براءة دمي

الجديد  حسب الله يحيى [نُشر في 01/08/2017، العدد: 31، ص(68)]

لوحة: ضياء العزاوي
عندما تلقيت رسالة التهديد بالقتل؛ كنت في ذلك الوقت بالذات أعمل في تهذيب وتشذيب النباتات في حديقة منزلي، وقد أثار انتباهي أن النباتات الطفيلية والبرية كانت قد انتشرت في مدة قصيرة على نطاق واسع.

جاءت رسالة التهديد تلك لتجعلني أمام مقارنة لا سبيل لي للخروج من حقيقتها المرة، حيث اقترن اتساع تلك النباتات غير السوية والمنتشرة بطريقة عشوائية، مع ما أنا عليه من القلق إزاء تلك الرسالة التي جعلتني حين تلقيتها أقف حائراً أمام ما ينبغي لي اتخاذه.

كان الأمر شديد الوطأة على أولادي، ولو كانت تلك الرسالة قد وجّهت لي مباشرة لكنت عالجت الموقف بطريقة فردية متأنية وقورة، خارجة عن الانفعال المفاجئ، وردة الفعل الحادة.

رسالة تلقاها أصغر أولادي، قرأها قبلي مراراً حتى حفظ ما ورد فيها، وما كانت به رغبة في إخباري بما ورد فيها. لذلك توجّه إلى أكبر إخوته سناً وحكى له حكاية التهديد بالقتل.

وانتشرت أنباء الرسالة بين أفراد العائلة انتشاراً سريعاً. كانت الرسالة أشبه بالنيران التي تلتهم كل شيء قريب منها. وفي الحال وجدت كلّ فرد من أفراد العائلة خافراً، على أهبة الاستعداد لاتخاذ أيّ قرار عاجل.

أجمعوا على رأي واحد:

- أترك العمل، لا عودة إلى العمل.

وجمعت حواسي كلها على احتواء الموقف. قلت:

- كما تريدون. سأظل كل الزمن أمامكم وجهاً لوجه.

وانصرفت لإعداد نفسي للوضع الجديد.

عدت إلى الحديقة، أتأمل الأشجار والنباتات، وما كان قد تفتح من الأزهار، كانت زهرة عباد الشمس تتجه نحو الشمس، فيما كنت أتجه إلى حواسي كلها، أبحث عن فرصة للانفلات من مأزق التهديد هذا.

كنت أعرف أنني لست من تلك النباتات الطارئة على الزمان والمكان. وكنت أعرف جيداً أن مثلي لا يرضخ لتهديد، ولا يستجيب لأمر لا يجد قناعةً فيه.

بحثت عن أخطائي، وفيما إذا كنت قد أسأت لأحد، أو أخذت حق أحد أو ماله أو شرفه. لم يكن هناك أحد ألحق به الضرّ أو اغتصب حقاً يعود إليه.

كان حقي في الحياة قد تعرّض للقتل من قبل مجهول، لم يعلن عن نفسه، وإنما وضعني في موقع الانتماء والعمالة والخضوع لأحد.

فتشت في كل خلية من خلايا دمي، لعلّي قد نسيت، أو اتجهت صوب أحد من دون انتباه ولا صواب ولا موقف!

لم يكن هناك أحد سوى حقيقة أن أكون شجرةً مثمرةً، أن أعمل بوصفي رجلاً مطلوباً منه أداء عمل، وقطاف ثمرة عمله أجراً متفقاً عليه في نهاية كل شهر.

ما كان طعم الثّمرة يعنيني، وما كانت الشجرة الباسقة همّي، وما كان مظهر الأغصان والأوراق يبهرني، وإنما كان كل ما يشغلني ويبرئ ساحتي جذوري، فهي حقيقتي وهي لوني وهي أفقي الذي أتنفّسه ثماراً أتقاضى عنه أجراً مقابل عرق جبيني.

لم يكن بوسعي أن أرتوي، وأعلو في الفضاء وأواجه الشمس، وأتناول غذائي من تراب هذه الحديقة، من دون أن أدرّ مقابل ذلك كله ثمراً.

ترى هل كان وفائي لذاتي وللآخرين خطأ ينبغي أن أحاسب عليه، ويقطف عنقي عن جسدي، لأنني كنت وفياً لجذور أخلاقي؟

ما كنت دغلاً في حديقتي، أو غباراً في مكتبة، أو لوحة جامدة على جدار، أو قطعة أثاث وُضع للتباهي.

ما كنت طعاماً فاسداً لمخلوق، ولا قرص دواء فات أوان الاستفادة منه لمريض.

ما كنت عاصفةً مغبرةً في عيون إنسان، وما كان الإنسان -أي إنسان- يشكّل ضداً لوجودي، وما كان وجودي يستأذن المحبة من أحد، وإنما كان هذا الأحد يدق أبواب روحي، فأحبه صادقاً.

ما كنت أطلب للوردة في الحديقة أن تعطّر المكان، وإنما كنت أحنو على الشتلة حتى تنمو في ظروف صحية حسنة.

كنت أعدّ الشتلة للشمس، وأغذّيها بتربة وسماء وماء وهواء وشمس وأنقذها من النباتات الطفيلية التي تريد أن تسرق منها عطر وردتها.

من هنا كانت الشتلة تكافئني بوردة معطرة كلما قدمت لها خدمةً تستحقها. وما أن يفتح الفجر جفنيه حتى يستبقني إلى الحديقة عطر تلك الشتلة التي باتت تباهي نفسها بالبهاء.

تأملت وردة الصباح تلك، وسألت نفسي:

- هل ينبغي لي قطف الوردة عن جسد الشتلة؟ هل هذا جزاء من بذل وأعطى وملأ الكون بالبِشر والحبور؟

لم أكن أريد أن أباهي نفسي أمام أولادي، فهم يمتلكون القدرة والشجاعة على إعطاء شهادة حقة بشأني، بوصفي والدهم وحكيم العائلة التي ننضوي جميعاً تحت لوائها.

كنت قد أعددتهم واحداً واحداً لأن يتعلموا نقد أنفسهم، ويعالجوا أخطاءهم بأنفسهم، قبل أن يدلّهم الآخر على تلك الأخطاء.

علّمتهم أن نقد عمل الآخر ليس انتقاصاً منه ولا النيل من قدراته. علّمتهم أن خطأ الكبير أكثر فداحةً ممن هو أقل عمراً أو تجربةً. لذلك حرصت على أن نتبادل النقد بيننا بطريقة صحيحة خالية من الكذب والنفاق والمجاملة.

وكذا الحال مع زملائي وزميلاتي في العمل.

لا أريد، من كل ما ذكرت، أن أقدم نفسي على أنني ابن الفضيلة ومشروع قانون النقاء، وأنني أملك بساطاً سحرياً يؤدي الى فجر الحقيقة ومهاد الصدق.

لا لم أكن كذلك، ولن أكونه أبداً، ولن أسيء إلى نفسي بمديح ذاتي. لن أفعلها وإن كان القتل المهدد به مصيري. فالموت مصير كل الكائنات، وما كان خلود الأشياء حقيقةً أزليةً أبداً. لكن من طبع الورقة البيضاء أن تباهي نفسها بالبياض الذي لا تشوبه شائبة، ومن طبع العافية أن تكون خضراء، ومن طبع الشمس أن تكون مشرقةً بهيةً.

لا أبرّئ نفسي أبداً، ولكن من حقي على “خصمي” أن أضعه أمام حقيقة روحي وصفاء قلبي وصحوة عقلي، وأمامه أن يخاصم الحقيقة والصفاء والصحوة بالتهديد الذي لا يسنده إلى نقطة في بحر إنسان مثلي.

له أن يطفئ سيجارته في بحر حقيقتي. وله أن يكتب رسالةً يقطف ما بعدها روحي. له أن يحوّل تلك السطور الحذرة إلى حقيقة شجاعة واضحة تدلني على أخطائي. حتى أعفيه من تلويث يديه بدمي. فأنا سأزهق روحاً زائفةً لم أكن أعرفها من قبل وقد دلّني عليها. وعندئذ سأشفى من براءة أدّعيها ونقاء وطيبة تتسع للجميع، أملكها وحـدي أكثر من كل من عرفتهم.

لن أغفر أخطائي. ولن أتستّر عليها، ولن أبرّئ نفسي منها أبداً، ولن ألقيها على أحد، ولن أطلب العفو ممن أسأت.

لن أفعلها، لأن فعلها اعتراف وذل وطبع سيئ لا أرتضيه لسواي فكيف أرتضيه لنفسي؟

سأرضى بالتهديد وترجمته إلى فعل دامٍ، إن كان ذلك يرضي قلب من كتب رسالة التهديد تلك وعقله ووجدانه وروحه.

سأغفر جنايته، سأحكم عليه بالبراءة لأنه بقتلي سيقتل البراءة بكامل صفاتها. وسأرتاح لأنّ روحي ستظل ترفرف في أحلامه. وسأظل ألاحقه وأنا ميت. فيما سأغفر له. لو أنه استعاد محاكمتي ومحاكمة نفسه عما ألحقه بي من ضرّ. وما كنت ضاراً بأحد. وما من أحد اشتكى من إنسان اسمه: حسب الله يحيى.


كاتب من العراق