تفاصيل فقط

الجديد  يحيى السعيدي [نُشر في 01/08/2017، العدد: 31، ص(120)]

أنا الآن في غير موقعي، الاتجاه مغارة تبتلع يقيناً مكسور المجداف.

تعوّد أن يكتب خواطره مسنّنة الحواف على قصاصات ثم يهملها مثل سكير قديم.

هكذا يزدرد ما تبقّى من يومه تحلبا على مؤخرة صارمة مرت من أمامه، أو نهدين متوحشين سدا عليه الطريق، أو حتى كلمة بذيئة مثيرة تختبئ تحت طيّ ذاكرته المبلولة.

يقتطع من وقته ورقةً، أي ورقة، يقبل بعلبة السجائر خاصته تكون رحما لتزاوج كاثوليكي مع الكلمات، يرص القلم – الرفيق- في ضلع ما تبقى من “سيليفون باكيته”:

أخالني سألد الآن، المخاض يخرم الجهاز الودي لدماغي فيحتجزه رهن المداعبة.

لم أكمل سرد تفاصيل ألمي لتذهب أيها المحتقر!

العذراء التي أعجبها توقيعي، أرادت تذييلاً على نهدها!

كنت قد طلبت منها أن تتزوّجني متعةً.

أتعرف ماذا قالت؟

بصقت في وجهي.

يستمر نهاره في هدنة مع ليله، في غالب وقته يكون هادئاً، مسالماً، ميالاً إلى سكب ترهاته قرب أيّ بالوعة، لكنّه يصير أحياناً متمرداً، رعديداً وحتى غير منصف مرات أيضاً.

كان ذلك إذ طلب منه زميله رأياً في فائدة “الولدان المخلدون”، انبثق من صلبه مارد كاسر، تذكّر الولد المليح الذي ذهب ضحية صديقه، بعد حادثة ابتدأت بمزاح وتحرش ثم اغتصاب ودماء. تسيل من مؤخرة غضة جداً، وقتها أجبر نفسه على التقيؤ، ابتلع سبابته بالكامل ليخرج قيح سنين من العادة السرية.

لن أضمن لنفسي رتبة أدنى من التي احتكرتها تلك الوسواسة الناعمة، قوقعتني داخل بيت من كارتون بلا نوافذ حتى، أكتفي بحفنة هواء متّسخ، وقضمة آمال زائفة.

إذا أردت أن تنصحني بالصبر انصح، لكني سأنتهز أول فرصة لأقول إنك تكره الرئيس.

امتلأت خزانته بأعقاب السكائر والتفاهات عينها المكتوبة بحروف منتفخة.

النساء قطعان شاردة تصلح للمضاجعة، وتصلح أيضاً كفيلم سينمائي ناجح، ربما يتلكأ البطل في لحظة المشهد الساخن مبرراً فعله بأن النهايات المطلقة هي أجمل بالطبع.

لا يعرف لمَ كتب هذا الجزء، لكنه لم يهتم كثيراً، بعدها غادر سرب اللاواقع، فتحركت نوازع داخلية للخروج إلى حيث “الجماعة”، طبختهم السياسية لم تكتمل بعد، تأجل الاجتماع إلى وقت غير معلوم، لكن بنيوية موضوع البحث مازالت قائمةً، إذ هم إزاء مراجعة شاملة لأساليب التبشير السياسي، واستبدال بعضها بهزّ لمراكز الأزمة كما تهزّ صديقتهم “الكاولية” بطنها.

كان هذا اقتراحه بالذات، لاقى لغطاً بين مؤيد ومعارض، إلاّ أنه نجح أخيراً في جعلهم يلتفتون إليه لأول مرة منذ أشهر.

عادت له “سولة” التفلسف الزائد:

سعيد بولادة الحدث الأصغر، وإن كان قيصرياً. العالم لم يعد يطيق نسخاً مكررةً من الكوارث. أغلب الذين يعانون من ثقل السمع -وأنا منهم- ابتهلوا إلى الله أن يكون ذاك الحدث فاتحة خير لحياتهم عبر تكديس كرات اللهانة في غرف النوم.

أخرجه من سبات الاحتدام وقتها معترض حقود، أراد أن يحرجه أمامهم، شخّص سبّابته وهو يسرد تفاصيل تلازم الممكن السياسي مع الواقع المرئي؛ مستشهداً باقتران الظلمة والضوء تلازم حاجة وأثر.

الغثيان بدأ يسري في عروقه، يكاد يلتقمه بتلذذ. اكتفى من “البحلقة” في الصورة التي أمامه، القائد الوسيم الذي نذر عمره من أجل الجماعة، وسع دائرة آمالهم واشتهاءاتهم، وجعلهم يرتدون -إلزاماً- بدلات داكنةً وأربطة عنق حمراء في كل اجتماع، غير ذلك فهو لم يفعل شيئاً سوى إرهاق المسامير بصور ساذجة.

الشعور بأنه إصبع زائد في جسد أيدلوجياتهم بدأ يتفاقم،

رئة مخرومة،

رأس فارغ،

جسد مجوّف،

أي شيء آخر سيء يمضغه طفل يزحف.

هذا مقطع طولي من يومي يتكرر كلّ مرة، نسخة مشوهة التفاصيل لأوقات ماتت ولم تدفن بعد، في حضرة بؤسها الباذخ، استنشق مرارة مؤكّدة الملامح، لا طائل من التوقف أو قول كفى.

كما لا جدوى من الغمغمة أثناء اكتراء عبث بارد.

كلهم واضحون، غارقون في القهقهة، وهم يغمسون أصابعهم بوحل رخيص جداً.

انتحى إزاء الحائط، أخرج آخر سيجارة من جعبته، أراد أن يكلّمه بصراحة، يشرح له أسباب غضبه المفاجئ، ويعتذر له على البصقة السخيفة. أقسم له بكل شريعة سماوية والدمعة تكاد تقفز أدناه، أنه لن يكررها ثانية أبدا.


كاتبة من العراق