لعبة الدمى البشرية

الجديد  نهار حسب الله [نُشر في 01/08/2017، العدد: 31، ص(112)]

(1)

مضت أكثر من عشرين عاماً على الحادثة، ولم تتمكن أمي من الخلاص من ذكرى ذلك الصبح الأسود المثقل بالشؤم الذي حل بعائلتي..

يومها كنتُ مجرد قطعة لحم عالقة في أحشائها، ولكني حفظت الحكاية بتفاصيلها الهامشية عن ظهر قلب على لسان أمي التي رسمتْ لي صورة والدي، عامل البناء، المعدم، المتلاشي الذي اختفى من دون سبب، وضاع أثره ما بين الموت والفقدان..

تحوّل إلى أقاويل تلوكها الألسن.. منهم من قال وقتها إنه دهس تحت سيارة، وقال أشخاص آخرون إنه اختطف.. وردد غيرهم أنه مسافر أو رهن اعتقال السلطة، أو أنه دفن في إحدى المقابر الجماعية…

لم تصل أمي (سعاد) لنهاية قصتها الحزينة، ذلك أن فكرها ظل سجين الانتظار..

وعلى عكس ما يرسمه الواقع.. رفضت ارتداء السواد والقبول بموت زوجها وغيبت فكرة الارتباط برجل آخر غير ذاك الذي لم يمت في قلبها..

تجاوزتْ الأربعين من عمرها إلا أنها كانت تنسج جمالها من الصبر.. لم ينل الشيب من شعرها الأشقر أو يجعد الزمن وجهها القمري.. كانت تبدو وكأنها في عمري أنا ابن العشرين عاماً..

وعلى الرغم من أن ملامح وجهها كانت ترسم ابتسامة عفوية تليق باسمها، إلا أنني لم أرصد وجهها الناصع البياض وهو يضحك ضحكة صادقة طوال حياتي، مثل ذلك اليوم الذي أنهيتُ فيه دراستي الجامعية بتقدير جيد جداً..

يومها رقصتْ وضحكتْ بجنون.. قلّبتْ خزانة ملابسها بفوضوية لم أعرفها في سلوكها من قبل، وأخرجتْ لي بدلة رجالية سوداء إيطالية الصنع وربطة عنق حريرية حمراء، قالت إنها تعود لأبي ولم تلامس جسده سوى ليلة عرسهما، وكانت هدية باهظة الثمن من رجل ثري أخلص أبي في بناء بيته.. ويليق بي أن ارتديها اليوم بوصفي عريس هذا الصباح..

من يومها.. انشغلتْ بتصفيف شعرها وارتدتْ فستاناً قصيراً سمائي اللون ووضعتْ بعض مساحيق التجميل التي لم تلامس وجهها منذ زمن بعيد.. وبدت كما لم أرها من قبل.. كانت مثل ملاك هبط من السماء أو حورية قدمت من الجنة لمشاركتي فرحتي..

حفل التخرج حضرته نخبة من الأوساط الجامعية والعلمية وعدد من رجال الدين والسياسة إلى جانب شخصيات بارزة في المجتمع..

كانت العيون تتبعنا في الحرم الجامعي.. أو تتبع جمال أمي تحديداً.. ولكن أغلبها كانت نظرات لا تتعدى الإعجاب، إلا نظرات ذلك السياسي الجالس في الصف الأول، المحاط بعدد من عناصر الحماية المثيرة للريبة والحذر..

كان يرتدي بدلة حبرية اللون، مظهره يميل نحو الوقار والتقوى، احتلت وجهه لحية مهذبة متوسطة الطول أفسد سوادها بعض الشعيرات البيضاء، وشارب خفيف وبقعة داكنة أعلى جبينه، فيما سكنتْ الخواتم خنصر وبنصر يده اليمنى، وقبضت ذات اليد على سبحة فضية تتقلب حباتها بين أصابعه بانفعال لا ينم عن عبادة أو ذكر خالق..

كنت أتابع نظراته الوقحة وهي تعرّي أمي من ملابسها.. وتغوص فيها آلاف المرات..

انشغل الجميع بالفرح إلا أنا كنتُ احترقُ وأذوب بصمت مثل شمعة.. وأنا أتابع سلوك صاحب العيون الوحشية وهو يجدد رغبته بالتهام أمي ويعض شفتيه تارة ويحدث أحد حماياته تارة أخرى..

تنبهت لذلك الشخص الذي كان يتلقى الأوامر من السياسي وهو يقترب من أمي ويدس في كفها ورقة صغيرة ويحدثها في أذنها..

التفتت أمي إلى السياسي وابتسمت فسال لعابه ككلب يتضور جوعاً..

اجتمع الحرج والخوف والاضطراب في داخلي وهو الأمر الذي أفسد علّي فرحة عمري.. مما دعاني لسحب أمي ومغادرة الحفل..

(2)

تألمتُ لفساد فرحتي.. وعزلتُ نفسي عدة أيام، إلى أن كاشفتني أمي بحقيقة تلك الورقة التي كتب فيها السياسي جملة واحدة “راجعوا مكتبي في القريب العاجل للحصول على وظيفة تليق بابنكم”..

رفضت الأمر وفضّلت البطالة والشقاء على لقاء ذلك الشخص مرة أخرى.. غير أن أمي كانت تتوسّلني أن نذهب إليه، بوصفه أملنا الوحيد في ظل واقع محاط بالبطالة والإحباطات.. خصوصاً وأن وضعنا الاقتصادي يتطلب منا أن نكون أقوياء لنيل الفرص..

زرت وأمي مقرّ ذلك السياسي وقبعنا في قاعة الانتظار التي كانت لوحدها أكبر من بيتنا والبيت المجاور له..

وبعد انتظار لم يطل أكثر من نصف ساعة، تلقينا الإيعاز بالدخول إلى غرفة مستطيلة مفروشة ومؤثثة على نحو فاخر..

كان السياسي يجلس نهاية الغرفة خلف مكتبه، نظر إلينا من تحت نظارة القراءة التي بدت طارئة على وجهه، وسرعان ما مَثّل علينا دور المنهمك بقراءة الأوراق المبعثرة على المكتب..

أوعز لنا بالجلوس بحركة يده من دون أن ينطق كلمة واحدة، وظل يحدق في أوراقه المبعثرة..

كنت أراقبه لئلا يسرقنا بنظراته الدنيئة كما فعل في اللقاء الأول.. غير أنه بدا شخصاً آخر تماماً.. لم يرفع وجهه بوجه أمي ولو بالصدفة..

وبعد دقائق انتظار متعبة، رفع رأسه تجاهي وبدأ يشيد بتفوقي وحرصي على النجاح.. وضغط على زر بقرب يده على الطاولة.. ففتح باب الصالة ودخل شاب بمنتهى الأناقة ظل ثابتاً بانتظار الأوامر..

وبلهجة آمرة قال السياسي:

• رافق هذا الشاب ليبدأ العمل في المكتب الخاص.. وكن مهتماً بتعليمه تفاصيل عملنا فهو من أقاربي..

تورّد وجه أمي، واحمرّ وجهي تأثراً بالمفاجأة… حُبست الكلمات في فمي رغماً عني، فيما كسرت أمّي صمتها وانطلقت تشكر موقف السياسي الإنساني وتحيطه بالدعاء والثناء..

(3)

بعد أسبوع واحد من مباشرتي بالعمل في المكتب الخاص.. أوعز السياسي بإيفادي إلى مدينة الموصل لإيصال بعض الملفات السرية..

حاولت جاهداً عدم ترك أمي لوحدها ولكن الأمر كان واجب التنفيذ..

كانت مهمتي تتلخص بتسليم مغلف مغلق إلى شخص يدعى “حجي أكرم” كان اسمه ورقم هاتفه الشخصي مطبوع على المغلق..

أقلتني سيارة مصفحة رباعية الدفع من ماركة تويوتا تعود لموكبه الشخصي من بغداد إلى مدينة الموصل.. من دون أن تتوقف في أيّ سيطرة على الطريق.

كان السائق صامتاً طوال الطريق، مثيراً للريبة والقلق والإزعاج، مما جعل الرحلة متعبة ومملة..

وبعد أكثر من ثلاث ساعات ونصف من الجلوس في السيارة، نطق السائق جملته الوحيدة:

• سيدي لقد شارفنا على دخول مدينة الحضر وما هي إلا نصف ساعة حتى نصل إلى مركز المدينة..

نسخت رقم هاتف الحاج أكرم من على المغلف ووضعته في هاتفي المحمول واتصلت به، ومن أول رنة، رد عليّ صوت شاب وحدد موعد اللقاء قرب المحطة العالمية لسكك الحديد عند مدخل المدينة، وقال إنه سينتظرني هناك بسيارة سوداء كتلك التي تقلني الآن..

وصلت على مقربة من المحطة وعند الطريق الدائري تنبهت لسيارة تشبه سيارتنا تنتظر هناك..

وقف السائق بالقرب من السيارة وأوعز لي بالنزول.

ترجل من السيارة الأخرى رجل لم يتجاوز الثلاثين من العمر، قرويّ اللهجة، كان ضعيف البنية طويل القامة مائل إلى السمرة ذو لحية شعثة غير مهذبة طويلة لدرجة أنها تخفي عنقه بالكامل، كان يقبض بطارف شفتيه على مسواك لنتظيف الأسنان، يرتدي دشداشة قصيرة ترتفع إلى ما تحت ركبتيه..

عرّفني بنفسه على أنه الحاج أكرم واستلم المغلف وأنهى اللقاء على عجل.. وانطلق بسيارته مسرعاً..

طريق العودة كان متعباً كتلك الأسئلة التي بدأت تتضخم في رأسي عن الحاج أكرم وعلاقته بالسياسي وعن المغلف الذي ندمت لأمانتي التي منعتني عن كشف محتواه..

عند المساء وصلت متعباً إلى بيتي ببغداد وفوجئت بالسياسي يجالس أمي في غرفة الضيوف بمفرده من دون أيّ حمايات..

كان وجه أمي يتلون بعدة ألوان في اللحظة الواحدة.. اصفرّ من الخوف، واحمرّ من القلق.. وازرقّ من التوتر.. وخليط من الألوان ينتظر ردة فعلي..

تحدثت إليّ أمي بلهجة متلعثمة:

جاء سيادته قبل قليل وأصرّ أن ينتظر عودتك..

قاطعها السياسي:

كنت أنتظر عودتك أيها البطل.. فلاأستطيع مقابلتك في المكتب في مثل هذه الساعة من الليل، أنت بطل حقيقي يا بني..

يوم غد سينتقل سكنكم من هذا القبر الذي تعتقدون أنه بيت إلى مكان يليق بوضعكم الجديد..

نهض وصافحني وسلمني رزمة من الدولارات فئة المئة دولار.. وقال هذه مكافأة بسيطة لقاء الجهد العظيم الذي قدمته اليوم.. وغادر من دون أن ينتظر إجابتي..

(4)

قررت الارتباط بفتاة أكثر جمالاً من ضياء الشمس، كنت قد أعجبت بها أيام الدراسة، ولكن العوز كان يشكل حجراً ثقيلاً يسكن فوق لساني، فلم أحدثها إلا عندما تغير الحال..

تزوجتُ وعملتُ جاهداً على تحقيق حلمي بتكوين أسرة كبيرة، عساني أنسى عالم الوحدة الذي تركني فيه والدي..

هجرنا حياتنا القديمة ببؤسها اللامنتهي.. تركنا الناس التي لازالت تحكي قصص فقدان والدي، ابتعدنا عن الفقر، وبيتنا أو غرفتنا العجوز البالية..

تغيرنا.. أو غيرتنا عيون ذلك السياسي التي صرت أشكر انبهارها بأمي من دون إدراك..

مرت الأيام عجولة، وسرعان ما تحولتُ إلى شخص فاعل في حياة السياسي.. يده اليمنى أو مدير أعماله الخفية.. وتطورت وجهات إيفادي إلى محافظات العراق كلها، ومن بعدها إلى دول كنت أخاف النظر إليها على الخارطة..

علمني سيادته أن لقب الحاج لا يطلق حصراً على من حج بيت الله الحرام، وإنما يُخَصُّ به أشخاص من عينة الحاج أكرم والذين يقطنون المحافظات الشمالية.. ولقب السيد لا ينحصر بالذين يعود نسبهم إلى رسول الله وإنما يقصد به أشخاص من المحافظات الجنوبية، من أمثال السيد هيثم الذي التقيته في مدينة البصرة، كان أصلع الرأس ضخم البنية أسمر البشرة عابس الوجه، حاد المزاج، شفتاه لا تفارق السيجارة، ويده لا تفارق السبحة السوداء..

كنت قد تواصلت معه ونقلت إليه أكثر من رسالة مغلقة كما فعلت مع الحاج أكرم في مدينة الموصل وعدد من الحجاح في المحافظات الشمالية والغربية… وعدد آخر من السادة في المحافظات الجنوبية..

إلا أن فضولي فضح لعبة ذلك السياسي وأولئك الذين يتخذون من مسمياتهم الدينية غطاءً لإدارة البلاد على نحو غامض..

وذات يوم وفي إحدى سفراتي كنت قد فتحت أحد المغلفات الواجب إيصالها إلى مدينة الموصل..

احترق فكري وارتجف جسدي من هول الصدمة وأنا أتابع حروف رسالة كتبها السياسي بخط يده إلى الحاج أكرم:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قوله تعالى: (وإن جندنا لهم المنصورون)

في الوقت الذي أبارك لكم انتصاراتكم في العمليات السابقة.. أدعوكم لتصفية الجماعات المتّفق عليها على نحو كامل وتطهير مدينة الموصل الحدباء وأطرافها.. لتبق عامرة بوجودكم..

طياً قائمة بأسماء الشخصيات الواجب تصفيتها في القريب العاجل..

وستصلكم المواد والأموال اللازمة للجهاد عن طريق معتمدين تعرفونهم حق المعرفة.. والله الموفق..

كاد قلبي ينخلع من صدري بسبب اضطراب النبض الناتج عن الخوف والارتباك..

أعدت ترتيب الرسالة في المغلف وكأن شيئاً لم يكن..

وتابعتُ عملي وأنا أفكر في أسلوب الخلاص الآمن من مشاريع الموت التي صرت شريكاً بصناعتها..

ولكني كنتُ مثقلاً بالرسائل المغلقة، من الموصل توجهت إلى الفلوجة ومنها إلى بغداد ومن ثم إلى الديوانية والبصرة عند السيد هيثم..

كنت أفتح الرسائل كلها وأدوّن المعلومات بسرية تامة.. وفي الرسالة التي وجهها السياسي إلى السيد هيثم رصدتُ ما يناقض رسالته إلى الحاج أكرم، حيث جاء فيها:

السيد المجاهد هيثم حفظه الله

تحية جهادية لمناصري العقيدة

قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)

وردتنا معلومات خطيرة عن نيّة البعض للقيام بعمليات اغتيال منظمة ضد الرموز العقائدية في المحافظات الغربية والشمالية.. لذا تقتضي الحاجة للدفاع عن النفس والعقائد والمقدسات.. ونرى أنه من الواجب تحريك رجالك الأشداء إلى المناطق التي تختلف معنا وتصفية ما يمكن تصفيته منهم..

أقدّر شحة السلاح والعتاد لديكم، ولكني أعدكم بإيصال ما تحتاجونه وأكثر خلال اليومين القادمين..

والسلام عليكم ورحمة الله..

(5)

كان الخوف ينتابني.. مع إدراكي أنه حالة إنسانية طبيعية، ولكن ما يعتريني اليوم أكثر تشعباً من مفهوم الخوف..

لم أكن خائفاً من مصارحة السياسي بمعرفتي حياكته خيوط الطائفية في المجتمع، وإنما كنت مرعوباً على مصير أمي وزوجتي ومولودي الذي ينتظر الحياة بعد أيام قليلة..

أوقفت أعمالي على نحو كامل لعدة أيام مما دعاه لاستدعائي في مكتبه.. ومن أول نظرة عرفت أنه كشف ما أخفي.. وحدثني بلهجة هادئة ساخرة:

• أنت لاعب ذكي في لعبتنا هذه ولكن قانون اللعبة يؤكد على أن من يكتشف خطط اللعبة وأسرارها، عليه مغادرة الملعب.. ولكن يا بني قبل أن تغادر أريدك ألاّ تقلق بشأن والدتك العزيزة، فهي من اليوم تحولت إلى عروسي، متعتي المؤقتة، بما شرع الله، أما بخصوص زوجتك فسيأتي دورها قريباً.. ومن ثم نعتزم مكافأة الحاج أكرم والسيد هيثم بجمالهن الأخاذ..

سحبني أفراد الحماية إلى خارج المكتب ومن ثم إلى السيارة المصفحة وانطلقوا بي إلى طريق صحراوي..

توقفت السيارة على جانب الطريق وترجّل منها أحد أفراد الحماية وسحبني كمن يسحب خروفاً إلى المذبح..

ابتعدنا بضع خطوات عن الشارع الرئيس، وإذا به يسحب مسدسه ويوجهه نحو رأسي.. عندئذ صار العالم من حولي ضبابي المظهر ولم أعد أسمع إلا صوتي وأنا أخاطب نفسي:

• لا صورة في ذهني بهذه اللحظة سوى صورة والدي، ربما نتشابه بذات المصير.. ربما سيبقى مصيري مجهولاً بنظر ابني، الذي سيسمع حكايات طويلة من ألسنة الناس عن ضياعي.. كما سمعت أنا عن أبي..

لست نادماً على موتي.. ولكني أتمنى ألاّ يحرك ابني لعبة الدمى الدموية.. وألاّ تتكرر معه ذات حكاية..


كاتب من العراق