‭ ‬الجهل‭ ‬وتعمق‭ ‬اغتراب‭ ‬الإنسان‭ ‬عن‭ ‬عالمه‭ ‬وعن‭ ‬ذاته‭.‬

ينبثق‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬موت‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬أو‭ ‬حياتها‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬من‭ ‬يحكم‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬العالم،‭ ‬وإلى‭ ‬المجتمع‭ ‬والإنسان،‭ ‬وإلى‭ ‬المرأة‭ ‬خاصة‭. ‬فالذين‭ ‬لا‭ ‬يرون‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬سوى‭ ‬‮«‬مجتمع‭ ‬الحاجات”،‭ ‬كما‭ ‬وصفه‭ ‬هيغل،‭ ‬ولا‭ ‬يرون‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬سوى‭ ‬علاقات‭ ‬نفعية،‭ ‬بالمعنى‭ ‬الضيق‭ ‬والرديء‭ ‬للكلمة،‭ ‬بوسعهم‭ ‬أن‭ ‬يزعموا‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬مكان‭ ‬للأيديولوجيا‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع،‭ ‬ولا‭ ‬حياة‭ ‬لها‭. ‬والذين‭ ‬لا‭ ‬يرون‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬سوى‭ ‬‮«‬مجتمع‭ ‬الغايات”،‭ ‬كما‭ ‬وصفه‭ ‬كانط،‭ ‬يتشبثون‭ ‬بأهداب‭ ‬الأيديولوجيا،‭ ‬ويدافعون‭ ‬عن‭ ‬أحقيتها‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬ويجادلون‭ ‬من‭ ‬ينتقدها‭ ‬بله‭ ‬من‭ ‬يقول‭ ‬بموتها،‭ ‬وهذا‭ ‬ديدن‭ ‬غالبية‭ ‬المثقفين‭ ‬العرب‭. ‬أما‭ ‬الذين‭ ‬يرون‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬‮«‬المسرحَ‭ ‬الواقعيَّ‭ ‬للتاريخ”،‭ ‬كما‭ ‬وصفه‭ ‬ماركس،‭ ‬فيدركون‭ ‬عوامل‭ ‬انبثاق‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬وعوامل‭ ‬تفسخها‭ ‬وموتها،‭ ‬وهي‭ ‬عوامل‭ ‬تاريخية‭ ‬لا‭ ‬تقرّرها‭ ‬الإرادات‭ ‬الذاتية‭ ‬وحدها،‭ ‬ويدركون‭ ‬مدى‭ ‬التباسها‭ ‬بالدين‭ ‬أو‭ ‬بالفلسفة‭ ‬أو‭ ‬بالعلم،‭ ‬ويدركون،‭ ‬من‭ ‬ثم،‭ ‬الحدودَ‭ ‬الفاصلة‭/‬الواصلة‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬المجالات‭ ‬جميعاً،‭ ‬ويتصدون‭ ‬لنقد‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬وتفنيدها‭ ‬ودحض‭ ‬مزاعمهما‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬الفلسفية‭ ‬أو‭ ‬العلمية‭.‬

‮«‬فإذا‭ ‬كنّا‭ ‬نعني‭ ‬بالعلم‭ ‬العلمَ‭ ‬الدقيق‭ ‬والمحايد‭ ‬والمؤسس‭ ‬على‭ ‬التجربة،‭ ‬فإن‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬دوغمائية؛‭ ‬فهي‭ ‬تسلّم‭ ‬بمقدماتها‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬حقائق‭ ‬قبلية،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يخامرها‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬مدى‭ ‬صحتها‭ ‬تجريبياً‭. ‬بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬إنها‭ ‬لا‭ ‬تكلّف‭ ‬نفسها‭ ‬عناء‭ ‬وضع‭ ‬ما‭ ‬تعلنه‭ ‬على‭ ‬محك‭ ‬الإثبات‭. ‬وفي‭ ‬حين‭ ‬يهتم‭ ‬رجل‭ ‬العلم،‭ ‬كما‭ ‬يلاحظ‭ ‬لابيير،‭ ‬بالتجارب‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تلغي‭ ‬أو‭ ‬تلغي‭ ‬فعلاً‭ ‬فرضياتِه،‭ ‬تضرب‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬صفحاً‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يكذب‭ ‬مبادئها”‭ ‬‭[‬6‭]‬‭.‬

الأيديولوجيا‭ ‬ليست‭ ‬فلسفة‭ ‬كذلك‭ ‬لأن‭ ‬الفلسفة‭ ‬الحقيقية‭ ‬تساؤل‭ ‬عن‭ ‬مشكلة‭ ‬الوجود‭ ‬الجوهرية،‭ ‬وعن‭ ‬وضعية‭ ‬الإنسان‭ ‬الوجودية،‭ ‬إذ‭ ‬تشكل‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬يطرحها‭ ‬الفلاسفة‭ ‬على‭ ‬أنفسهم‭ ‬والإجابات‭ ‬التي‭ ‬يتوصّلون‭ ‬إليها‭ ‬المسار‭ ‬الجدلي‭ ‬للحركة‭ ‬الفلسفية،‭ ‬سواء‭ ‬تمثل‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬في‭ ‬تموضع‭ ‬الروح‭ ‬تدريجياً‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬والتاريخ،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬احتجابها،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تظل‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬نسقاً‭ ‬مقفلاً‭ ‬ومنغلقاً‭ ‬على‭ ‬نفسه،‭ ‬متمحوراً‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬أشباه‭ ‬الحقائق‭ ‬ساعياً‭ ‬إلى‭ ‬إشهار‭ ‬قيمتها‭ ‬الكونية‭ ‬والمطلقة‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يثبت‭ ‬العكس‮»‬‭ ‬‭[‬7‭]‬‭.‬

والمزاعم‭ ‬الدينية‭ ‬للأيديولوجيا،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬الدينية،‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬هشاشة‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬‮«‬الدين‭ ‬هو‭ ‬الفلسفة‭ ‬وقد‭ ‬صارت‭ ‬شعبية‮»‬،‭ ‬فإن‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬الدينية‭ ‬هي‭ ‬الدين‭ ‬وقد‭ ‬صار‭ ‬خرافياً،‭ ‬أو‭ ‬عدمياً‭ ‬‭(‬إرهابياً‭)‬،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬‮«‬الدين”‭ ‬بحلته‭ ‬الخرافية‭ ‬ونزوعه‭ ‬العدمي‭ ‬يهتم‭ ‬بخلاص‭ ‬الأرواح‭ ‬بل‭ ‬بإزهاقها،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬يهتم‭ ‬بتهذيب‭ ‬النفوس‭ ‬بل‭ ‬بتوحيشها،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬المحبة‭ ‬والوئام‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬الكراهية‭ ‬والخصام،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬نظيمة‭ ‬إنسانية‭ ‬من‭ ‬‮«‬مكارم‭ ‬الأخلاق”‭. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬دين‭ ‬جماعات‭ ‬الدين‭ ‬السياسي‭ ‬كافة،‭ ‬ودين‭ ‬الجماعات‭ ‬الإسلامية،‭ ‬السنية‭ ‬منها‭ ‬والشيعية،‭ ‬عندنا‭. ‬الأيديولوجيا،‭ ‬هنا،‭ ‬هي‭ ‬‮«‬تعقيل”‭ ‬فكرة‭ ‬ما،‭ ‬أي‭ ‬جعلها‭ ‬تبدو‭ ‬عقلانية،‭ ‬واعتبارها‭ ‬قانوناً‭ ‬ثابتاً‭ ‬له‭ ‬قوة‭ ‬القوانين‭ ‬الطبيعية،‭ ‬ومحوراً‭ ‬لعقيدة‭ ‬مذهبية‭ ‬دينية‭ ‬أو‭ ‬لادينية،‭ ‬كفكرة‭ ‬‮«‬البقاء‭ ‬للأصلح”،‭ ‬و”شعب‭ ‬الله‭ ‬المختار”‭ ‬و”خير‭ ‬أمّة‭ ‬أخرجت‭ ‬للناس‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬حاكمية‭ ‬الله”‭ ‬أو‭ ‬‮«‬ولاية‭ ‬الفقيه”‭ ‬نائب‭ ‬‮«‬الإمام‭ ‬الغائب”،‭ ‬عقيدة‭ ‬ثنوية‭ ‬‭(‬مانوية‭)‬‭ ‬مؤسسة‭ ‬على‭ ‬وهم‭ ‬مركزية‭ ‬الذات‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬ومركزية‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الكون،‭ ‬وهي‭ ‬عقيدة‭ ‬عدمية‭ ‬بطبيعتها‭ ‬مولّدة‭ ‬للتطرف‭ ‬والعنف‭ ‬والإرهاب‭ ‬قوامها‭ ‬تقديس‭ ‬الذات‭ ‬وشيطنة‭ ‬الآخر‭.‬

أخيراً،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬اقتران‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬بالسلطة‭ ‬وإرادة‭ ‬السيطرة،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬السلطة‭ ‬التي‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬شرعية‭ ‬دستورية‭ ‬وأخلاقية‭ ‬ولا‭ ‬تنال‭ ‬رضا‭ ‬محكوميها‭ ‬وأثر‭ ‬هذا‭ ‬الاقتران‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الحقل‭ ‬السياسي‭ ‬للمجتمع‭ ‬المعني،‭ ‬وتشكيل‭ ‬ما‭ ‬يسمّى‭ ‬النطاق‭ ‬الحيوي‭ ‬أو‭ ‬المجال‭ ‬الحيوي‭ ‬للدولة‭ ‬المعنية،‭ ‬وفق‭ ‬إحداثيات‭ ‬قومية‭ ‬أو‭ ‬‮«‬وطنية”‭ ‬أو‭ ‬دينية‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬نرى‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬الروسية‭ ‬والإيرانية‭ ‬والتركية‭ ‬والأميركية‭ ‬والإسرائيلية‭ ‬وسائر‭ ‬الدول‭ ‬الضالعة‭ ‬في‭ ‬الكارثة‭ ‬السورية،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الكوارث،‭ ‬التي‭ ‬تتجول‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬اليوم‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬مما‭ ‬يبدو‭ ‬جلياً‭ ‬على‭ ‬السطح‭ ‬السياسي‭ ‬فإن‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬بصفتها‭ ‬أداة‭ ‬للهيمنة‭ ‬الرمزية‭ ‬أو‭ ‬الهيمنة‭ ‬الناعمة‭ ‬ضرورية‭ ‬للسلطة‭ ‬والنظم‭ ‬السلطوية‭ ‬أو‭ ‬التسلطية‭ ‬لتحقيق‭ ‬ما‭ ‬يسمّى‭ ‬‮«‬الانضباط‭ ‬الاجتماعي”‭ ‬أو‭ ‬الهندسة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وخنق‭ ‬الحرية‭. ‬هنا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نلاحظ‭ ‬أن‭ ‬ازدهار‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬مرتبط‭ ‬ارتباطاً‭ ‬سببياً‭ ‬بتدهور‭ ‬شروط‭ ‬الحياة‭ ‬الإنسانية‭ ‬بوجه‭ ‬عام،‭ ‬وشروط‭ ‬الحياة‭ ‬الإنسانية‭ ‬للنساء‭ ‬والملوّنين‭ ‬والمهمشين‭ ‬بوجه‭ ‬خاص‭. ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬نقيضاً‭ ‬للعدالة،‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬تركيب‭ ‬فريد‭ ‬من‭ ‬المساواة‭ ‬والحرية‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التمتّع‭ ‬بهما‭.‬

لهذه‭ ‬الأسباب‭ ‬كلها،‭ ‬وغيرها،‭ ‬لا‭ ‬نرى‭ ‬وجاهة‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬آراء‭ ‬القائلين‭ ‬بموت‭ ‬الأيديولوجيا،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬آراء‭ ‬من‭ ‬يعارضونهم‭ ‬ممن‭ ‬يدافعون‭ ‬عن‭ ‬أيديولوجية‭ ‬سلطاتهم‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬قوميتهم‭ ‬ودينهم‭ ‬أو‭ ‬عقيدتهم‭ ‬لأن‭ ‬الفريقين‭ ‬كلاهما‭ ‬غارق‭ ‬في‭ ‬الأيديولوجيا‭. ‬الأيديولوجيا‭ ‬هي‭ ‬جلد‭ ‬الأفعى،‭ ‬تغيره‭ ‬الأفعى‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والحين‭. ‬والأفعى‭ ‬هي‭ ‬المصالح‭ ‬الخاصة‭ ‬العمياء‭ ‬وازدهارها‭ ‬وفورانها‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬حالنا‭ ‬اليوم‭ ‬علامة‭ ‬على‭ ‬‮«‬احتضار‭ ‬الألهة”‭ ‬هناك،‭ ‬وجنونها‭ ‬هنا،‭ ‬علامة‭ ‬على‭ ‬جنون،‭ ‬يرصف‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬الجنة‭ ‬بالأشلاء‭ ‬والجماجم،‭ ‬سواء‭ ‬جنة‭ ‬المهووسين‭ ‬قومياً،‭ ‬أو‭ ‬جنة‭ ‬المهووسين‭ ‬دينياً‭ ‬ومذهباً‭.‬

[1]‭ ‬–‭ ‬عبد‭ ‬الإله‭ ‬بلقزيز،‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬نهاية‭ ‬الأيديولوجيا،‭ ‬على‭ ‬الرابط‭: ‬http‭:‬//www‭.‬rai-akhar‭.‬com/ar/index‭.‬php?option=com_content&task=view&id=396&Itemid=115

[2]‭ ‬–‭ ‬داريوش‭ ‬شايغان،‭ ‬ما‭ ‬الثورة‭ ‬الدينية،‭ ‬الحضارات‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الحداثة،‭ ‬ترجمة‭ ‬محمد‭ ‬الرحموني،‭ ‬دار‭ ‬الساقي،‭ ‬بيروت،‭ ‬2004،‭ ‬ص‭ ‬17‭.‬

[3]‭ ‬–‭ ‬برهان‭ ‬غليون،‭ ‬الوعي‭ ‬الذاتي،‭ ‬المؤسسة‭ ‬العربية‭ ‬للدراسات‭ ‬والنشر،‭ ‬الطبعة‭ ‬الثانية،‭ ‬1992،‭ ‬ص‭ ‬79‭.‬

[4]‭ ‬–‭ ‬جميل‭ ‬مطر،‭ ‬نهاية‭ ‬الأيديولوجيا،‭ ‬على‭ ‬الرابط‭: ‬http‭:‬//www‭.‬siironline‭.‬org/alabwab/maqalat&mohaderat(12)/384‭.‬htm

[5]‭ ‬–‭ ‬شايغان،‭ ‬ص‭ ‬217‭.‬

[6]‭ ‬–‭ ‬شايغان،‭ ‬ص‭ ‬217‭.‬

[7]‭ ‬–‭ ‬شايغان‭ ‬،‭ ‬218‭.‬


مفكر من سوريا