بيت الروح

الجديد  عبدالستار البيضاني [نُشر في 01/08/2017، العدد: 31، ص(80)]

أرهقني أمر ترميم هذه الغرفة كثيرا. كلما هممت بتركها وأنا قادر على ذلك تذكرت أنها غرفتي!.. من هذه النافذة الواسعة المواجهة لشروق الشمس قال والدي إن القابلة أخرجته وناولته إلى جدي ليؤذّن في أذنه بعد ولادته بلحظات، ومن النافذة نفسها ناولتني خالتي له ليؤذن في أذني بعد ولادتي مباشرة، وأنا أيضا تسلمت ولدي البكر عبر هذه النافذة نفسها لأقبّله وأمنح القابلة إكرامية معتبرة. لذلك قرر والدي بعد تسلمه أول راتب من وظيفته الأولى كمعلم للأولاد تأطيرها بخشب السيسب النادر لأنها نافذتنا على الحياة، ما أعطاها هيبة تشبه هيبة وجلال شبابيك مراقد الأولياء.

يبدو أنني الوحيد مهموم بها، أما البقية من إخوتي وأبناء عمومتنا والغرباء فهم سعداء بهذه الثقوب والتعريات التي تصيب الجدران جراء التقادم وعوامل الطبيعة، ويأملون انهيارها بين لحظة وأخرى، ولكل منهم أسبابه، أبناء العمومة؛ لكي يتخلصوا من الشعور بالذنب الذي يولده لهم حرصي واهتمامي بها، أما الغرباء فسعادتهم تُحسب من باب الشماتة، فقد أخبرني أبي نقلا عن أجداده أن رؤساء العشائر وملاكي الأراضي التي تجاورنا كانوا غير سعيدين بهذه الغرفة التي كانت دائما محل تجمع السمار من وجهاء القوم والضيوف الذي يأتون من أماكن بعيدة لفض النزاعات، ومحط استراحة الرحل والجائعين والفلاحين العاملين في البساتين والأراضي المجاورة وصيادي الأسماك والحرفيين الذين يأتون من المدن البعيدة والعطارين الجوالين. روى أبي أنه شاهد فيها أثناء طفولته هنودا وعجما ومسقطيين وشركس وأرمنا وأتراكا وغجرا يبيعون العطور والتوابل والأقمشة والمساوك واللبان وصانعي الحلوى ومركّبي الأسنان الذهبية وفتاحي الفال والمنجمين وقراء المناقب النبوية والمقاتل الحسينية، وكان لكل من هؤلاء موسمه.. يأتون إلينا لأن هذه الغرفة هي الوحيدة في المنطقة التي تسعهم، وتسع كل الضيوف من سلالتنا والعوائل المجاورة.. كان أجدادي سعداء بذلك. سعداء بلمة الناس وحيوية الحياة حتى أن أحد أجدادي خصص مكانا للكتاتيب لتعليم الفلاحين القراءة الكتابة، الغريب أن جيراننا كانوا منزعجين من ذلك، ولا ندري لماذا؟ ربما سبب الانزعاج لأننا نعطي الفلاحين أهمية أكثر مما يستحقون، أو أنهم عدوا تعليم الفلاحين تحريض عليهم! وقد يكون السبب هو كبر الغرفة وجمال طراز بنائها؟ أو لأنها ذاع صيتها في الأفاق وسميت بيت الروح، حتى المنطقة سميت باسمها من قبل الأقدمين، وبات من المتعذر علينا تهديمها.

البعض من المتحاملين علينا، كما ينقل أبي عن أجداده، كان يعتبر قرار بنائها هو قرار غبي، لأنه فرط بمساحة كبيرة كان يمكن استغلالها بالزراعة أو تربية الحيوانات، لا بل هي تصلح كمعاصر للدبس أو السمسم، وقد طلب أحد الجيران استئجارها لهذا الغرض، لكنّ أيا من أفراد سلالتنا لم يوافق على ذلك، خاصة بعد أن قيل إن هذه الغرفة (مبخوتة) تسكنها روح أجدادنا، وهي روح الخير والمحبة. فقد تعرضت المنطقة للكثير من العواصف المطرية والهوائية والصواعق والفيضانات، وتهدمت الكثير من الغرف والبيوت وبقيت هي صامدة، فاعتقد الناس أنها بنيت بتوصية من أحد الأولياء الصالحين لجدنا! وهذا ما زاد في إغاظة الجيران بالرغم من أننا لم نغظهم يوما. كانوا يتابعون كل ما يحدث ويقال فيها ويحاولون تأويله، فقد صادف يوما أن التقى فيها، بدوي مستطرق يحمل ربابة، وتاجر أسماك من الهور، وحدث أن تباريا بالغناء.. البدوي يعزف على ربابته وابن الهور على فرك مسبحته وسط ابتهاج ودهشة الجميع، فأشاع خصومنا أن هذه الغرفة مأوى للفساد لأن الغناء حرام ويجب تهديمها، ودعوا الناس إلى تهديمها وإزالتها من الوجود خاصة بعد إن قل تعاضد أبناء سلالتنا وانشغالهم بأمور الدنيا وهجرة الكثير منهم واستثمار أموالهم بمدن بعيدة، وعندما فشلت الفكرة أشاعوا أن من يتحدثون بالدين أو يقيمون المناقب والمجالس فيها، هم من الزنادقة والجهلة الذين يسيئون للدين وأن إزالتها واجب شرعي، وفعلا تمكنوا من استمالة بعض البسطاء من الناس وحاولوا حرق الغرفة لكنها لم تشتعل! وبقي هذا الأمر حتى تطورت الدنيا وظهرت دوائر الطابو وحدود المدن، وبات كل واحد يعرف حقوقه في الأرض والمياه وحتى السماء، فسجلت باسمنا ولم يعد بمقدور أحد الادعاء بعائديتها له، لكننا لم نتخلص من ضغائنهم وأحقادهم التي بقوا يتوارثونها جيلا بعد جيل مثلما توارثنا نحن التمسك بها.

عندما ظهرت عوامل الزمن على جدران الغرفة لم أقلق عليها مادام السقف سليماً، خاصة وأنني أعرف حكاية بنائها الذي لا يشبه بناء أيّ غرفة في العالم؛ حيث يقال إن أحد أجدادنا الذي كان يملك هذه الأرض وهي بستان مترامي الأطراف كثيف الأشجار، طرأت في ذهنه فكرة غريبة، وهي أنه شد سعف عدد من النخلات العالية إلى بعضها وجعلها سقيفة كبيرة، سقفها سعف وجدرانها جذوع نخيل، كان يجمع فيها التمور في مواسم جنيها، وقد استلطفها الطواشون فراحوا يبيتون ويستريحون فيها، وأخذ هذا الجد، وهو البسيط المتسامح يلتقي العمال والطواشين والمحاسبين فيها ليخفف عنهم تعبهم، كان يستمع لحكاياتهم وطرائفهم عن قراهم البعيد ة التي قدموا منها، فأدمن عليها وجعلها مكانا لاستقبال التجار والسماسرة الذين يأتون من المدن لشراء أو ضمان المحاصيل الزراعية. ويبدو أنهم أيضا استلطفوا الفكرة الغريبة، فراحوا يكثرون عليه بالمقترحات لتطويرها؛ قطع رؤوس النخلات وربطها بأعمدة من خشب التوت في بادئ الأمر قبل أن يهديه أحد التجار أخشاب حمراء تشبه الحديد قيل إنه جاء بها من موانئ الهنود البعيدة، فأحكم سقفها الذي طلاه بالقار النقي الذي جيء به من عيون طبيعية تنبع في هيت بأعالي الفرات. بني السقف بطريقة مائلة بحيث لا تستقر عليه قطرة مطر واحدة، وتنزلق عليه أكبر عاصفة هوائية مهما بلغت قوتها، صفوف النخيل الذي تحول إلى أوتاد عالية متشبثة بالأرض، أخذت شكل المستطيل الذي هو شكل الغرفة الحالي، وبين صف النخيل الخارجي بني جدار من الطوب المداف بالتبن، وجُعل لها باب عال من الجهة المواجهة لمشرق الشمس، ونوافذ علوية دائرية ضيقة وأخرى سفلية مستطيلة. لا أحد يستطيع الجزم بنوع واحد من المواد التي بُنيت بها الغرفة ولا طريقة بنائها التي كانت تثير فضول كل من يزورها، فقد تلقى أجدادنا اللاحقون اقتراحات ومشورات ضيوفهم، وخاصة من التجار لتطويرها برحابة صدر، حتى يصح القول إن هذه الغرفة بُنيت بجهود أجيال متعاقبة، وخبرات أقوام تكاد لا تجد رابطا بينهم غير بنائها! فعملوا على استبدال وإضافة تطويرات جديدة على الجدران لزيادة قوتها؛ منهم من سند الجدران بمصاطب من خشب التوت وملأها بالطين وزينها بخشب أشجار القوق الأبيض أو الساج، ومنهم من فخر الطين على شكل مربعات عريضة ورصفها مع بعضها بالقار، وفي جوانب من الجدران استعمل مزيج الرماد والنوره لبناء الطين المفخور بمشورة تاجر جلود تركي، حيث يفوق في صلادته الإسمنت الذي يستعمل اليوم، وثمة صخور وأحجار من الكلس والمرمر جُلبت من الشمال مع أصدقاء أجدادي يمكن مشاهدتها في الأماكن التي تعرضت للتعري أو الثقوب.

هذه المعلومات المتناقلة تجعلني غير قادر على وضع إجابة لسؤال عن مواد بناء هذه الغرفة وبالتالي تعويض ما تفقده بالتعرية أو بفعل فاعل، فالجدران تتشكل من مجموعة مواد، تبدو متناقضة لكنها متراصة ما أثار استغراب أساتذة ابن عمي الذي درس الهندسة المعمارية في لندن، وقد تمنّى بعضهم زيارتها، ليس فقط لفحص ومعرفة متانة بنائها، وإنما للاطلاع على شكلها الذي لم يرد في مخيلة معمار أو بناء واحد.. فجذوع النخيل الوسطية بقيت مثل الدعامات التي ترفع السقف، وتقسم فضاء الغرفة إلى آواوين تشبه آواوين المساجد الكبيرة، ومن يرى هذه الأعمدة الآن من الصعب عليه معرفة إنها جذوع نخيل، فقد تحوّلت لشدة نعومتها ولمعانها وكأنها أعمدة رخامية.. على مدى عقود من الزمن طُليت بأنواع الزيوت والدهانات حتى تشرب بها وأعطاها قواما جديدا، وقيل إن تاجر عطور هندي اقترح على أحد أجدادنا حك هذه الجذوع بقطع أحجار خشنة لتكون ناعمة، وهو التاجر نفسه الذي طلب من جدي نحت بقايا نتوءات الكرب أو تعميقها وتحويلها إلى ما يشبه الأوراق الطالعة توا أو آذان متعددة، حتى سمّي هذا العمود الذي يقع في وسط الغرفة (عمود أبو أذان).. وربما كانت الاستعمالات المتعددة لهذه الأعمدة هي التي أعطتها هذا الملمس الناعم الذي من النادر أن تكون عليه جذوع النخيل؛ فقد علق عليها الطواشون أدواتهم من مناجل وتبليات وزنابيل عندما كانت مكان استراحتهم. وعندما استعملت للعائلة، عُلقت عليها جداتنا الأسماك والجلود وشدات الرمان والثوم وعثوق بعض أنواع التمور والزبيب لتجفيفها وحفظها لمواسم فقدانها، وقراب اللبن والزيت، وبعد أن استعملت مضيفا اتخذها الضيوف مشاجب لتعليق ملابسهم وأسلحتهم، كما عُلقت عليها مصابيح الأنارة الزيتية قبل أن تغمرنا الكهرباء برحمتها، فهي مثل أي جزء من الغرفة لها تاريخها الذي أوصلها إلى هذه الأبهة. وقد يكون قلقي وانفعالي من ترميم الغرفة هو لحماية هذه الأعمدة الجميلة التي لايصدق أحد أنها من جذوع النخيل! إذ يبدو لي أنه لايوجد غيرها في العالم. شعرت أن هذا الهم لعنة.. لو أن أحدا من أسلافي استجاب لمنطق التغيير وهدم الغرفة وخلصني من هذا الهم! فالبساتين الكثيفة تلاشت تدريجيا وقطعت أوصالها الشوارع والمدن وورش العمل، وبقيت غرفتنا أو بيت الروح كما تسميه الناس الآن على حاله، فأرضنا لم تعد بستانا، فقد تقاسمها الورثة على مدى أجيال وبنو فيها بيوتا، حتى أبي بنى أكثر من بيت حديث حول الغرفة، لكنه احتفط بهذه الغرفة التي لم يفصلها عن بيوت أبناء عمومتي وإخوتي سوى مسافات لا تتعدى عرض شارع فرعي. وعندما قرّر أبي توزيع الإرث بيننا وهو على قيد الحياة، اخترت أنا هذه الغرفة الكبيرة بدلا من البيوت الحديثة مع حديقة جانبية ملحقة بها. اخترتها وأنا قلق عليها. قلق لم أركن إليه تماما بالرغم من أنه بزغ في ضميري منذ طفولتي.

لا زلت أتذكر تلك الليلة، كما أتذكر شكل رجل الدين وهو يلقي مواعظه بطريقة أثارت الرعب والذعر في نفسي، وخاصة عندما تحدث عن (طوب أبو خزامة). سينتشر الظلم في الدنيا، ويشيع الفساد، والقويّ يأكل الضعيف، ويمارس الناس الزنا في الشوارع فوق الجثث التي صرعها الطاعون، وفي الخرائب التي تخلفها الفيضانات، وستسلب حتى أكفان الموتى إذ لا يجد العراة مايسترون به أنفسهم، ولا يجد الجياع ما يأكلونه، عندها ينهض (طوب أبو خزامة) ويحطم سلاسل الحديد التي تقيده انتقاما للفقراء ونصرة للحق. طبعا هذه السلاسل التي ترونها الآن تقيده في مدخل سوق الهرج المتجه إلى السراي، وضعها الظلام والفساق لكي لاينهض الطوب -وقد لاحظت الكبار يهزون رؤوسهم موافقين رجل الدين ومذكرين بعضهم البعض بسمك السلسلة- لكن الله أقوى من الظلمة، سينهض الطوب ويقطع قيوده ولشدة غضبه سيلتهم التراب بخزامته بعد أن يبعد الظلمة البارود عنه ويقذفه على بيوت الظلمة والفسقة والكفار فيهدها على رؤوسهم.. ويقال إنه سيواصل قذف حممه حتى يفني المدينة كلها التي تشرّب فيها الفساد والظلم، ولا يسلم من غضبه هذا سوى بيوت الله ومراقد الأولياء الصالحين الذين سينهضون من رقدتهم لإصلاح الدنيا. عندها شعرت أن شيئا ما يشكّني في قلبي، فندَّ منّي سؤال مفاجئ يشبه الصرخة “حتى هذه الغرفة؟”، فمسح على رأسي عمّ أبي الذي كنت أجلس إلى جانبه متكئا على الحائط وأجاب “كل شيء حتى هذه الغرفة”.

منذ تلك اللحظة والقلق يأكلني، ويكاد لا يمر يوم في حياتي من دون تخيل الشكل الذي سأرى فيه الغرفة وهي مهدمة! والذي أثار ذعري أكثر أن أول ثقب لاحظته في الجدار هو في المكان نفسه الذي كنت أتكئ عليه عندما استمعت إلى موعظة رجل الدين تلك؛ في البدء لم أنتبه إليه، فقد تركز انتباهي على تلك التقشرات التي أصابت الجدار، بدا لي الأمر طبيعيا بالنسبة إلى جدار غرفة قديمة لم يدرك تاريخ بنائها أحد من جيلنا أو الجيل الذي سبقنا، لكني لاحظت أن مكان التقشر بدا يتقعر بالتعري ويستدق في عمق الجدارعلى شكل مخروطي!

أبديت قلقي إلى أحد أبناء عمومتي فلم يكترث كثيرا وقال: ربما هي نوع من الطفيليات تعيش على الرطوبة في الأماكن القديمة، لذلك يجب معالجتها بالمبيدات. وبرغم علمي أن جدران غرفتي ليست رطبة، فقد طفت علي مختلف الصيدليات ومذاخر الأدوية والأسواق والعطارين بحثاً عن هذه المبيدات، وجلبت الكثير منها، المعلب، والمصنع، والمركب، والمغلف بالعلب الأجنبية، والمعبأ بالأكياس واللفات الورقية، لكنني لم أجد أثرا لذلك! فقد فوجئت فجر يوم ربيعي شهدت ليلته الكثير من العواصف والزوابع، أن مكان التعرّي يصدر صفيرا يعلوا تارة ويهبط تارة أخرى. في البدء لم يخطر في بالي أنه من مكان التعري نفسه! قرّبت أذني منه، كان يعلو ويهبط على إيقاع الريح الخارجية، دققت النظرفي عمق التعري المخروطي، فصعقت بوجود ثقب بحجم عين الذبابة يكابد مشقة الصمود أمام ضوء هائل يريد أن ينفذ منه، وبدا لي أن هذا الصفير هو عويل يستنجد بي لإنقاذه من هذا الدفق الذي يريد أن يوسعه بأكل حافات الجدار. لشدة قلقي ذهبت إلى عمّي وهو أكبر المتبقين من سلالتنا، ولا أدري إن كانت برودته التي قابلتي بها هي عدم مبالاة أو تهوين للأمر بعد أن شاهد ارتجافي القلق، حيث قال لي:

- هذا الثقب ربما كان مكان خرق رصاصة من معارك سابقة. فالكثير من خصومنا من العشائر والجندرمة وجنود الولاة أطلقوا الرصاص على هذه الغرفة العتيدة، وبخت أجدادنا كان يحميها، لكنه لم يمنع الرصاص من اختراقها. فكانوا يصلحون الثقوب بالطين أو الجص، وكما تعلم أن الذي يصلّح لا يعود مثل الأصل لذلك تأكله الريح!

انتبه عمّي إلى عدم قناعتي بما يقول، فقد كانت صورة الثقب تتسع في رأسي وأنا أفكر بالذي سأفعله حينئذ، فواصل حديثه:

- الناس تتحدث عن أكبر هجومين بالأسلحة النارية تعرضت له الغرفة، الأول عندما احتلها العثمانيون وجعلوها مركزا لجمع الناس وسوقهم إلى (السفربر)، والثاني عندما هاجمها الإنكليز في بداية الاحتلال بعد أن امتنع الناس عن بيعهم المواد الغذائية امتثالا لفتاوى المراجع الدينية، لكن الله حماها.. فلا تقلق يا بنيّ، أغلق الثقب بالنايلون وضع عليه إحدى قطع الأثاث وسينتهي كل شيء.

تمنيت لو أن والدي مازال حياً، لكان أعطاني حلا أفضل، فهو الأعلم والأحرص على تراث العائلة وحكاياتها من بين كل إخوته الذين أخذتهم مشاغل الدنيا، لكني مع ذلك نفذت ما اقترحه عليّ عمي، برغم عدم قناعتي به فوضعت قطعة نايلون ملوّن وركنت عليها صندوق السيسب الأسود الكبير المطعم بالمسامير الفضية والمغلق بأقفال ثقيلة مزخرفة!

لم تنته المشكلة! كل يوم أنتبه إلى تقشّرات جديدة في طبقات الأسمنت والجص والطين المداف بالتبن، وتفطرات بالحجر واللبن، فتزداد هواجسي، ويقلّ اهتمام عائلتي!

أعمامي وأبناء عمومتي يقولون إنها مجرد تغيرات في الألوان بفعل الزمن ولا مردّ لحكم الزمن، وأولادي لا يريدون استمرار الجدل معي فيقولون لي: “لكنها تكاد لا ترى ولاتؤثر”، فتترسخ قناعتي بوجودها. التقشرات تتعمق كلما تفحّصتها صباح كل يوم. ما إن يطلّ الفجر حتى ألقي بنظري الكليل في أعماقها، او أتلمّسها بأصابعي فأجد أنها تتقعربشكل مخروطي يشبه البوق المنحوت. ذات ليلة سمعت صوتا يشبه الصفير. صفير حزين جدا كأنه النواح الذي يحمل في طياته نذر الشؤم، رحت أمسح الجدران بأذني، استيقظت زوجتي، ولاحظتني أضع أذني على الجدران وأمشي ببطء جنبها، رفعت رأسها ومن ثم عادت تغط بنوم عميق من دون أن تكلمني، توقفت عند الصندوق الأسود، انقطع صوت الصفير، انتظرت قليلا متلمسا مسامير الصندوق التي صفت على شكل نسر فارشا جناحية في وضع تهيّؤ الانقضاض على فريسته، ومن ثم نزلت على مقبضه النحاسي العريض المزخرف بأشكال مثيرة، هززته وكأني أحاول فتحه، خرخش القفل الكبير فأيقظ زوجتي ثانية. رفعت رأسها وأعادته، لكنها لم تغمض عينيها هذه المرة فراحت تراقبني من تحت اللحاف متصنّعة النوم. تمنيت أن أفتح الصندوق لأقضي الوقت قبل أن ينطلق الصفير مرة أخرى، اشتهيت أن أشمّ رائحته الغريبة، التي كان يسميها ابني الكبير عندما كان طفلا “رائحة العجائز″. صندوق قديم ورثناه عن أجدادنا، وهو ليس الصندوق الوحيد لكنه الأكبر، وكان من حصة أبي لأنه الأكبر، وكان يعدّه مثل روح الأجداد التي ينبغي الحفاظ عليها مهما كان الثمن وتحت أيّ ظرف، فلم يغير أي شيء من محتوياته؛ خنجر موضوع في قراب من الجلد المتقرن، وفناجين قهوة مذهبة، وعصا من العاج المطعم بالفضة تعود لجدي الذي ورثها عن أبيه، كفن قيل إنه نُقع بماء زمزم جلبه أحد الحجاج هدية إلى جدي، راية خضراء لا أدري من الذي جلبها من مرقد أحد الأئمة، ومساوك ومسابح، ويشماغ أبيض عليه خطوط بلون المسك وآخر مرقّط بالأسود، وعلبة سجائر معدنية وحافظات أوراق ضمت مكاتبات وسندات أراض وعقود تجارية قديمة، لم يعد أيّ أحد بحاجة إلى تقليبها.

عدت إلى فراشي، وقبل أن أنام سمعت الصفير ثانية، أيقظت زوجتي التي كانت متظاهرة بالنوم، وسألتها:

- هل تسمعين الصفير؟

لاكت في فمها أحرف كلمات لم أفهمها، أضفت:

- إنه صفير يشبه صفير الريح النافذة من الثقوب الضيقة.

- لا أسمع شيئا.. نم كفى وسواسا..

في الصباح بكّرت بالذهاب إلى جدتي التي تعيش في بيت عمي والتي بلغت من العمر حدا يسمح بوضعها في كتاب غينس، وعرضت عليها الأمر وشكوت لها عدم اهتمام الآخرين بما يحدث للغرفة التي شهدت أيام زفافها، راحت تتكلم بأشياء تشبه الحِكم التي هي بحاجة إلى من يفسّرها ويفهم فحواها ليتعض بها، لكن لا أحد من أبناء سلالتنا يهتم بذلك! فشؤون الدنيا أخذتهم كلهم.. منهم من استثمر ما ورثه جيل بعد جيل واشتهرت عوائلهم بتجارة أو صناعة معينة صارت لقبا لهم، ومنهم من أخذتهم الوظائف وأيضا صارت لقبا لهم يتباهون به ونسوا تماما اسم عائلتنا. مع المواعظ والحكم التي قالتها جدتي، قالت لي أيضا؛ إن هذه الثقوب لاتغلق إلا بالطين الحرّي، وهو الطين الأحمر الذي قد لا نجده إلا في الجروف العذراء، وأعماق الأرض. يؤخذ ويخمّر عدة أيام ويداف مثلما كنا ندوفه بالأقدام صباحا ومساءً لمدة ثلاثة أيام أو أكثر قبل أن يصبح ناعما مثل الزبد عندها تملأ به كل الثقوب وتملج التقشرات، وتفخره بالنار فسيصبح قويا صلبا لا تأكله الريح والحشرات والهوام، لكن ما لم تجبني عليه جدتي هو كيف يتسنّى لي حرق الطين وهو في الجدران؟ هذا يعني أن أحرق الغرفة كلها بالنار. إحراق سقوفها وأبوابها وأعمدتها وأفاريزها المصنوعة من أنواع الأخشاب.

لم أجد تفسيرا لما قالته جدتي، هل كانت تنطق حكمة أخرى أو لغزا من تلك الألغاز التي كانت تربك تفكيرنا بها؟! في الليلة التالية كان الصفير أعلى حدة.. صفير يشبه ذلك الذي تولده الريح عندما تمر بالأطلال والخرائب المهجورة، يولد في الروح المرارة والأسى.. صفير يبعث على الحزن وقد جلست ذات ليلة فعلا أبكي على صوت هذا الصفير وسط استغراب زوجتي، التي استيقظت هذه المرة وراحت تواسيني، لكنها لم تتفق معي على سماع أصوات الريح، طلبت منها أن تصغي جيدا، أصغت وهي مطرقة إلى الأرض، وقالت إنها لم تسمع شيئا، قلت لها:

- إذا كنت لا تسمعين الصفير، ألا ترين الثقوب، التي تنخر الجدران؟

- قالت هذه ليست ثقوبا، هذه مساقط ضوء وظل.

شعرت أنها تسوّف ما أقول، وكأنها تداري مشاعر طفل.

في الصباح طلبت منها ـن نحول مكان الصندوق المطعّم بالمسامير الفضية لئلا تثقبه الريح.. وفعلنا ذلك.

في المساء جاء أولادي وأخي الأصغر وبعض أبناء أخي الأوسط وابنتي مع أحد أولادها وأخواتي الثلاث، واستغربت لمجيئهم كلهم في مثل هذا الوقت، وكيف اتفقوا على المجيء! لم أنشغل بهذه الأسئلة، فقد كنت سعيدا بحكمتي التي أخبرتهم بها سابقا، فبادرتهم بالقول:

- ألم أقل لكم مهما حدث للجدران من ثقوب المهم أن يبقى السقف سالما؟.. هل رأيتم كيف انجمعتم تحت هذا السقف برغم الثقوب؟

استغربوا مما أقول وسألني اخي:

- لكن أين هي الثقوب؟

فحدث مايشبه الإرباك ولاحظت ارتباك زوجتي وهي تشير إليهم بالسكوت، قبل أن يبادر ابني الكبير بالقول:

- سنقضي على الثقوب ونعالجها.

التفت إلى عمي وبقية أفراد العائلة وكأنه يحثهم على تأييده قبل أن يواصل:

- ابن عمي اتصل بصديقه وأستاذه المهندس المعماري الذي درّسه في لندن ووافق على المجيء لصيانة الغرفة.. هو خبير في صيانة البيوت التراثية وشعر بالسعادة لأنه سيرى الغرفة التي حدثه عنها ابن عمي أثناء دراسته.

في البدء شعرت بالاطمئنان، ورحت أسرد لهم ما اقترحته جدتي لصيانة الغرفة وسد الثقوب والانهيارات، فسخروا منها، وراحوا يؤكدون على خبرة الأجانب الذين يرجع لهم الفضل في حماية آثارنا وصيانتها، وكنت ألاحظ فرحة زوجتي التي نهضت لتعدّ الشاي والمعجّنات بنفسها ولم تكلف أيّ واحدة من بناتها أو حفيداتها أو كناتها اللائي غصت بهن الغرفة، أما أنا فقد بدأت أشرد عنهم متمليا السقف العظيم، والدعامات والأفاريز التي نحتتها أيادي الناس عبر سنوات طويلة، والباب العالية التي تشبه أبواب القلاع القديمة ومطرقتها النحاسية الصدئة المنحوتة على شكل رأس أسد، اشتهيت بقوة أن أنهض وأضرب رأس الأسد على المطرقة النحاسية الهامد فوقها، لكني لم أخف سعادتي بانقطاع صوت صفير الريح واختفاء آثاره أثناء وجودهم. استمرّ هذا الهدوء حتى بعد مغادرتهم إلى بيوتهم البعيدة أو المجاورة إلى الغرفة وإيوائي إلى الفراش.

لم تمض سوى لحظات على غفوتي، حتى سمعت طرقا على الباب، لم يكن من خلال مطرقة رأس الأسد أو النقر على الخشب. طرقا يشبه الدربكة أو الجلبة. فتحت الباب وأنا متيقظ الحواس، فغمرني ضوء باهر وفي وسطه ابن أخي المهندس وهو يدفع أمامي رجلا أجنبيا -ملابسه وهيئته تدل على أنه أجنبي- وقبل أن يقدمه لي فهمت أنه المهندس المعماري الذي جاء لصيانة الغرفة، فسحت له المجال من دون أن أعطي الفرصة لنفسي كي تتساءل عن السرعة التي جاء بها من الخارج.

انتشرت في الغرفة الكثير من الأدوات التي لم أجدها في يديه لحظة إطلالته من الباب، كأنها تتطالع من تحت الأرض، مثاقب، ومطارق وفؤوس، ومسامير بأحجام مختلفة ومناشير ومكائن تشبه الأسلحة وإسطوانات فيها أصباغ وسوائل لا أعرف استعمالاتها، وسلالم متحركة، وحبال ومساعدون لم أنتبه لوجودهم معه عند دخوله، أول شيء فعله أنه صعد على الصندوق المطعم بالمسامير الفضية وحاول أن يشكّ السقف الخشبي بنصل حاد النهاية، ولأن السقف عال سقط النصل من يده فثلم حافة الصندوق المفضض. شعرت أن أحد أضلعي قد ثُلم وكدت أهجم على الأجنبي وأخنقه! لكنه التفت إليّ بطريقة دبلوماسية ناعمة وهز رأسه معتذرا. بعدها أخذ مطرقة وضرب رأس الأسد بقوة، فأصدر زئيرا بدلا من الرنين لم أعهده من قبل، فازداد غضبي ورحت أبحث عن ابن أخي لكي يمنع صديقه من عمل مثل هذه الأشياء، لكني لم أجده! فقد امتلأت الغرفة بمساعدين بمختلف السحنات والأزياء وهم يعملون بأدوات غريبة لفحص الجدران والسقوف والأعمدة والأفاريز ويناقشون المقترحات بينهم، أما أنا فلم أعد أفهم شيئا مما يقولون، ولا أستطيع الكلام فقد شُلّ لساني وتجلط الكلام في بلعومي لكن الغضب كاد يدفع عيني إلى خارج محجريهما، التفت لي المهندس وأخبرني بلغة عربية مكسرة، أن الغرقة ستكون على ما يرام وأجمل مما كانت عليه.

فتح مساعدوه إسطوانات وصفائح مليئة بسوائل رائبة، وراحوا يطلون الجدران بألوان براقة ذات قوام بلاستيكي التفت إليّ المهندس وقال:

- هذا نوع من البلاستك سيسدّ الثقوب ويعطي الغرفة ألوانا براقة وجميلة أفضل من الألوان القديمة.

لم تعد الجدران كما كانت، كأنها غُلّفت بالسيراميك الملون اللماع، بدت جميلة للوهلة الأولى لكن الغرفة لم تعد غرفتي! غير أن السقف بقي نفسه، بلونه وقوامه ورائحته التي يوحيها لي عندما أتملاّه بنظراتي اللائبة، وكنت أخشى أن يطاله طلائهم. شعرت بقلق، وقبل أن يكملوا طلاء الجدران، بدأت تتقشر تلقائيا! حيث تنطوى قشرة الطلاء البلاستيكية نازلة من الأعلى إلى الأسفل وقد قشطت معها طبقات من الجدران. بدأت التعريات والثقوب تملأ الغرفة بالصفير.. صغير متوال، ومتعال، يشبه عويل حشد من النساء الثكالى، صفير مُنذر راح ينبثق من مختلف الجدران ويثير فزعي وكأنه مناشير تقطع أعصابي، ضاق بي جسدي وأنا أطلق نظرات حائرة الى السقف، تفجر شيئا ما في دواخلي، انقضضت على المهندس الأجنبي وأخذت بخناقه، حاول الإفلات منّي وهو يدفعني برأسه ويديه، فقضمت أنفه بأسناني، حاول معاونه تخليصه من يدي لكن جسدي التحم بجسده الذي بدا لي ضئيلا جدا وناعما حتى لم أعد أشعر به لولا صراخم المذعور، تلقيت ضربات على جسدي ورأسي كي يخلّصوا رقبته من قبضة أصابعي التي أنشبت أظفارها في رقبته وجعلت الدم يتدفق ويملأ عيوني وأنفي قبل أن أتلقى ضربة قوية على رأسي أسقطتني على ظهري، لأجد عينيّ الغارقتين بالدم بالكاد ترى أولادي وأولاد أخي يشدون يدي بقوة ويبحثون عن وثاق لها بينما انشعل الآخرون بمعالجة زوجتي التي كان الدم ينزف من أنفها ورقبتها قبل أن ينقلونها إلى المستشفى وسط عويل بناتي! أما أنا فقد استسلمت تماما لهم وهم يوثقون يديّ ورجليّ وسط ذهول شل لساني، واستغراب جعل عينيّ مفتوحتين على سعتيهما حتى بعد نقلي إلى المستشفى! لم يسألني ولم أسأل أحدا من أولادي أو الأطباء والمضمدين الذين اجتمعوا حولي وسط تأكيد الطبيب على عدم حلّ وثاقي حتى ينتهي من زرق الأبرة، وكانت صورة أولادي وأحفادي وأبناء إخوتي وهم يضغطون على يدي البائدة، هي الصورة الأخيرة لتي التقطتها من الدنيا قبل أن يزرقي الطبيب بإبرة أرخت جسدي، وغيبت رؤيتي، وغرقت في غيبوبتي التي حرص الأطباء على إدامتها بالحقن!


كاتب من اليمن

مقالات أخرى للكاتب:

  • يشماغ