إسفنجة الكلام

الجديد  محمد ميلاد [نُشر في 01/08/2017، العدد: 31، ص(128)]

لم يكن شاعرا جوّالا أو شاعرا غنائيا أو تراثيا أو مجدِّدا،

بل إنه لا يعتبر نفسه شاعرا أساسا،

هو الذي لا يَجْرُؤُ على التلفظ باسمه حتى ولو كان عاريا…

لكنه داس سهوا إسفنجة الكلام،

ولم ينفجر من مسامّها سوى الصمت.

في رُغاء القتلى خبّأ عظامَه

ولم يعرف كيف يجدها،

ربما لم يَفطَنْ إليها

وقد تحوّلتْ إلى رماح لا تصيب.

استبدل اسمَه بمرآةٍ مشروخة

ليتلصّص منها على وجهه،

وأفرط في التلويح بيده

حتى استحالت جناحا،

وبما أنه لم يكن يحلم بالطيران،

أخذ يراوغ الغيوم ورنين الكلمات.

كان من السهل عليه أن يسرق جُمَله المعطلة في مجرى الحدْس

من زهرة ذابلة أو نهر نضَب قبل أن يبلغ البحرَ

ويَصْفِقَ دفّتَيْ كتابه…

لكنه عندما أرهف سمعه للأرَض يتأكّل جذوعَ أشجار بعيدة،

محا سطوره كي تظلّ راعفة في صدره،

ثم اندسّ في غليانِ موجة لا تصل إلى مكان.

*/////////////////////*************//////////*

السَمــَامة

(السمامة واحدة السَمائم: هي ضرب من الطير كالخطّاف لا يُقدَرُ على الوصول إلى بيضه؛ وعليه قول العرب “كلفْتَني بيضَ “السمائم” أي ما لا يكون أو لا يُستطاع) [المنجد في اللغة والأعلام]

ما إن تنبثقُ من السماء

تُجَفّلها الأرضُ

ولا تعرف كيف تؤوب.

لا تـُرى إلا عابرة،

عبورُها خاطف،

كأنها سهمٌ ترافقه قوسُه،

لكنْ إلى أين؟

في رحلتها

لا يعيقها طيرانُها عن النوم أو السِّفاد،

ولا تحتاج إلى ذكرياتٍ

تستعيدها في زعيقها.

تتشرّد في الجوّ بلا موطن

فهي لا تعرف كيف تخطو برجليها الصغيرتين

على التراب،

لكنها قد تحط فجأة على شجر في الخيال،

كأنها الزمان!

*/////////////////////*************//////////*

الجذور

مثلما يتقدّم البياضُ الظاهرُ في أصْل الظفر،

تتقدم الجذور في التراب بصمت،

لِتقتات من الظلام البِكْر كالديدان،

تحفر تحت الأسيجة وتلتفّ حول كل ما يعترض سبيلها

ناسجة بخيوطها التي تستدقّ حتى تغدوَ كالشعيرات

شبكاتٍ من المحال الكشف عنها دون أن تُفَضّ

بكارتُها.

لكنها من فرط امتدادها

قد تصبح جذاميرَ فتتيه عن جذوعها

بحيث لا تُميَّز بدايتُها من نهايتها…

تحاول عبثا أن تتذكر مركزها،

فتجرِّر معسكراتِها على السواحل وفي الوديان والمستنقعات

وتقتحم المياه كاشفة عن رُكَبِها المتورّمة

لا يُغْويها سوى جَسِّ الطين الليّن من مكان إلى آخر،

لا تعرف هل هي تبحث عن نبض الأرض أم نبض الماء.

ما إن تتلمّسُ مَجَاسّها طريقا حتى تتحوّل عنه

خشية أن تتشابه،

لا تشغلها على السّطح حتى الفروعُ، أمّا الأوراقُ

فلا يَضيرُها أن تتكرّر بما أنها آيلة للسقوط.

من الصّعب أن يُشفى الشعراءُ

من فتنة التشبّه بجذور الصّبّار التي لا يُرْويها عطشٌ

فلا تورِقُ إلا أشواكا بلون الأظفار التي تنبثق من اللحم.

ومن فرط انبهارهم بأشكال الصّباريات الغريبة:

مثل القامات اللحِيمة الشائكة

بأطرافها أو المبتورة الأطراف،

والصواري العالية التي تتوسّط

أوراقا طويلة تنتهي

بنصال سُود،

والأكفّ الثخينة المتلاحمة

بأصابعها المزهرة التي ستستحيل ثمَرا،

يعتقدون أنها آلامُهم الغائرة وقد تجسّدَتْ…

أما زارعو صبّاريات الأصُص فغالبا ما يكُونون من هواة

استعراضِ المشاعر المصطنعة…

وبما أنه يتعذر تدجين الصبّاريّات الكبيرة،

تُساق بعض أنواع الشجر إلى الحواضر عنوة

لتصطف في الشوارع،

إنها تمدّ طوعا أغصانها للتشذيب،

أما جذورُها فهي قويّة أحيانا إلى درجة أنها

تفجّر الأرصفة تحت أقدامنا.

سأترك نباتَ الفطر وشأنَه فهو بلا جذور،

فضلا عن أنه سريع التّلف

خلافا للطفيليات التي تستبسل جذورُها

في حين أنها تمتصّ نسْغَ نباتات أخرى،

ولنباتِ النّجيلِ الذي يذهب ذهابا بعيدا

ويصعب استئصال عروقه بكاملها.

ليس من الحكمة الاستخفاف بالطحالب التي تنفرش

كالبُسُط على سطوح البيوت وعلى الأحجار

وجذوع الأشجار،

فرغم أنها لا ترفع رؤوسها في الهواء،

ولا تتشبث بجذور حقيقية قد لا تكون سوى هلوسات،

إلا أنها تفتت حتى الصخور

بما تفرزه من الأحماض،

كمثل الصدإ الذي يتأكّل الحديدَ،

وتظلّ مستديمة الخضرة، لا تموت ولا ترتفع،

كأنها لم تولد أصلا…

قد لا تكون الكلمات في النهاية سوى طحالب!


شاعر من تونس