المثقف العربي ورهاب الغنائم

الجديد  علي حسن الفواز [نُشر في 01/08/2017، العدد: 31، ص(28)]

وسط الخراب والعطب قد يذهب الكثيرون للنفي بقصد الإثبات، وقد يستعير البعض منهم ما يشبه الذاكرة الآمنة للتوهّم بفكرة الخلاص، أو حتى النأي بالنفس عن أيِّ تورّط بـ”الهزيمة” أو الخيبة، فما يحدث على “الجبهة الثقافية” يمكن أنْ يحدث بذات الطريقة التي تحدّث بها ريك ماريا ريمارك عن “جبهته الغربية” حيث أخذت الحرب كلَّ شيء، وما عاد هناك سوى ذاكرةٍ مشكوكٍ بها.

ما بين العطب، والذاكرة المثقوبة والمشكوك بها، هل يمكن اتّهام المثقف العربي بالفرجة أو بالعطالة؟

سؤالٌ قد يبدو مثيرا وفاجعا وقد يحملُ معه كثيرا من الجروح، إذ تستدعي هذه المُساءلة كشفا لما يحوط هذا المثقف، وتعرية اغتراباته واستلاباته، ليس لتبريرها بل لكشفٍ أقسى له تعالقاته مع السلطة والتاريخ والأيديولوجيا والجماعة، وكل تلك القوى “النسقية” التي تصرّ على “تشييء” المثقف، وإخضاعه أو حتى توريطه بلعبة الغنائم.

فهذا المثقف سيكون هو الأكثر تضررا في سياسات توزيع الغنائم الثقافية، ليس لأنه من “العامّة” من أصحاب الهامش فقط، بل لأنه الأقل توصيفا لسلطة “الخاصّة” ولأعطياتِها وسردياتها وأوهامها، فهذا المثقف المُستلَب والواقف عند الحافات لا يملك أيّ شرعةً لصناعة السلطة الضد أو حتى الذاكرة الضد، وهو يرى أحلامه الثقافية وقد تبددت أو تحوّلت إلى بعضٍ من الأضحيات وسط طقوس توزيع الغنائم الثقافية، تلك الغنائمَ التي يحظى بها الأقوياء من دكتاتوريين وعرّابين وحزبيين وثوار قدامى وجدد، أولئك الذين يتوهمون دائما بأنهم المالكون الوحيدون للحقِ الشرعي باستئثار حقِّ الغنيمة واستخدامها، بوصفها جزءا من “لزوميات” الحق السياسي والأيديولوجي والحق المالي طبعا! وربما فرض شروط ومقاييس للحصص والامتيازات لكي لا يتوهم أحدٌ من الرعية بأنّ حقوقه الشرعية قد انتهِكتْ!

المثقفُ العربي -خارج الثوراتِ وحتى داخلها- ظل هو الكائنُ المتروكُ للعزلة وللعطالة، وكلُّ الأحاديثِ عن تسليحِه الرمزي والإجرائي لا تعدو سوى دعوةٍ للانخراط في مطبخ السلطة الذي تملكه الجماعة المسؤولةِ عن امتلاك وتوزيع الغنائم.. وأحيانا توريطه بغوايةِ اللعبةِ القديمة، لعبة العصاب بوصفها التطهيري والمتعالي، حيث صورة المثقفِ الفحلِ أو بوقِ القبيلة أو قارئ الصحف لأميّيها أو رمزا لفقيهها الأعمى أو صاحب الطربوش والأفندي في سياقها المديني.

ما يجري الآن هو ترسيمٌ آخر لحدودِ توزيعِ تلك الغنائم، إذ يُعاد تغييبُ المعنى وإحضار الصوت وتصعيد الظاهر مقابل إخفاء الباطن في أنساقه المضمرة.. وبما يتسعُ لصناعة المزيد من النقائضِ الضاغطة التي تفرض وجودها على الحضور، وعلى عطالة الاجتهاد والتأويل وعلى تأثيم الخروج على سلطة الغنيمةِ، وربما الإعلان الفاضح عن طبيعة هذه الغنائم الثقافية لكي تتبدّى بوصفها نصوصا ومؤسسات وحقوقا زاحفة، وبالتالي وضع حدود “شرعية” أو دعوية للعمل، مقابل تحريم أيّ فائض للمعنى، وبما لا يسمح للتجاوز في صناعة الرسالة والفكرة وما هو ظاهر في المعنى، إذ لا مجال لأيّ نفّريّ أو حلاجٍ أو صوفي أو هرطوق مارق يمكنه العبور خارج حدود هذا الترسيم القهري ولا حتى لأيّ “صعلوك” يمكنه التفكير أو النطّ خارج السور العصابي للأمة أو الجماعة.

وسط هذا “المايجري” نلوذ بأحلامنا، وربما نلوذ بوعي قديم -تنويري أو إصلاحي- كنّا قد اختزناه لسنوات عجاف بوصفه إرثا لقوة افتراضية تدعو لحماية الوعي المنتهك ولصيانة الأرواح المباحة لخرابات دائمة الوقوع.

هذا “الالتياذ” لا يُشبع من جوعٍ أو يُغني عن فقر، إذ يكتفي -فقط- بأنْ يكون قناعا للبقاء أو لوهم الحماية أو لممارسة بعض طقوس الاحتجاج أو لصناعة ما هو مضاد، أو ربما لمواجهة التاريخ القهري القائم على فتوى تكديس الغنائم ومواجهة ثقافة الأقوياء والمحاربين والفقهاء والحزبيين، أولئك الذين اشتروا المعارك قبل أنْ تقع والقوافل قبل أنْ ترحل، لأنّ الشرط المرجعي والتجاري والتسويقي للغنيمة يفترض تأمين الفرصة والبضاعة والسوق والمستهلك.

مستهلكو ثقافة الغنائم يتسعون بطريقة عجيبة ويتكاثرون مثل الأمبيبيا، يمارسون طقوسهم في المحو والتكفير والتهجير والغلوّ، وربما يضعون هذه الثقافة بوصفها تعبيرا عن فكرة السطو والغلو والانتصار، وإماتة العدو الافتراضي، العدو الكافر والزنديق والمارق والخارج عن الأمة والملة.

إزاء هذه الصورة العدمية، هل يعني أننا سنظل نعيش لعبةَ الخضوع القهري لمهيمنات سلطة توزيع الغنائم؟ وهل يعني أنَّ المثقف المعزول والخارج عن معارك السوق والشرف والمقدس سيظلُّ يلعق جراحَه دائما؟ وهل سيكتفي باستمنائه الداخلي والتلذذ بوظيفة المتفرج النرسيسي على موته في المرآة أو في البئر؟

لا أريد أنْ أكون ناصحا إزاء هذه الأسئلة، لأنّ النصيحةَ ستبدو نوعا من السخرية، لكنّي أدعو للمواجهة ولتحويل وظيفة الوعي من الفرجة إلى الاستعمال، ومن الاكتفاء بلذةِ الصورة في المرآة إلى تهشيمِ تلك المرآة والى فضحِ سياسية الغنائم، والدعوة إلى هيكلة السوق والتكية والزاوية برمتها، وإعادة إنتاج “سرديات” الشارع والمقهى والمؤسسة والمعنى بطريقة أخرى، طريقة تقوم على تجريف الصمت، وعلى الإبانة عن المقاصد كما يقول علماء البلاغة، أي المقاصد الموجودة في الوعي، وعلى اعتماد ثقافة التحويل، أي تحويلها في سياق تأهيل الوظائف والممارسة، وإلى تخليص الثقافة من وهم مجاورة العطب إلى استكناهِ أسبابه وإلى الشروع بصناعة حشدٍ آخر لا يصعد في مركب رامبو السكران، بل في سيارة السيد “رومونيغه”، إذ هو الرهان على السرعة والوضوح عند الرحلة القادمة، رحلة مواجهة أصحاب الغنائم وعصابها، وأنْ يلبس المثقف ثياب العدائين لكي يعرف أنَّ الطرق ليست متاهة دائما.


كاتب من العراق