زوجة الآمر

الجديد  صلاح زنكنة [نُشر في 01/08/2017، العدد: 31، ص(76)]

جاءني مراسل الأمر هاشاً باشاً وهو يخبرني بميوعته المعتادة:

- الآمر يريدك فوراً.

سألته مندهشا:

- يريدني أنا!؟

قال مؤكداً:

- نعم يريدك أنت… هيا معي.

أجبته:

- اذهب وسألحق بك.

ولحقت به، وأدخلني إلى ملجأ الآمر المحصّن.

أديت التحية العسكرية.

- نعم سيدي.

- تفضل بالجلوس.

قالها بمودة وبشاشة وهو المعروف بصرامته وصلافته

وخشونته.

- شكرا سيدي.

وجلست حذراً مما سيأمرني به.

سألني:

- أنت فنان؟

- نعم سيدي خريج الفنون الجميلة قسم التشكيل.

- تشكيل شنوووو؟

- الفنون التشكيلية سيدي، أعني الرسم والنحت والسيرامك

والزخرفة والخط ووو.

- فهمت، فهمت.

ثم سألني:

- هل تعرف تصبغ؟

فوجئت بسؤاله وأستدركت:

- الأصباغ والألوان هي من صميم دراستي وعملي سيدي.

- هل تجيد صبغ الجدران، البيوت؟

- نعم، بالتأكيد سيدي.

- حسناً سأمنحك إجازة طولية الأمد.

- أشكرك سيدي.

أخرج أنموذج إجازة من جيبه وخربش عليها.

- لا تشكرني، هذه إجازة لمدة أسبوعين.

كدت أطير فرحاً من هول المفاجأة.

رمقني بنظرة جانبية وأكمل كلامه:

- تذهب اليوم إلى بيتك وغداً استراحة وبعد غد تبدأ بصيغ

بيتي الجديد مباشرةً، وهذا هو العنوان.

ناولني قصاصة ورق دوّن فيها العنوان مع أنموذج الإجازة.

أجبته منتشياً:

- نعم سيدي أمرك.

ثم قال مهدداً:

- إن لم تكمل صبغ البيت سأسجنك وأنقلك إلى الحجابات، هل

فهمت؟

قلت طائعاً:

- نعم سيدي سأفعل.

ثم أمرني بالانصراف:

- اذهب الله معك.

وطرت إلى الديار على جناح اللهفة، وفي الموعد المحدد ذهبت

إلى بيت الآمر، الذي بدا فخماً ومن الطراز الحديث وقد بنيّ

توّاً. ضغطت بإصبعي على جرس الباب، بعد هنيهة فتح الباب

وإذ بفتاة عشرينية، سألتها مرتبكاً:

- عفوا.. هل هذا بيت الرائد حمدان؟

أجابت مؤكدةً:

- نعم.. نعم.

وأردفت:

- أكيد أنت الصباغ خالد.

أجبت باستحياء:

- نعم أنا الصباغ.

- تفضل بالدخول.

وشرعت الباب وصاحت:

- يمه جاء الصباغ الذي أرسله حمدان.

أول مرة أسمع اسم الآمر يُلفظ مجرّداً من لقب الرائد أو السيد

أمر الفوج. جاءت أمها، امرأة خمسينية، ورحبت بيّ وأدخلتني

البيت، وراحت الفتاة، أعني زوجة الأمر، تشرح لي الألوان التي

ترغب فيها لطلاء البيت، فيما راحت الأم تهيّئ لي الشاي.

- أريد لون الجدران الخارجية «تبني” مع خطوط وأقواس

خُضر، الهول وغرفة الضيوف أريد لونهما سمائيا، السقوف

بيض، غرفة النوم «بمبي”، هل تعرف اللون البمبي؟ بمبي بمبي

وأنا جنبك وأنت جنبي كما تغني سعاد حسني.

وأطلقت ضحكةً آسرةً، ثم قالت:

- لا تبدو صباغاً؟

قلت:

- أنا صباغ محترف درست الألوان وفن الطلاء في كلية الفنون.

واختلقت كذبةً بيضاء:

- لقد طليت معظم أرجاء القصر الجمهوري.

قالت:

- أها.. حلووو.. فنان وجندي في الجبهة والله حرام. وسألتني:

- اشلونه حمدان وياك بالجيش؟

قلت كاذباً:

- كُلّش زين، آمر ممتاز الله يطول عمره.

- سأجعله يمنحك إجازاتٍ طويلةً وينقلك إلى مكان مريح إذا

طليت البيت حسب مرامي ومزاجي.

- حاضر ست الحسن.

لا أدري كيف خرجت الجملة من فمي بعفوية، بيد أنها قهقهت:

- حلووووووة ست الحسن.. آني أمل، اسمي أمل.

- عاشت الأسامي ست أمل.

وأضفت كذبةً أخرى:

- غداً أجيء بمساعدي ونبدأ العمل على بركة الله.

ودعتني إلى الباب وهي تذكرني بالشاي:

- لقد نسيت أن تشرب شايك.

وأردفت:

- لا تنس الألوان الزاهية، لا أحب الألوان الكئيبة.

أومأت برأسي موافقاً:

- تدّللين ست أمل.

ذهبت مباشرةً إلى صديقي جلال الصباغ وضحكة أمل تلمع

في ذاكرتي، وأقنعته بأن يمثّل دور مساعدي في الطلاء وهو

الأسطة المعروف في طلاء البيوت والمحال التجارية. وبدأنا

العمل في اليوم التالي على قدم وساق وأمل تتلو تعليماتها

عليّ وأنا أتلوها على جلال الذي يأتمر صاغراً.. «حاضر أسطة”.

وكنت بمثابة الأسطة المحترف الذي لا يجيد سوى خلط

الألوان وجلال يقوم بالمهمة على أكمل وجه، وأمل تحلّق بخفة

ورشاقة في أرجاء البيت مثل فراشة وتعد الغداء بمعاونة أمها

التي استلطفتني كثيراً بكلامها، باديةً رضاها عن سير العمل:

- صدك أنت خوش ولد ابن حلال الله يحفظك لأهلك.

ضياء العزاوي

20 قصة من العراق

78 العدد 31 - أغسطس/ آب 79 2017

- الله يسلمك خالة.

بعد سبعة أيام من العمل المتواصل أكملنا الطلاء، لكنني

شعرت بالأسى في دخيلتي كوني سأفارق وجه أمل البشوش

وابتسامتها العذبة وغنجها اللذيذ. وتساءلت مع نفسي «أيعقل

أن تكون هذه الغزالة الوديعة زوجةً لذلك الخنزير الجلف

المسمّى رائد حمدان آمر فوج مغاوير لوائنا الذي كان يعدم

الأسرى دون سؤال أو جواب، ويرمي بجثثهم إلى العراء

لتنهشها الغربان”.

ودعتها وقلبي يكاد يقفز من بين ضلوعي ألماً وحسرةً، وهي

تعدني بمكافأة مجزية من زوجها حمدان حال التحاقي

بالجبهة. وعدت إلى البيت منهكاً ضجراً، ولم أنم ليلي كله وأنا

أستعيد طيفها وإطراءها لي:

- تعرف يا خالد أنت لا تشبه الجنود، أنيق ومهذب ومرتب حتى

كلامك يختلف عنهم.

- بماذا يختلف يا أمل؟

- بكل شيء، العسكر أجلاف.

تشجعت وسألتها:

- وماذا عن رائد حمدان؟

- أنت تعرفه أحسن مني، حمدان يابس خشن قاسي لكنه

زوجي.

قاطعتها:

- وأنا؟

ابتسمت بعذوبة:

- أنت كلك ذوق وترافة ولطافة.

سكتت برهةً وأضافت:

- والله يا خالد أحببتك منذ الوهلة الأولى.

وكاد يغمى عليّ من هذا البوح الساحر من امرأة ساحرة الجمال،

إلاّ أنها واصلت كلامها:

- لقد حسبتك أخاً لي مثل أخي سمير.

هكذا كلمتني في واحدة من حواراتنا التي تخللت العمل في

بيتها الجديد، ورحت أهيم بطلّتها التي تضفي لمسةً من الدفء

والحميمية على سير العمل في الأيام السبعة وكأنها دقائق سبع.

وفي اليوم الثامن زارني صاحبي شهاب عصراً وهو يحمل لي

خبر استشهاد الرائد حمدان بقذيفة سقطت على موضعه. كان

الخبر صاعقاً ومفرحاً بالنسبة إليّ، ولا أدري كيف سيكون وقعه

على أمل. أستأجرت سيارة تاكسي وذهبت إلى بيتها، تفاجأت

بزيارتي وهي تستفسر مستغربةً:

- مو على بعضك… صاير شي؟

قلت لها:

- ممكن أدخل؟

قالت:

- أمي غير موجودة.

ثم وافقت:

- ادخل أنت بمثابة أخي.

ولجت البيت وأنا كلي حيرة وارتباك، ثم جمعت قواي وقلت

لها:

- أمل.. لقد استشهد الرائد حمدان.

بهتت وجحظت عيناها، ثم تساءلت غير مصدقة:

- ماذا تقول!؟

- أنا آسف، آسف جداً، نعم استشهد.

وراحت تجهش بالبكاء، بالنحيب، ثم رفعت رأسها وقالت:

- لا أبكي عليه، أبكي على نفسي، أنا غير محظوظة، ثم أضافت:

- حمدان ليس زوجي.

قلت مندهشاً:

- كيف ليس زوجك؟

أجابت:

- زواجنا عرفي، أنا مجرد محظية له، جارية.

- وهذا البيت؟

- وعدني بتسجيله باسمي، وها أنت ترى المقادير تفعل فعلها.

تركتها وأنا لا أستوعب الموضوع برمته ووعدتها بزيارة قريبة.

قبل التحاقي بيوم زرتها ووجدتها كشجرة ذابلة، وعرضت

عليها الزواج، إلا أنها ابتسمت وقالت:

- خالد أنت ابن حلال وكل شيء قسمة ونصيب، ولا أعتقد أنني

سأكون من نصيبك. أنا امرأة غير محظوظة.

- أنت أجمل وأعظم امرأة يا أمل، في الإجازة القادمة سأعقد

عليك وأتزوجك.

هزت رأسها وكررت قولها:

- كل شي قسمة ونصيب.

قلت لها مؤكداً:

- أتمنى أن تكوني من نصيبي.

وحين ودعتها عند الباب همست لي:

- خالد… أحبك.

حسبت هذا البوح اعترافا وموافقةً مبدئيةً على طلبي. ولا

أدري كيف مرت الأيام والليالي خلال الشهر الذي قضيته

في الجبهة وهي لا تبارح تفكيري، وما إن عدت بإجازة حتى

حثثت الخطى إلى حيث أمل، لكنني وجدت يافطةً على الباب

تعلن أن «البيت للإيجار”. طوّح الإعلان بصوابي وزلزل كياني.

سألت هذا الجار وذاك الجار وتلك الجارة، لا أحد يعرف وجهتها

وكأنها «فص ملح وذاب في نهر”. لقد اختفت أمل إلى الأبد،

لكن حضورها الطاغي في وجداني ظل يقضّ مضجعي طوال

سنوات وسنوات ولا يزال.


كاتب من العراق

مقالات أخرى للكاتب:

  • ثلاث أقاصيص