لا طفل يُهمل بعد الآن

الجديد  أحمد خلف [نُشر في 01/08/2017، العدد: 31، ص(54)]

لوحة: ضياء العزاوي
قالت الفتاة ذات الصوت الرخيم:

- مام سوف أذهب مع صديقاتي إلى المول. هل توافقين؟

- اذهبي يا روح مام، احذري من الطريق، فهو ليس آمناً.

******

حين أطلقت عائلة جون كنيدي شعارها المعروف “لا طفل يُهمل بعد الآن”، على لسان تيد كنيدي، شقيق جون كنيدي الرئيس الأميركي المنتخب في ستينات القرن العشرين، كان آل بوش يرفعون عام 2001 شعار الحرب على الإرهاب، وقد بدأوا بغزو أفغانستان، ثم يليه احتلال العراق.

وقد باء الشعار الأول بنكسات ملحوظة، ولم ينل من تحقيق الأمنيات إلا النزر اليسير. في أيام ستينات القرن الماضي اتُّهم الرئيس جون كنيدي، شقيق تيد كنيدي، بعلاقة غير مسموح لها أن تدوم طويلا بالممثلة الشهيرة مارلين مونرو، ولم نكن نعلم من أمر مارلين مونرو شيئا صريحا، أعني نحن عشاقها آنذاك من الطلبة المفلسين.

كنا عادة نتجمع في ساحة المدرسة أو في زواياها ومنعطفاتها، ونتبادل صور أشهر الممثلات، بل أكثرهن جمالاً وإثارةً. وكانت مارلين في تلك السنوات الستينية في قمة فتوتها وحسن جمالها الأخاذ. وكان هناك من يتجرأ من الطلبة على أخذها معه إلى مخدعه ليقوم بما يمليه عليه عقله وخياله، وليس الأمر مقتصراً على مارلين وحدها في حيازتها من قبل الطلبة، بل كانت كوكبة من الفاتنات الجميلات: كيم نوفاك وبرجيت باردو وأفا كاردنر وأدري هابيرون وصوفيا لورين وغيرهن. والحق يقال عادة لم نكن نسمح للواحدة منهن أن تعقد صداقة حب أو علاقة جنسية مع أيّ رجل حتى لو كان رئيس الولايات المتحدة الأميركية. وكانت مارلين مونرو قد أسقطها عشرة طلبة من الصفوف المنتهية في غرامهم، وكنت واحدا منهم. أوقعناها في علاقات غرامية صاخبة معنا، وكان منا من هو مولع بغرامه للفاتنات الجميلات كمجبل ابن الحمرة، الذي ابتعت منه ثلاث صور لممثلات مصرية وفرنسية وأخرى أميركية، فكيف لها أن تنتقي جون كنيدي بدلا منا؟ وكان الولد المجنون مجبل ابن الحمرة (هذا هو لقبه وليس اسمه الحقيقي) يجمع عشرات الصور لممثلات ومغنيات وراقصات شرقيات وغربيات، وقد جعل من جمع الصور مهنة خاصة به يبيع الصورة الواحدة بعشرة فلوس، وكنا نشتري منه نحن الطلبة المهاليس أبناء الفقراء. والغريب أن مجبل ظل يحتفظ بصورة مدهشة لمارلين مونرو في أحد كتبه معزولة عن بقية الصور التي ينتقيها للبيع. وكان يصرّ على عدم بيع تلك الصورة المدهشة لمارلين مونرو. أما جورج بوش الابن فقد كتب كتابا عن سنوات رئاسته والحرب على أفغانستان واحتلال العراق “قرارات مصيرية”. وفيه حديث مسهب عن لورا زوجته التي لا يكف عن حشرها في الصغيرة والكبيرة. وحين سأل الرئيس بوش الجنرال تومي فرانكس، قائد القوات الأميركية في أفغانستان والعراق، إنه كان زميلا لزوجته لورا في المرحلة الإعدادية، أجابه الجنرال “لكن لا تقلق سيدي الرئيس لم أكن رفيقها أبدا”، ما فجر الضحك بينهما بوجود لورا طبعا.

تلك الأثناء، فوجئت بالهاتف الصغير يرن في غرفتي، ولما فتحت الخط جاءني الصوت متهكما:

- ما الذي يفعله السيد كاتب القصص الآن؟

- لا شيء سوى القراءة.

لم تكن نبرة الصوت غريبة عليّ، فقد تواردت إلى سمعي من قبل نبرة كهذه، ولكن متى وأين؟ ينبغي شحذ الذاكرة لكي أستعيدها. بدت نبرة لعوبا ولها مقدرة التلون وتبديل المسار من وإلى. بذلت جهداً كبيراً في أن أستعيد ولو نأمة مما عرفته عن صاحبة الصوت، لكن دون جدوى!

مرة أخرى :

- ما اسم الكتاب الذي بين يدي كاتبنا؟

- مذكرات جورج بوش الابن.

- آه ، قرارات مصيرية؟ أليس كذلك؟

- نعم، هو الكتاب عينه.

- لا تصدق كل ما جاء في صفحاته، ستراه يغص بالذرائع والتلفيق.

كثيرة المرات التي يصادفني فيها عارض غير متوقع خلال العمل على كتابة قصة أو مقال، كأن يدس أحدهم أنفه بالمصادفة المزعجة لينهي مشروع كتابة القصة أو المقال.

ترى ما الذي ترمي إليه صاحبة الصوت الماكر؟

- لم أنته من قراءة الكتاب بعد، لذا من الصعب أن أصدر أحكاما قطعية بشأنه.

- لكنك تستطيع التأكد من ذلك بنفسك.

- لا أستطيع ما لم أنته من قراءته.

- يمكنك أن تعرف أنها كلها خصومة شخصية.

كنت أتصفح كتاب بوش الابن بنوع من الاهتمام. مضت فترة ليست بالقصيرة لم أقرأ خلالها كتابا على غراره، فقد وجدته في بعض الصفحات جادا جدا وتغلب عليه صفة الإصرار على إنجاز الأعمال المصيرية (الحرب مثلا). أما البعض الآخر من صفحاته فقد كان فيها بوش الابن مجرد رجل مهموم بتبرير الحرب على من أسماهم دول الشر، ولم تكن التسميات الجاهزة تعنيني كثيرا لأن التسمية هذه يمكن أن تشمل دولا أخرى إذا شاء أن يزيد العدد، ما دام قد انتُخب رئيسا جديدا وبيده الحل والعقد، ولا ينكر درجة الصدق في الكتاب عندما يتعرض المؤلف إلى مناحي بيتية أو أسرية أو شخصية، فهو لا يتوانى عن قول الصدق بجدارة، لكن ما تجنب بوش ذكره في كتابه المهم ما حصل بين جون كنيدي والممثلة الشهيرة مارلين مونرو في تلك السنوات، وهو غير معنيّ بهذا الامر تماما، ولكنني أردت إثراء قصتي هذه بما أعرفه عن كنيدي ومونرو وما لا يتذكره بوش (ربما) عنهما معا. كنيدي كان رجلا عاطفيا خلاف شخصية بوش الابن، الذي كان صارما وقاسيا جدا. أليس كذلك يا جورج؟

حين شاهدها أول مرة، في حفل خاص لكبار الشخصيات البارزة في المجتمع الأميركي، في الحقيقة كان رأسه مشغولا بأزمة جزيرة الخنازير، وجنون فيديل كاسترو في تدمير الدكتاتوريات في دول أميركا اللاتينية، ومع هذا تقدم كنيدي بطريقة مهذبة ووقف أمام الفاتنة مارلين مونرو بكل جنتلمانية صادقة: آه أنا سعيد حقا بوجود الجمال الأميركي الباهر سيدة مونرو.

قالت مونرو: آه ، أنا لست سعيدة بوجود رأس الحكومة هنا.

انفجر الحضور القريب منهما بالضحك المدوّي، لم تكن جاكلين كنيدي من بين الحاضرين، فقد طلبت من زوجها الاعتذار عن عدم الحضور لانشغالها في احتفال لإحدى الجمعيات الخيرية المسماة “لا طفل يُهمل بعد الآن”، وعلى عادتها المعروفة للجميع، ارتدت جاكلين أجمل ما يناسب الاحتفال الخيري، بحيث بدت تستحق لقب جاكي الذي يناديها به زوجها، جاكي، وهي تسمية تروق لكاتب القصص استخدامها في نصوصه لأنها ستزيد الشحنة العاطفية مقدارا معقولا من التشويق الضروري للقصص التي تكتب عن الملوك والسلاطين، لا القصص التي أوصى بكتابتها الإنكليزي الأصل هنري جيمس “خمسة ملايين طريقة لكتابة قصة واحدة”، بل على طريقة بول أوستر مجنون الميتا سرد كل شيء يمكن أن يتهدم بين أيدينا، ولكننا مجبولون على البناء ثانية. ستكون الحكايات متداخلة دون أن نصاب بالملل من ثرثرة الحكواتي الذي لا يمل من سرد القصص الملفقة علينا. بالطبع لا أقصد القصص ذات البعد الرومانسي الذي يجذب بعباراته المنمقة الرؤساء والمسؤولين بحسن البيان واللغة الرشيقة، لا أعني هذا النمط من الكتابات قط، إنما ما أعنية تلك القصص التي نجد أنفسنا فيها كأننا نحن صناعها.

ارتدت جاكي أجمل ما تظنه سيحول أنظار جمهور الحفل إليها، ولو شاهدها كنيدي في آخر لحظة أتمت فيها زينتها لانبهر بها تماما، ولن يتقدم من مارلين مونرو في تلك اللحظة التي استطاع أن يجعلها تميل إليه كثيرا، واقترحت علية أن يحدد لها موعدا غراميا خاصا، فهي تهتم به وتميل لشخصه الجذاب، وطلبت منه أن يكون اللقاء خاصا وسريا جدا. ذلك الموعد الغرامي هو الذي سيحدد مصير كنيدي تماما. وقد أشارت إليه بعض الكتب ولم يذكره جورج بوش الابن في كتابه حين تحدث عن لقائه بتيد كنيدي شقيق جون، في لقاء خاص بينهما مع زوجتيهما حول مشروع آل كنيدي “لا طفل يُهمل بعد الآن”. وهذا ما أثار انتباهي حقا! أعرف أن كنيدي كان عاطفيا جدا، وقد أبهرته مارلين في حفلة العشاء تلك، والتي أُقيمت على شرفه في واشنطن، إلا أن تكهنات كثيرة أشارت إلى أنهما، ومن ذلك اليوم أصبحا عاشقين لا يستطيع الواحد منهما التخلي عن الآخر، فقد تمكنا من تحديد اللقاء الثاني في منزل بعيد عن أعين الفضوليين الذين يمكن أن يجعلوا من سيرة الرئيس على كل لسان، حتى أن التنصّت على الفيلا أثبت بأن الرئيس كينيدي كان يعاني من فكرة الطلاق من جاكي، والزواج من مارلين مونرو التي كانت تطلب منه الزواج حتى لو ترك البيت الأبيض، وحتى لو كلفه كل شيء وترك الرئاسة، وكانت مستعدة لأن تترك التمثيل والفن، وأن تمضي حياتها معه خارج الزمن. والحق لم تكن جاكي أقل جمالا من مارلين، وإن كان لها الكثير من الهفوات الانتقامية من زوجهاز ولقد ذكرت بعض الصحف والدساتير المعلنة على الملأ: أنها أقامت أكثر من علاقة سرية مع أشخاص معروفين، وغمزت بعض المطبوعات محدودة الانتشار إلى وجود علاقة انتقامية عملتها جاكي مع تيد كنيدي عندما كان الأخير في العشرين من عمره، و تيد هو صاحب مشروع “لا طفل يهمل بعد الآن”، يمكن لنا تجاوز عشاق جاكي لأنها ليست هي القضية التي نرمي إليها، ونحن نعلم أن “النفس أمارة بالسوء”. والعبارة تعنيني لا تعني جون كنيدي، الذي تعلق قلبه بامرأتين مدهشتي الجمال، فكيف إذا صرع الواحد منّا حب من هذا النوع، وعلى شاكلة التعويض عن خسارات معروفة لنا هنا، نحن أبناء شرق الأرض. لا شك أن صراعا دراميا سينشب بين أضلعنا، وسيمتلئ القلب بمزيد من التساؤلات عمن سنختار، ومن يريد القلب أن يصطفي. أنا شخصيا لم أقع بحبٍ من هذا النوع، وما عرفت لوعة الملتاع، ولا مرت بي نار الوجد، تلك النار الحامية التي خصها الشعراء بفيضٍ من القصائد منذ امرئ القيس وجميل بثينة حتى اليوم، حيث قصائد نزار قباني تُغنّى الآن بأجمل الأصوات، وهي تتحدث عن لحظة الصراع بين الحبيب وبين المحب. غير أني وجدت جورج بوش قد تعلق قلبه بلورا أكثر من كنيدي، وحبه لجاكلين، ولكن الحب أعمى كما يقال عندنا هنا في أرض الشرق “الطاهرة المقدسة!”، بل قل إني استنتجت أن آل بوش أكثر حبا وحرصا على زوجاتهم من آل كنيدي الذين شابت الشوائب سمعتهم بلا رحمة. كان عليه أن يحسم أمر جزيرة الخنازير وألاّ يعرّض كرامة البلاد إلى الإساءة أمام العالم الذي بدأ يحسب لبلاده حسابا، ومع هذا لم يستطع التخلص من حضور جمال مارلين مونرو المهيمن على قلبه الرقيق “….. بعد بضع دقائق بدأ المزاج بالتحول، قال لي إطفائي: إن مركزه فقد عددا من الرجال حاولت أن أهدئ باله، ولكن هذا لم يكن ما يريد، نظر في عيني مباشرة وقال: يا جورج ابحث عن هؤلاء الأوغاد الذين فعلوا هذا واقتلهم. نادرا ما ينادي الناس الرئيس باسمه الصغير، ولكن لم يكن عندي مشكلة في هذه القضية، كانت المسألة شخصية”. كان اللقاء الثاني بطلب منها في أبعد بيت سريّ وفي جزيرة منعزلة، لكن لا شيء يستمر بالتستر أو الاختباء عن العين الساهرة. يا لبؤس الرؤساء حين يظنون أنهم يرتدون طاقية الإخفاء، مع أن كنيدي لم يكن مهتما بمسألة الفضائح بسبب ما تركه حب مارلين في قلبه من وجد ومحبة. مارلين اغتيلت في عام 1962، وطبعا خضع موتها إلى تكهنات الصحافة والشخصيات القريبة من القرار والتي يهمها سمعة الطبقة الحاكمة في أميركا، وقيل إنها دفعت نفسها إلى الموت، أي هي التي انتحرت. ومهما يكن من نتيجة الموت أو الانتحار فإن غيابها الأبدي سبّب صدمة مروّعة لعشاقها ومجبل ابن الحمرة أحدهم، ولقد عاقبه معلم الرياضيات عندما شاهد صورتها بين دفتي الكتاب. انبهر أول الأمر ثم قطّب حاجبيه وقال يخاطبه:

- صورة من هذه يا ولد؟

- إنها مارلين مونرو يا أستاذ.

- وماذا تفعل لديك في كتاب الرياضيات؟

ثم أردف:

- هل أنت مجنون؟

- كلا، بل عاقل، إنها صديقتي أستاذ.

عندئذ ضج الصف بالضحك المدوي. التفت المعلم إلى ابن الحمرة، وقال بصوت غاضب تماما:

- هيا اترك الفصل يا معتوه، هيا غادر مكانك.

ماتت مارلين مونرو ليبقى المتيم وحيدا يجر أذيال الخيبة حتى 1963، حيث ألحق بها بعد عام من موتها، رحل كنيدي اغتيالا وليس موتا عاديا.

ترى ماذا يقال عادة عن أحداث من هذا النوع؟ مع أن السؤال الذي يفرض نفسه علينا: هل تصلح هذه الأفعال لتصبح جزءا من قصة قصيرة تحت عنوان:

- لا طفل يُهمل بعد الآن؟

- ولكن كم من الأطفال أهملوا من قبل؟


كاتب من العراق

مقالات أخرى للكاتب:

  • اجتياز العتبة