الطيش والغياب في حال النقد الروائي العربي

حين كتب سارتر مقاله الصادم “ولن أقول اللاذع كما قيل آنذاك” ضد فرنسوا مورياك بعنوان “السيد مورياك والحرية” سببت كتابته تلك فوضى كبيرة وألماً لمورياك الذي رغم جمال وشهرة أعماله الأدبية إلا أنّه لم يكن يزل بعد ضمن الخط الكلاسيكي للرواية. كان الأمر صادماً بسبب ما جاء في نصّ المقال من رفض ونسف كل البنية التحتية لأدب مورياك ولكن وخاصة بسبب أن سارتر لم يكن بعد سوى كاتب صغير غير معروف في الوسط الأدبي، بينما مورياك في أوج مسيرته الأدبية التي كانت قد ابتدأت منذ 1909.

الجديد  هيفا نبي [نُشر في 01/08/2017، العدد: 31، ص(126)]

لوحة: علاء شرابي
في تلك المقالة التي لا زالت تحتفظ ذاكرة المهتمين بها بالعبارة الشهيرة فيها “الله ليس صاحب موهبة فنية، مورياك ليس كذلك أيضاً” انتقد سارتر سيطرة مورياك على شخصياته الروائية وعدم اعترافه بحريتها في خوض تجاربها الخاصة بعيداً عن خالقها مورياك، فكتب “هل تريدون أن تحيا شخصيّاتكم الروائية؟ اجعلوها حرة إذن”. هذه الحرية ليست كلمة تقال بالنسبة إلى سارتر بل قضية حياة مقابل الموت الذي يرى سارتر أن رائحته تنبعث من أفضل الأعمال النفسية الأدبية.

ما انتقده سارتر بشدة في أعمال مورياك وخاصة في روايته “نهاية الليل” هو نظرة مورياك الإلهية لكائناته، نظرة العالِم المطلق بالكون وخفاياه. فالروائي هنا هو مَن يقرر، مَن يرى داخل وخارج شخصياته، من يرى ظاهر وباطن أجسادها ونفوسها، من يصنف ويشرح ويطلق أحكاماً، وبالمختصر من يتصرف بأنانية تجاه عالمه الروائي. إضافة إلى أن كل تلك الوسائل ما هي إلا تشييء للكائنات الروائية التي يتوجب عليها أن تبدو حية وحرة في أفعالها لتكون مقنعة للقارئ. وتعدّى الأمر إلى اعتبار سارتر كلام مورياك ككلام الكتاب المقدس بالنسبة إلى المتدينين وهو ما كان أشد إيلاماً على مورياك.

ما انتقده سارتر في مورياك وبعده كان نقداً للتراث التقليدي للرواية خاصة بعد اجتياح الأدب الأميركي من دوس باسوس ووليم فوكنر لفرنسا واستخدام تقنياتهما الروائية من قِبل غيرهم من الروائيين في الغرب.

تلك الضجة التي أحدثتها هذه المقالة المنشورة في (NRF) شباط/فبراير 1939 جرّت الكثير من الجدالات حول أحقية سارتر أو أحقية مورياك. فمن انضم إلى صف سارتر اندفع نتيجة اعترافه بمبدأ الحرية التي هي أساس التجربة الإنسانية للإنسان والعمود الفقري لأعماله الإبداعية. ومن وقف في صف مورياك دفاعاً عنه فقد اعتبر أن تلك الطريق التي سلكها مورياك هي طريقته في التعبير وليست بالضرورة خطأًّ تقنياً، مضيفين فيما بعد إلى صحة آرائهم الأخطاء الكثيرة التي ارتكبها سارتر نفسه في أدبه الروائي ومنها إخضاع أدبه في سبيل بث أفكاره وتوجّهاته الفلسفية (كما قال عنه كونديرا لاحقاً). كما اعتبر آخرون أن انتقاد سارتر لمورياك هو نوع من محاولة إقحام الأول لنفسه في الوسط الأدبي وخلق دعاية وضجّة حوله، متناسين الفكرة القوية التي تصب في مصلحة الرواية وتطويرها قبل كل شيء، والتي كان سارتر قد تأثر بها نتيجة قراءاته الفلسفية واطّلاعه على الأدب الأميركي آنذاك.

أما الفئة الثالثة فقد أرجأت حصر حرية شخصيات مورياك إلى آثار العصر وليس للتقنية الروائية للروائي، مستشهدين بأعمال بيكيت وكافكا والعالم المقيّد لأبطالهم. لكن حقيقةً، ذلك التقييد المنبعث من صورة العصر المنعكسة في العمل الروائي لا يمت بصلة للتقييد الذي يمارسه الروائي نفسه على شخوصه، من حيث أن آثار القيد تظهر واضحة في حياة الخلائق لا في قلم الخالق نفسه. ثم لم يكن الأمر متعلقاً بالتقنية بقدر تعلقه بالنظرة الفكرية للكاتب تجاه شخصياته ومن ثم بنظرته للعالم. كان سارتر ذكياً في طرحه وكان على مخالفي رأيه أن يخففوا من حُكم محكمته القاسي.

والآن وبعد نحو سبعة عقود على تلك الأحداث، ما الذي يحتفظ به قارئ اليوم؟ كلام سارتر وإيذاؤه، أم ألم مورياك؟ لا هذا ولا ذاك، رغم أن النقاش لم يتوقف بعد. ما كان هو حدثٌ مرَّ وعَبَر ولكلا الفريقين استحقاقاتهم العابرة للزمن والواضحة لحاضرنا نحن. لكن ما بقي لنا أو ما كان الأكثر رسوخا هو الدفع القوي للرواية بجرحها ذلك الجرح الذي ارتكبه سارتر وعانى منه مورياك. في ذلك الجدال تشكلت حلقة نقاشات لا تنتهي، لكن كلها نقاشات تصبّ في مصلحة الرواية، ومن أجل هذه المصلحة بالذات كان يجب على أحد ما أن يتكلم.

كان يجب على أحد ما أن يتكلم إذن! وتكلّم سارتر. لكن مَن يتكلم هنا والآن في عالم الرواية العربية (أو المكتوبة باللغة العربية)؟ من ينظر للرواية على أنها ميراث تجب الغيرة عليه لدرجة حمايته وليس التشجيع على ممارسته فحسب؟ من يقنع المتخوّفين من الانتقاد والنقد أن تطور الرواية لا يقف عند حد وأن جمالها يعني تجديدها على الدوام وأن أيّ فكرة تطويرية صغيرة يمكنها أن تُحدث فرقا كبيراً في الثراء الأدبي الروائي بمجمله.

في عالم الرواية العربية (الرواية وليس الشعر) لم نزل نفتقد الأصوات التي تنتقد عملاً روائياً بنيّة دفعهِ إلى الأمام، وهذا لا يعني بالضرورة أن الآراء غير مكتملة في الأذهان بل إن التصريح من الصعوبة بحيث أن كل ذي رأي يبتلع رأيه ويقوّي نفسه على الإنصات والسكوت بدل أن يقويها على النقد والارتماء في المغامرة. إضافة إلى أن كل نقد يجب أن يصحبه تفريق بين النقد كفن وبين المديح والذم كطيش لا أدبي.

سؤال النقد اليوم، كما كان على الدوام، هو قضية بناء. لا يمكن لشيء إنقاذ الرواية وتدعيم بنائها ودفعها إلى الأمام وإزالة الشوائب العالقة بها سوى النقد ونظرياته، خاصة مع صعود الروايات المسيّسة بشكل مخيف وتوفّر الخلطات الجاهزة لكتابة الروايات في متناول كل يد.

مهمة النقد الأدبي العربي لفن الرواية لم تزل خجولة، فخارج التأثير الملهم من النقاد الغربيين وخاصة الفرنسيين في القرن العشرين لا نكاد نرى أيّ اتجاهات مثمرة وفاعلة. كما أن العناية بالنقد الروائي كفنّ بحد ذاته تكاد تكون معدومة، فلا جلسات نقدية مدعمة إعلامياً، ولا مؤتمرات دورية خاصة به ولا جوائز للكتابات النقدية البارزة (إلّا ما ندر) ولا ترجمة وافرة للأعمال النقدية العالمية إلا القديم منها مع تطبيقاتها في مجال الشعر أكثر من الرواية.

بعد سنوات طويلة صرح مورياك بأن توقّفه عن كتابة الرواية كانت بدرجة كبيرة نتيجة الصدمة التي خلفتها مقالة سارتر ضده فقال “إن واحدة من رواياتي تم إيذاؤها من قبل سارتر، الذي لم يكن كاتباً شاباً فحسب بل كذلك فخر جيله كاملاً”.

سيعترف المُساء إليه بمكانة المسيء إذن، وسيبقى لنا نحن -القراء والمتذوّقون للفنّ الروائي- فهم المبتغى من الصراعات النقدية التي لن تتوانى عن الاعتراف بذكائنا، فتقديم الأفضل لنا على الدوام.


كاتبة وأكاديمية سورية مقيمة في ألمانيا