كوابيس بغداد ودمشق

الكاتب البريطاني هنري نايلور يحاول اكتشاف عوالم الرعب والموت في ثلاث مسرحيات

الجديد  عمار المأمون [نُشر في 01/08/2017، العدد: 31، ص(44)]

تشكل الصراعات في الشرق الأوسط الآن مصدر إلهامٍ للعديد من الكتّاب والفنانين، سواء كانوا من المنطقة أو لا، فالأنظمة القمعية و التوحش الإرهابي الذي يجابهه سكان المنطقة يومياً يشكّل وصمة عار في ضمير الإنسانية لا يمكن أن تمحى، فالتراجيديا التي تعيشها تلك الجغرافيات بمعانيها الفنيّة والإنسانية تكشف أمامنا وضعيات جديدة للكائن البشريّ بمواجهة الآخر، سواء كان فكرة أو بشرا أو مؤسسة، لتتجلّى التراجيديا لحظتها بوصفها خللا في نظام العالم، هي الانعطافة التي تكشف وحشية الأنظمة التي نخضع لها والتي تتعارك تاركة إيّانا ضحايا لحسابات تتمّ تصفيتها.

عُرف الممثل والكاتب المسرحي البريطاني هنري نايلور كونه كاتب كوميديا وساتير ونال شهرة واسعة إثر ذلك، وخصوصاً بأدائه إلى جانب الممثل البريطاني الشهير روين أتكينسون، عام 2014 انتقل نايلور إلى كتابة التراجيديا، حيث قدم منذ عام 2014 ثلاثة نصوص مسرحيّة عمّا يحدث في سوريا والعراق، ونالت هذه النصوص حين عرضت على الخشبة شهرة جماهيّرية واسعة في بريطانيا، الثلاثية المسرحيّة صدرت هذا العام بعنوان “كوابيس عربيّة” (Arabian nightmares)، لنقرأ ثلاثة نصوص وهي “الجامع، أصداء، ملاك” وكل منها من فصل واحد وتدور أحداثها بين سوريا والعراق على فترات متباعدة منذ الغزو الأميركي للعراق حتى الآن، وفيها يحاول نايلور اكتشاف معالم الوحشية التي تدور في المنطقة سواء على الصعيد الفكري أو الجسدي.

النصوص الثلاثة تشترك بأنها قائمة على السرد الشفوي، شخصيات تقف على الخشبة وتحكي لنا ما مرّ معها وما شهدته، وصيغة السرد هذه تتضح من العنوان، فهو يقارب الاسم الإنكليزي لألف ليلة وليلة (Arabian nights)، كما أن “المرأة” التي “تروي” هي محور النصوص الثلاثة، إذ يشير الكاتب صراحة في النص الأول أن البطلة كشهرزاد تحدثنا عمّا شهدته، هذا التبني للصيغة الشهرزادية وصيغة الضحية يعتبر مقدمة للقراءة الاستشراقيّة التي تقدمها النصوص لما يمرّ في المنطقة، ضمن صيغة تراجيديّة تجعل عناصر الصراع والعنف أصلاً جوهرياً في المنطقة، مكرّسة أشكال التعميمات الاستشراقيّة المتعلقة بالمرأة والجنس والعنف، وراسمة علاقات التمايز بين الشرق السحري الذي يختزن العنف والغرب الأبيض الفاتح الديمقراطي، وبالرغم من توجيه الانتقادات للطرفين إلا أن النصوص تعكس عدم التوازن بين العالمين والوحشيّة الحاضر في الشرق بوصفها نتاجا عن عيب تراجيدي في الشرق الأوسط، حالها كحال أيّ خطاب ليبرالي يحاول تفسير ما يحدث، و القراءة الثقافيّة لهذه النصوص تتيح لنا التعرف على علاقات القوة التي تفترضها النصوص لمقاربة الرؤية الاستشراقيّة التي تختزنها.

دماء على إيقاع موسيقى الراب

النص الأول بعنوان “الجامع″ (The colector) عرض لأول مرة عام 2014، وفيه حكاية ترويها ثلاث شخصيات مباشرة للجمهور في علاقة مواجهة معهم، إذ نستمع لزويا الفتاة العراقية الشابة وكاسبر الضابط الأميركي وفورستر المحققة الأميركيّة الشابّة، تدور أحداث المسرحية إبان الغزو الأميركي للعراق، وفيها تروي لنا الشخصيات حكاية ناصر الشاب الذي يحب موسيقى الراب ويعمل مترجماً مع الأميركان والتحولات والتهديدات التي خضع لها لينتهي به الأمر كخائن بعيون مواطنيه، ليقوم بعدها بالتعاون مع أحد رجالات النظام السابق بقتل بعض الجنود في القاعدة الأميركيّة من ضمنهم فوستر، وذلك قبل أن يقتله كاسبر. تصرف ناصر هذا يأتي بعدما شهد عمليات التعذيب والتحرش الجنسي ضد العراقيين في السجون الأميركيّة والتي لم يحاسب عليها أحد، إلى جانب فشله بالحصول على اللجوء في أميركا.

ترسم المسرحيّة من وجهة نظر استشراقيّة ملامح العنف في المنطقة، بوصفه أصيلاً وقديماً قدم تاريخها، أما أميركا المحررة فهي التي ستجلب الديمقراطية للمكان، فهي موجودة قبل الغزو عبر الموسيقى والمنتجات الثقافيّة، وحتى حين قام ناصر بالقتل، فهو لم يقتل “أميركا” بل قتل أناساً سيئين، فأميركا ليست مجرد أشخاص هي فكرة لا تموت عن الحرية والعدالة، بل و يرى نفسه أميركياً أكثر من الجنود أنفسهم. تحضر في النص أيضاً بنى الهيمنة على المرأة وتقنيات التأنيث التي تطبق على أيّ “أنثى” سواء عراقية أم غيرها، فزويا تتحول لخادمة لتنجو بحياتها، أما فوستر فتتورط بعلاقة جنسية مع الضابط كاسبر وتبقى محط الإهانات والسخرية كونها أنثى، هذا التأنيث يتجلّى كدور اجتماعي يمارس عبر فعل جسدي أيضاً سواء على الذكور أو الإناث، عبر تقنيات التعذيب التي يستخدمها الجنود الأميركان ضد العراقيين، فهذه الاستفادة من وضعية المرأة الدونيّة في المنطقة تبرز بصورتها القمعية التي يمارسها الاحتلال الأميركي لكسر شوكة العربي وإهانته على حد تعبيرهم.

رجال الشرق السحري

النص الثاني بعنوان ” أصداء” (Echos) عرض للمرة الأولى عام 2015، وفيه تروي فتاتان في السابعة عشرة من العمر حكايتهما، فسميرة فتاة بريطانية مسلمة وتيلي التي تنتمي للحقبة الفيكتورية، وكلاهما تعيشان في بلدة إبسويتش النائية مع اختلاف زمني بين الحكايتين، فكلاهما تبحثان عن وسيلة لإتمام واجب أخلاقي في حياتهما وتسعيان لتحقيقه، فسميرة تقرر الذهاب إلى الرقة للزواج من مجاهد لقتال “الكفار”، في حين أن تيلي تتزوج من قائد عسكري وتذهب معه إلى أفغانستان لأداء واجبها كزوجة.

الفتاتان مسحورتان بذاك الذّكر البعيد في أرض العنف ولمشرق العجائبيّة، وترحلان لتأدية الواجب كـ”إناث”، لكن “هناك”، تكتشف الاثنتان أن النساء لسن إلا متاعاً وأشبه بعبيد وإكسسوار للذكر يمكن استبدالهما بأيّ لحظة، كأنهما دخلتا مساحات الحريم الجغرافيّة لينطبق عليهما ما ينطبق على الأخريات، إذ تتحول كل منهما إلى جارية لزوجها بصورة ما. هناك أيضاً تلتقي كل منهما النساء المعذبات والمقهورات، سواء الأسرى الإيزيديات لدى داعش أو النساء المحليات اللائي يتعرضن للاغتصاب بصورة دوريّة على يد المستعمر البريطاني، فالنص يحيل إلى السياسات الحيوية والجنسية الممارسة في المنطقة التي ترى في المرأة وسيلة للتكاثر والمتعة للمقاتلين/الذكور، إذ يقع عليها واجب بيولوجي تقننّه الأنظمة الاستعمارية والقمعيّة والإرهابية يجعل من المرأة لحماً صالحاً فقط للتكاثر والمتعة المقننّة، أما دورها الاجتماعي فمستلب لصالح الوظيفة التكاثريّة بصيغتها السياسيّة، والنص يقدم ذلك بوصفه مرتبطاً بالصيغة الذكوريّة المهيمنة من جهة وسياسات الشرق القضيبيّة من جهة أخرى.

يحضر الجنس في النص بصورته الوحشية بوصفه وسيلة قمعيّة، فالنساء يتم التعامل معهن بصيغة أداتيّة، لا يهم من أين أتين، فبمجرد دخولهن في نطاق “الشرق” ومؤسساته حتى يدخلن ضمن الدور الاجتماعي المفروض عليهن، وأيّ محاولات للتغيير أو حتى العودة ستنتهي بالموت، وكأن صيغة الحريم هي ليست ثقافية فقط، بل مؤسساتية ومقوننة بحيث لا يمكن الفكاك منها.

إثر العنف الذي تعرضت لهم كل من الفتاتين تلجأن نهاية إلى صيغة فدائيّة للخلاص، فتيلي تقتل زوجها وتنتصر لسكان المكان “الغريب”/كابول، في حين أن سميرة وإثر فشلها بالهروب، تتعرى وتترك جسدها “العورة” أمام أعين رجال داعش في تحدٍ لمبادئهم، إذ ترى في نفسها شهيدة الأنوثة التي تنتصر لجسدها ضد الهيمنة الذكورية والمقدسة.

رحلة حماية الأشجار

يتناقص عدد الرواة إلى واحد في النص الثالث بعنوان “ملاك” (Angel)، فالعرض الذي أٌنتج للمرة الأولى عام 2016 بطلته ريانا، الفتاة الكردية التي تعيش في كوباني، والتي تريد أن تصبح محاميّة، إلا أنها كرديّة، وكأيّ منطق استشراقي يرسخ النص صورة الكرديات بوصفهن مقاتلات يحملن السلاح ويدافعن عن الأرض ولا يمكن لهنّ الفكاك من هذا الدور، فلا مكان لهنّ سوى القتال، السلطة الأبويّة الممارسة عليها تجبرها أن تترك المدرسة وتتدرب على القتال، وما إن تقترب داعش حتى تترك قافلة اللجوء وتعود لنجدة والدها، لتأسر وتنقل إلى الرقة حيث تزفّ إلى جهاديّ تهرب منه لاحقاً بعد محاولته اغتصابها.

ريانا ترفض القتل والتورط به، إلا أنّ ماكينة التراجيديا لا بد لها من أن تدفعها نهاية نحو الدور المصمم لها، تقف وراء رشاش مع مقاتلات الـ”واي بي جي” لتقتل كل من تراه من دواعش، وتبقي على الرصاصة الأخيرة لتقتل نفسها كي لا تكون غنيمة، إلا أنها تختار أن تكون أيضاً فدائيّة وتنتقم من أولئك الجهاديين، فلديهم اعتقاد أن من تقتله امرأة لن يدخل الجنة، إذ تقتل بآخر رصاصة لديها من يريد سبيها.

عناصر التراجيديا

تحضر في النصوص الثلاثة عناصر تدفع الحدث التراجيدي، هذه العناصر مرتبطة بالنظرة الاستشراقيّة للمنطقة من جهة، وللخطابات الإعلامية المتعلقة بها، سواء كانت من البروباغاندا العربية أو الغربية أو تلك التي تبثها التنظيمات الأصوليّة، هذه العناصر التراجيديّة تتمثل في ثلاثة محاور، الأول نراه يتمثل بالمركزية القضيبيّة وتقنيات التأنيث المتبعة ضد الأجساد والتي يبررها الدين ومكانة المرأة ضمنه، والعامل الثاني مرتبط بالعنف الذي يتّضح في النصوص الثلاثة بوصفه عاملاً جوهريا في تكوين المنطقة وهويّاتها ولا يمكن الفكاك منه كونه أثرٌ أصلٌ لا يمكن محوه، وأخيراً الغرائبيّة المرتبطة بهذا العالم الشرقّي والدهشة حيال ما يحصل فيه.

صحيح أن المسرحيات في الكثير من الأحيان توجه الانتقاد للأطراف المتصارعة سواء كانت من المنطقة أو خارجها كالمستعمرين الإنكليز والأميركيين، لكن نلاحظ أن لدى كل الشخصيات معرفة ضليعة بالثقافة الأميركية، بل واهتمام بها حدّ الهوس كحالة ناصر في النص الأول الذي يحلم بأن يصبح مغنّي راب، قد تكون في هذه مفارقة ساتيرية يقدمها الكاتب للجمهور الأجنبي، لكنها لا تبدو متماسكة بالنسبة إلى القارئ العربي ما يفتح باب التساؤلات على طبيعة هذا الآخر الأجنبي ورؤية الشرق له.

يتداخل في النصوص كل من الوثائقي والمتخيّل، والاختلاف أن المرجعيات الوثائقية عن الأحداث التي نقرأ عنها مرتبطة بالإعلام وتقنيات السرد المرتبطة بالاستهلاكي والجماهيري، وما تقوم به النصوص هو إعادة إنتاج لهذه المعلومات الخام وفق سرد مسرحي، مفعّلة عناصر التراجيدية ليطغى فيها الصراع البشري من جهة والعقائدي من جهة أخرى في سبيل التطهير لا الاستهلاك كما في الإعلام، هذه المقارنة على صعيد التقنية تدفعنا للتساؤل عن الحكايات التي ترسم عن المنطقة الآن، عن طبيعة الصراع والأطراف الفاعلة فيها وعلى أيّ منها تقع اللائمة، وخصوصاً أنه في المسرحيتين الثانية والثالثة التي تدور أحداثهما في سوريا لا ذكر للنظام السوري ولا حتى بإشارة ليبدو خارج المعادلة والصراع بأكمله.


كاتب من سوريا مقيم في باريس