تفّـاحةُ التعـب

الجديد  علي جعفر العلاق [نُشر في 01/08/2017، العدد: 31، ص(24)]

بقيّةُّ السقف

بقيةُ السقفِ أنا

بقيةُ القبائلِ الرُّحّلِ

بل بقيةٌ من عرقِ الأيدي

على الأبوابْ..

*

شرّقتُ

بل غرّبتُ..

حتى مطلعِ الوحشةِ

حتى آخرِ المعنى

وحتى ابتلعَ الحوتُ أناشيـديَ..

سيّانَ

فلا سعادةُ الوهْـمِ

ولا تلفّتُ المُرْتابْ..

وها أنا أهوي

على قصيدتي بالفأسِ..

يا أيتها الناقةُ كم أنهكنا الحنينُ

كم أضاءنا الترحالُ..

لا ذهابُنا من ذهبٍ كانَ

ولا الإيابْ ..

وفجأةً

أفيقُ من سَكْرتيَ الكبرى..

أذلكم أنا؟ أم ذلكم

صوتُ ارتطامِ الليلِ

بالأكوابْ؟

*-*-*-*–*-*-*-*

ما زال في الليل ما نشتهيه

لا تقومي إلى النومِ. ما زالَ في الليلِ

ما نشتهيهِ، وما زالَ في القلبِ

ما لمْ نقُلْهُ. لنا قمرٌ

يترقّبُ جلستنا كلما مرَّ

حتى يُتِمَّ نميمتَهُ للرعاةِ الوحيدينَ..

وفي الليلِ ينمو حنانُ يديكِ

وينضجُ يُتْمي الذي

لا ارتواءَ لهُ..

*

يتنامى حنيني إلى ما مضى..

يتكسَّرُ في لغتي قوسُ لهفتِها

ويفجّرُ فيها النقيضُ

النقيضَ:

الرذاذُ وجمرُ الغضا..

*

كم وددْتُ لو أنِّيَ

بُحْتُ بما لمْ يقلْهُ أحدْ..

غيرَ أنكِ عوَّدْتني أن تقولي الذي لم أقلْهُ

وكنتِ البليغةَ، قُمْتِ إلى ليلنا الوثنيِّ

وقطَّرْتِهِ في أباريقَ من فضَّةٍ

والوسائدُ مشغولةٌ بالشذى عارياً

وحفيفِ القصبْ..

ثم أحضرتِ

ما لذَّ من زمنِ الوصلِ..

ما طابَ من شهَواتِ مخيَّلةٍ

لا تخومَ لها..

ثُمّ ما يُشتهَى

من سلالِ التعبْ..

*

لنقُمْ دافئَينِ إلى ليلنا..

سوف نلقي على عُرْيهِ بُرْدةً

ونغيِّرُ بعضَ شمائلِهِ:

مثلاً لم يعدْ قمراً بارداً

أو طريقاً إلى النومِ، بل أفقاً

غامضاً، ومواهبَ مهلكةً، وهباتْ

سنعودُ إلى ليلنا الحرِّ ثانيةً

تلك جلستُنا والقبائلُ من حولنا

زمنٌ من عقوقٍ جميلٍ ومن

صلواتْ..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سيدةُ هذا الزمان

إنّ بيْ حاجةً لقليلٍ من المكرِ

كي أتصدّى لهذا البياضِ الذي

يملأ النفسَ..

أُشْبِعُهُ كدراً ورضوضاً..

لكي لا أرى كلَّ سنبلةٍ فكرةً

لرغيفٍ..

وكلَّ كلامٍ قصيدةَ نثرٍ

مطهّمةٍ صافيةْ..

*

إنّ بيْ حاجةً

للكثيرٍ من اليأسِ

حتى أصدّقَ أنّ العراقَ بعيد..

وأنّ الروايةَ سيدةُ هذا الزمانِ

وطفلتُهُ الحافيةْ..

-*-*-*-*-*-*-*-*-*

نعـاس

أتجوّلُ

في ليلِ ذاكرةٍ

ليس فيها أحدْ..

ليس إلاّ نعاسي الشحيحُ

وهذا الصديقُ الجسدْ..

ليس لي من جوادٍ سوى قلقٍ

أبيضٍ يُشبهُ الريحَ..

لا مهرجانُ القصيدةِ..

لا بعضُ ما زرعَ اللهُ

من مطرٍ..

*

يتساقطُ في كلّ زاويةٍ صاحبٌ

يتساقطُ عن كتفَيَّ الندى والندامى النديونَ..

والليلُ لمّا يعدْ كافياً لنعاسِ قطاةٍ

فأسألُ أين الذي كنتُ أمحو وأكتبُ

منذ ثلاثينَ قرناً مضى..

فجأةً..

مطرٌ يطرقُ البابَ

محتضناً باقةً من نعاسٍ

خفيفْ..

*

أتأملني:

ليس إلاّ مسوّدةً

ليس إلاّيَ منتظراً ضوءَها

ليس إلا صديقي الخريفْ

يتعثّرُ مبتعداً..

*-*-*-*-*-**

غوايةُ آدم

إلى أيمّا جنةٍ تذهبانِ

ومن أيمّا جنةٍ جئتما؟

أنتما..

آهِ يا أنتما..

هبةُ اللهِ ريّانةً لعبادِهْ..

أم غوايةُ آدمَ

تشرقُ في كلّ ثانيةٍ

من رمادِهْ..؟

لا تزيدي

على وحشتي وحشةً

إن صمتكِ يربكُ لي لغتي..

وحديثكِ غيمٌ تساقطُ من جنةٍ

كسماءٍ يحيّرُني بُعدها..

*

كلّما اشتد فيّ الحنينُ، تجيئينَ

دافئةً، تمسحينَ على حطبي..

أتوهّج فيكِ وأورقُ

ثانيةً كالبراكينِ..

ها أنتِ

سيدةً للنساءِ اللواتي

تذوّقْتُ أيامَهنَّ..

وسيدةً للواتي تذوّقْنَ بَدْئيْ

وما طِقْنَ صبراً على مُنْتهايْ..

وها أنذا..

كلما عصفتْ بيننا محنةٌ

هدأتْ بعدها الريحُ صافيةً

وأعادتْ إلى لغتي طرَفاً

من صِبايْ..

*-*-*-*-*-*

أنانية بيضاء

بالكادِ أنجو

من أنانيتي البيضاءِ..

من حُلْمٍ جديدٍ مضى..

من بلدٍ يعلو إلى موتِهِ المحتومِ..

من بئرٍ يغنّي بها

الموتى..

ويفنى بها الناجونَ..

أحثو فوقَ حُلْمي الحصى..

أصيحُ في الأسواقِ:

من يشتري هذا الأنينَ الفظَّ؟

من يكسرُ الأقفالَ كي

تتسعَ الدائرةْ؟

*

يا لكِ من قصيدةٍ مرَّةٍ

يشقى بها المفترسانِ

الحُلْمُ..

والذاكرةْ..

*-*-*-*-*-*-

حصادٌ عراقيّ

آوي إلى لغةٍ طينيةٍ

عبرتْ منها الخيولُ

وفاضَ الليلُ

من يدِها..

لم يتركِ السيلُ منها

غيرَ كارثةٍ

تُمسي وتُصبحُ

بعضاً من تجدّدِها..

*

أرضٌ

يعمّرُها الحمْقى

فما حصدتْ عبر القرونِ

سوى أخطاءِ سيّدِها..

*

عايشْتُ موتيَ مرّاتٍ، وها أنذا

أرضٌ يشبُّ الندى والنارُ

في غدِها..


شاعر من العراق مقيم في لندن