حافـات السنين المدببـة

الجديد  فرج ياسين [نُشر في 01/08/2017، العدد: 31، ص(96)]

رأيت العجوز روفة آخر مرة، وهي تحمل باقة من القصب والعيدان المطوقة بالقش والزبد، أتت بها بعد انحسار مياه الفيضان، قبل موتها. كنت بين عدد من الصبية الهاربين من المدرسة، لجاناً كعادتنا إلى مغارة “البوم”، فأخفينا رؤوسنا وراء الصخرة المطلة على النهر لحظة مشاهدتنا كتلتها السوداء تدب على الطريق، بين شجيرات العاقول، كان شبحها -وهو يرى من شاهق- نائياً وضئيلاً مثل عنز.

قالت أمي: كانت ستشي بكم حتما ليس لأنها تريد لكم أن تذهبوا إلى المدرسة بل لأنها تكره كل عين غريبة تحاول التجسس عليها، وهي تقوم بجولتها اليومية لأن ذلك سوف يؤدي إلى انتهاك عزلة النهر، وسوف يجعل الأمواج تتوقف عن قذف المزيد من الأشياء الطافية إلى الشاطئ.

في ذلك المساء، لاحت أمي في أمشاج الأحلام الصبيانية المرحة، وهي تهوي على وجهي، وتلقم أنفي نفحة من أريج سلسلة زهر القرنفل المطمورة تحت فوطتها، بعد ذلك بقليل، أوقفتني مترنحاً أمام العجوز روفة مالئة قبضتها بنصف شعر رأسي، ثم أركعتني بين قدميها، قالت! ها هو. هل كان معهم أيضاً يا خالة؟ أجابت محاذرة النظر إلى وجهي؟ لا أدري فقد خيل إليَّ وقتها وكأن ثلاثين وَرَلاً جعلوا يحثون بأرجلهم حجارة الجبل. وسمعت أمي وهي ترد عليها بنبرة فاترة: ولكنه عاد في الساعة الواحدة وهو يحمل حقيبته، ثم شيعتها إلى الباب.

قالت أمي: إنَّ اعتزالها الناس جعلها تراهم في أحلامها.

في ظهيرة اليوم التالي، أرسلتني إلى بيتها، علقت في ساعدي صُرة عقدتها على رغيف مطوي على فخذ دجاجة مع باقة كراث وحفنة من التمر. ولم أشأ إقلاقها بإطلاق قبضتي فوق لوح الصفيح مرة بعد مرة، لذلك اكتفيت بدفع الباب، فألفيتني أقف في الممر الضيق الطويل المكشوف. تذكرت أن العتمة سوف تجتاحني، فتعثرت بأول حزمة من العيدان وأكوام القش وقطع الخشب المبتلة. كنت أعرف أن الممر سوف يتحول من منتصفه إلى حجرة تشبه القبو، فشققت طريقي ذاهباً إلى حيث ما ظننته نداء باسم التدليل الذي اعتادت أمي إطلاقه عليّ، فيما رائحة ماء النهر تمور في الحجرة، تتجول بين الأكداس العطنة، وتحوم حول سطوح الجدران، ورأيت العجوز تجلس بأسمائها بين كومتين من القطع الخشبية، كفت لتوها عن عزلها من بين كومة كبيرة أخرى من الأغصان والجذوع، ما تزال جذورها النحيفة عالقة في جوانبها.

كانت تجلس بكتلتها الضئيلة المسربلة بالسواد، مفتوحة الساقين، محلولة الشعر تقبض أصابعها على آخر قطعة من الخشب، أرادت ضمها إلى إحدى الكومتين بعد الانتهاء من تفحصها، وما كنت سأرى أي شيء لولا ذلك المسحوق الباهت من الضوء، وهو ينبعث من جدول شعرها الناصع البياض، مشتجراً حول كتفيها.

قالت: أقبل يا علي.

فجأة أحسست بأن النبرة تغيرت، صار النداء يشبه دعوة مدغدغة لمزاولة لعبة سرية وراء واحدة من تلك الصخور. لكنني لم أقو على التقدم خطوة أخرى، لأن أسلاك القصب والعيدان والجذور الصغيرة، زحفت إلى قدمي، واشتبكت مع خطوتي الأخيرة.

قالت أمي: سوف تجد نفسك في عالم غارق بعفونة عمرها، خمسون عاماً. إنها رائحة جثة لم تكتمل، تجمعها العجوز روفة من قمامة ذكريات نافقة.

قلت لها: هذه الصرة لك يا جدتي.

فنظرت إليَّ من بين جدولي شعرها البراقين، وبإشارة سوداء رسمتها بكل ذراعها النحيف، أمرتني برمي الصرة على الأرض. حين بدأت التراجع محاولاً تخليص قدمي من شبكة الأغصان والقش الذي ما يزال لزجاً بالزبد العالق فيه، رأيت لوحاً بطول مترين مركوناً على الجدار المواجه لمكان جلوسها إلى جانب باب الحجرة، كان ضيقاً، ومتشققاً، تآكلت حواشيه تقصفت قشرته. ثم باغتني صوتها قادماً من العتمة: لا تنظر إلى الرجل ميت.

قالت أمي: حين طغت مياه الفيضان، أضاع القبطان خطر يره، فاصطدم بصخرة كبيرة في نقطة تلاشي تلال مكحول عند “الفتحة”، وكانت الصبية روفة قد أخذت زينتها في دار أبيها في الموصل، تزينت كما يليق بعروس، لكن محمود أفندي الذي أصبح زوجها منذ عقد قرانها قبل تسعة أيام، لم يدخل بها حتى اللحظة منتظراً أن يتم ذلك في منزله. وفي خلال عشر دقائق فقط، انتهى كل شيء، غداً المركب حطاماً، ولا يدرى أيّ روح قذفت بالعروس مع زبد الفيضان على الشاطئ، فيما صفر المكان من أيّ أثر للمركب ومن فيه، أما زوجها محمود أفندي، فقد عثروا عليه بعد ثلاثة أيام طافياً في خليج “الخرجة” على بعد عشرين كيلومتراً من تكريت، وقد نقر السمك وجهه، وتهتكت ثيابه، وانتفخ بطنه، برز فجأة من تحت لوح طاف مثل غواص. تبين بعد ذلك أن مزقةً من سرواله، علقت بشق أحدثته الصخور في اللوح عند تحطم المركب. إنه اللوح نفسه الذي طرحه القرويون عليه، إثر ذلك، لكي يكون نعشه، حيث أقبلت نساؤهم من الحقول للبكاء عليه ساعات طويلة، وهو مسجّى على اللوح بوجهه المرقش وبطنه المنتفخ، حتى مرور أول مركب ذاهب إلى الجنوب.

قلت مفتعلاً الإفلات من هواجسي الخانقة: أحقاً أنك رأيتني معهم يا جدتي؟

فسمعتها وهي تنشج معولة بأنقاض صوتها، الشبيه بقضقضة عصى تتكسر في جوف برميل، ولم أنتظر أكثر من ذلك لكي أجد مبرراً للبقاء وقتاً أطول معها، فعزمت على اقتحام صمتها العصيّ بأسئلة المدينة التي لم يجرؤ الآخرون على التفوه بها على مدى خمسين عاماً، مع أنها ظلت تحوم كالسراب المنطفئ، حول عرينها الخرافي.

قالت أمي: لقد أوصدت جفنيها على صورة محمود أفندي، وهو ملقى كجيفة فوق اللوح الذي نقل عليه من “الخرجة” فأصبح نعشه. ولم تقو على النظر إلى نصف هذه المدينة. منذ ذلك الحين أدخلت كل الرجال على وجه الأرض في منطقة عماها الأزلي. وظل المحسنون والأتقياء من الجيران يبعثون ببناتهم الصغيرات إلى بيتها لكنها –ربما- سمحت قبل قرابة عشرين عاماً بأن يناديها رجل من خلف الجدران، أو أن يمد كفه بما يحمله إليها من نقود أو مؤونة، لقد أعطت وعداً لشبح محمود أفندي الراقد في هباء ذاكرتها بكل زينته، بأنها سوف تستدعيه حال انتهائها من انتزاع أشلاء المركب الغارق من براثن الفيضان.

قلت متطلعاً في شبحها الأسود، المنقوع بعطن الأخشاب، عبر فجوة الرعب والتخبط التي أخذت تزايلني لحظة شروعها بالبكاء: متى تكفين عن جمع هذه الألواح يا جدتي؟

فكفكفت نشيجها وشخصت إليّ، شعرت بغتة أن طبعها الصموت المتشح بالظلام، بدأ يتعثر بحافات السنين المُدببة التي سلختها بانتظار مواسم الفيضان، بدا وكأن المكان صار أكثر سعة من أن يضيق بقمامة الشاطئ. غدا واسعاً ومضيئاً، وحدست أن الجدة توشك على الدنو مني بجسدها أيضاً، ثم نظرت إليها وهي تقف معتدلة القامة، قلت لنفسي إنها أكثر طولاً من أيّ امرأة أعرفها، ولمعت خصلتا شعرها الهاطلتان الآن فوق ثدييها، بلون السنابل المتراقصة تحت الشمس، ثم سمعت وسوسة حلي وخشخشة عقود وأطواق، فيما فاحت رائحة القرنفل فسبقت إلى دمي. لكنها هرعت إلى حيث أقف، وانحنت محاولة انتزاع العيدان والعساليج الطرية بين قدمي، ثم رفعت حزمة صغيرة منها وأدنتها من أنفي، كانت رائحة القرنفل تردّني إلى صورة تناهت إلى ذاكرتي من زقاق ما في مدينة الطفولة النائية: تحملني أمي على عاتقها مثل رجل، وتتوقف بي أمام البيوت للسلام على العجائز المقرفصات بجوار أبواب بيوتهن، يغزلن خيوط الصوف ويثرثرن مع العابرين.

وفي غفلة من أحلامي الشاردة أمسكت العجوز بكتفي، وزجت جسدي، جاعلة ظهري يلتصق بلوح الخشب القديم، فمكثت مرسوماً هكذا بقوة أصابعها القابضة على كتفيّ النحيفتين، وبقوة زينتها المكبوتة، ثم همست في أذني كما لو إنها تغني:

حسناً يا محمود، أنت الرجل الوحيد!

- كانت ثمة لفحة من هواء مداث بصدأ الظهيرة، انسلت من مساحة الفراغ التي خلفها الباب الموارب، مع بقعة من نور الشمس، حطت في وسط اللوح، مقل كف منزوعة الأصابع مكبرة عشرين مرة، جعلت ترتفع وليداً حتى غشي اثنان من أصابعها عيني وأطفآهما. لكنني سمعت لهاث العجوز، ورفعني عطرها إلى أزقة الروح، مستتيماً إلى وخزات أعضائها في أماكن مختلفة من جسدي ذرت في القلب حرقة غامضة كالحلم، بعدها أخذ جسدها يتقبض في مثل زفرات طفل مقرور، صرخت لا، لا. ثم فاح لعاب دبق وملأ بأبخرته فضاء المكان، وأنت محشرجة مرخية أطرافها الثائرة، لكنني مرقت من تحت إبطها متعثراً بصرة الطعام، عابراً المجاز إلى الباب، كان إصبعا الضوء ما يزالان يخزان جفني، فيما ضج جسدي بعرق لزج منقوع برائحة القرنفل الطاغية.

عند العتبة سمعت صوتاً رهيباً أشبه بارتطام موجة غاضبة في جرف صخري، غير أنني لم ألتفت. ظلّ الصوت يدوّي في دمي، يلاحقني في العطفات والأزقة الضيقة التي قطعتها عدواً حتى وصلت إلى البيت، ومع أن أمي لم تكن إلي حين رأيتها وهي تنحني على إناء مملوء ملحاً، إلا أنها همست بصوتها العميق الكابي:

عيناك تلمعان!

كاتب من العراق


كاتب من العراق