إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬وثنائية‭ ‬الأنا‭ ‬والآخر

نقد‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬لمشروع‭ ‬‮«‬الاستشراق‮»‬‭ ‬وعلاقة‭ ‬الأنا‭ ‬بالآخر،‭ ‬يمكن‭ ‬اختزاله‭ ‬في‭ ‬استعارة‭ ‬‮«‬المانوية‮»‬‭ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬طرحها‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬جان‭ ‬محمد‭ ‬في‭ ‬محاولته‭ ‬تطوير‭ ‬فكرة‭ ‬جنينية‭ ‬لفرانز‭ ‬فانون‭ ‬تؤكد‭ ‬على‭ ‬الطبيعة‭ ‬الضدية‭ ‬في‭ ‬ثنائية‭ ‬النور‭ ‬والديجور،‭ ‬وهي‭ ‬الثنائية‭ ‬التي‭ ‬سبر‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬عملية‭ ‬‮«‬الشيطنة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬يتعرض‭ ‬لها‭ ‬الآخر‭ ‬باستمرار‭.‬

الجديد  خلدون الشمعة [نُشر في 01/08/2017، العدد: 31، ص(132)]

لوحة: أسامة النصار
هذه ‭ ‬الاستعارة‭ ‬هي‭ ‬بمثابة‭ ‬مفهوم‭ ‬مفتاحي‭ ‬يحتل‭ ‬موقعاً‭ ‬مركزياً‭ ‬في‭ ‬النقد‭ ‬الذي‭ ‬يطلق‭ ‬عليه‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬نقد‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الاستعمار‮»‬‭ ‬

(post‭ ‬colonial‭ ‬criticism).

ولعل‭ ‬من‭ ‬المفارقة‭ ‬القول‭ ‬أن‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬مؤسسي‭ ‬هذا‭ ‬الضرب‭ ‬من‭ ‬النقد‭ ‬الذي‭ ‬تأخر‭ ‬الاعتراف‭ ‬الممأسس‭ ‬به‭ ‬كمنهج‭ ‬مؤثر‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬حتى‭ ‬التسعينات،‭ ‬لم‭ ‬يتطرق‭ ‬إلى‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬نقد‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الاستعمار‮»‬‭ ‬بالذكر‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬كتابيه‭ ‬‮«‬الاستشراق‮»‬‭ ‬الصادر‭ ‬عام‭ ‬1978‭ ‬و»الثقافة‭ ‬والامبريالية‮»‬‭ ‬الصادر‭ ‬عام‭ ‬1993‭.‬

ولكن‭ ‬من‭ ‬المحقق‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الاستشراق‮»‬‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬المآل‭ ‬الأخير،‭ ‬العمل‭ ‬الذي‭ ‬دشن‭ ‬ظهور‭ ‬هذا‭ ‬الضرب‭ ‬من‭ ‬النقد‭ ‬التعددي‭ ‬المنزع‭ ‬Interdisciplinary‭ ‬بمقارباته‭ ‬التي‭ ‬تمتح‭ ‬من‭ ‬معين‭ ‬أنظمة‭ ‬معرفية‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬سبر‭ ‬المركزية‭ ‬الأوروبية‭ ‬وإماطة‭ ‬اللثام‭ ‬عن‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الآخر‭.‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬استبصارات‭ ‬‮«‬فوكو‮»‬،‭ ‬وفي‭ ‬طليعتها‭ ‬تشديده‭ ‬على‭ ‬نفي‭ ‬براءة‭ ‬المعرفة،‭ ‬واعتبارها‭ ‬وثيقة‭ ‬الصلة‭ ‬بمفهوم‭ ‬السلطة،‭ ‬قد‭ ‬أسهمت‭ ‬بنيوياً‭ ‬في‭ ‬بلورة‭ ‬أطروحة‭ ‬نقض‭ ‬مؤسسة‭ ‬الاستشراق‭ ‬وتحديد‭ ‬معالمها‭ ‬المنهجية‭ ‬وتفكيك‭ ‬استراتيجيتها‭ ‬المعلنة‭ ‬والكشف‭ ‬عن‭ ‬غاياتها‭ ‬المستترة‭.‬

فهذه‭ ‬الأطروحة‭ ‬تحدد‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬المدى‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعد‭ ‬فيه‭ ‬معرفة‭ ‬‮«‬الآخر‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الشرق‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬اخترعته‭ ‬أوروبا‭ ‬وروجت‭ ‬له،‭ ‬مجرد‭ ‬كيان‭ ‬أيديولوجي‭ ‬مصنوع،‭ ‬نشأ‭ ‬وترعرع‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬ملازم‭ ‬لنمو‭ ‬الكولونيالية،‭ ‬فأصبح‭ ‬ماثلاً‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الأنطولوجي‭ ‬باعتباره‭ ‬خطاب‭ ‬كينونة‭ ‬جوهراني‭ ‬يكرس‭ ‬أسطورة‭ ‬الطبائع‭ ‬الثابتة‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الإبستمولوجي‭ ‬باعتباره‭ ‬حصيلة‭ ‬معرفية‭ ‬لدراسات‭ ‬تصدر‭ ‬عن‭ ‬نزعة‭ ‬مركزية‭ ‬أوروبية‭ ‬متجذرة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

وبهذا‭ ‬المعنى‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬أن‭ ‬الكتاب‭ ‬لا‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬الثقافات‭ ‬غير‭ ‬الغربية‭ ‬بل‭ ‬حول‭ ‬تمثيلات‭ ‬الغرب‭ ‬لهذه‭ ‬الثقافات‭ ‬وبخاصة‭ ‬نظام‭ ‬الاستشراق‭ ‬الذي‭ ‬أقيم‭ ‬بواسطة‭ ‬أنظمة‭ ‬معرفية‭ ‬متعددة‭ ‬كفقه‭ ‬اللغة‭ ‬والتاريخ‭ ‬وعلم‭ ‬الإناسة‭ ‬والفلسفة‭ ‬والأركيولوجيا‭ ‬والأدب‭.‬

ويكشف‭ ‬سعيد‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬صناعة‭ ‬الآخر‭ ‬‮«‬الشرق‮»‬‭ ‬أو‭ ‬أسطرته‭ ‬بواسطة‭ ‬النصوص‭ ‬الأدبية‭ ‬والثقافية،‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬عززت‭ ‬طرق‭ ‬وأساليب‭ ‬النظر‭ ‬إليه‭ ‬وأسهمت‭ ‬بالتالي‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬جهاز‭ ‬السلطة‭ ‬الكولونيالية،‭ ‬يقول‭:‬

‮«‬هذه‭ ‬النصوص‭ ‬قادرة‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬المعرفة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬يبدو‭ ‬أنها‭ ‬تصفه‭. ‬وبمرور‭ ‬الزمن‭ ‬تنتج‭ ‬هذه‭ ‬المعرفة‭ ‬وهذا‭ ‬الواقع‭ ‬تراثاً،‭ ‬أو‭ ‬قل‭ ‬خطاباً‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬تعبير‭ ‬فوكو،‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬حضوره‭ ‬المادي‭ ‬أو‭ ‬أثره‭ ‬في‭ ‬أصالة‭ ‬مؤلف‭ ‬بعينه،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬كونه‭ ‬الخطاب‭ ‬المعتمد‭ ‬في‭ ‬النصوص‭ ‬التي‭ ‬تصدر‭ ‬عنه‮»‬‭.‬

2

ويحاجج‭ ‬سعيد‭ ‬في‭ ‬عرضه‭ ‬لأطروحة‭ ‬‮«‬الاستشراق‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تدشن‭ ‬نهجاً‭ ‬جديداً‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬‮«‬الكولونيالية‮»‬،‭ ‬بالقول‭ ‬ان‭ ‬تمثيلات‭ ‬الآخر‭ ‬و‭ ‬‮«‬الشرق‮»‬‭ ‬تحديداً‭ ‬في‭ ‬النصوص‭ ‬الأدبية‭ ‬الأوروبية،‭ ‬وأدب‭ ‬الرحلات،‭ ‬والكتابات‭ ‬الأخرى،‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬عززت‭ ‬فكرة‭ ‬الثنائية‭ ‬الضدية‭ ‬الجوهرانية‭ ‬الطابع‭ ‬والتي‭ ‬تكرس‭ ‬مفهوم‭ ‬القطيعة‭ ‬بين‭ ‬الأنا‭ ‬والآخر‭ ‬على‭ ‬المستويين‭ ‬الأنطولوجي‭ ‬والإبستمولوجي‭.‬

كما‭ ‬يبين‭ ‬كيف‭ ‬احتل‭ ‬مفهوم‭ ‬القطيعة‭ ‬موقعه‭ ‬المركزي‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬الثقافة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬وتمكن‭ ‬بذلك‭ ‬من‭ ‬تعزيز‭ ‬الهيمنة‭ ‬Hegemony‭ ‬بالمعنى‭ ‬الذي‭ ‬يطرحه‭ ‬‮«‬غرامشي‮»‬‭.‬

هكذا‭ ‬يبدد‭ ‬سعيد‭ ‬دخان‭ ‬الهالة‭ ‬المحيط‭ ‬بمفهوم‭ ‬‮«‬المعرفة‮»‬‭ ‬وموقعها‭ ‬من‭ ‬تراتبية‭ ‬الدرس‭ ‬الثقافي‭ ‬الأوروبي،‭ ‬فتبدو‭ ‬الخطوط‭ ‬التي‭ ‬تفصل‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أيديولوجي‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬موضوعي‭ ‬متداخلة‭ ‬يصعب‭ ‬تمييزها‭. ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬تتشكل‭ ‬فيها‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الأنا‭ ‬والآخر‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬من‭ ‬علاقة‭ ‬يتعايش‭ ‬فيها‭ ‬الحب‭ ‬والكراهية‭ ‬Ambivalence‭ ‬تجاه‭ ‬الشرق،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الشأن‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬ريتشارد‭ ‬برتون‭ ‬مترجم‭ ‬‮«‬ألف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلة‮»‬‭ ‬ورباعيات‭ ‬الخيام،‭ ‬فإن‭ ‬التحيز‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬كما‭ ‬يراه‭ ‬سعيد،‭ ‬يبدو‭ ‬ممعناً‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬عملية‭ ‬إقصاء‭ ‬البحث‭ ‬الموضوعي‭ ‬باستمرار‭.‬

واللافت‭ ‬ان‭ ‬ترجمات‭ ‬برتون‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يحشوها‭ ‬بالعبارات‭ ‬الجنسية‭ ‬المكشوفة‭ ‬التي‭ ‬يعبر‭ ‬بواسطتها‭ ‬عن‭ ‬الكبت‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعاني‭ ‬منه‭ ‬المجتمع‭ ‬الفيكتوري،‭ ‬لم‭ ‬تلبث‭ ‬أن‭ ‬صارت‭ ‬جزءاً‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬وصفه‭ ‬الوهمي‭ ‬لكيان‭ ‬أيديولوجي‭ ‬مصنوع‭ ‬هو‭ ‬الشرق،‭ ‬يكتسب‭ ‬ملامحه‭ ‬من‭ ‬إبستمولوجيا‭ ‬الاستشراق‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تمر‭ ‬عبر‭ ‬مصفاة‭ ‬ثقافية‭ ‬متحيزة،‭ ‬تؤكد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬‮«‬دراسة‮»‬‭ ‬الشرق‭ ‬ليست‭ ‬موضوعية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬تعبير‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭: ‬‮«‬رؤية‭ ‬سياسية‭ ‬لواقع‭ ‬يعزز‭ ‬بنيته‭ ‬الاختلاف‭ ‬بين‭ ‬المألوف‭ ‬(أوروبا،‭ ‬الغرب،‭ ‬نحن)‭ ‬وبين‭ ‬الناشز‭ ‬(الشرق‭ ‬أو‭ ‬الآخر)‭... ‬وعندما‭ ‬يستخدم‭ ‬الباحث‭ ‬مقولات‭ ‬كالشرقي‭ ‬والغربي‭ ‬باعتبارها‭ ‬نقاط‭ ‬البداية‭ ‬والنهاية‭ ‬في‭ ‬التحليل‭ ‬والبحث‭ ‬ورسم‭ ‬السياسات‭ ‬العامة…‭ ‬فإن‭ ‬الحصيلة‭ ‬هي‭ ‬حدوث‭ ‬استقطاب‭ ‬يصبح‭ ‬الشرقي‭ ‬بموجبه‭ ‬أشد‭ ‬شرقية،‭ ‬والغربي‭ ‬أشد‭ ‬غربية،‭ ‬فيضع‭ ‬ذلك‭ ‬حداً‭ ‬للتلاقي‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الثقافات‭ ‬والأعراف‭ ‬والتقاليد‭ ‬والمجتمعات‮»‬‭.‬

وهذا‭ ‬الاستقطاب‭ ‬أو‭ ‬الثنائية‭ ‬الضدية‭ ‬كما‭ ‬يراها‭ ‬سعيد،‭ ‬ضرورية‭ ‬جداً‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬تصور‭ ‬الذات‭ ‬الأوروبية‭ ‬لنفسها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الآخر‭ ‬الشرقي‭. ‬ذلك‭ ‬لأنه‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الشرق‭ ‬المُستعمر‭ ‬غير‭ ‬عقلاني‭ ‬فإن‭ ‬معنى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬يصير‭ ‬الأوروبي‭ ‬هو‭ ‬العقلاني‭. ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬الشرقيون‭ ‬همجاً‭ ‬وشهوانيين‭ ‬وخاملين‭ ‬(حسب‭ ‬خطاب‭ ‬الاستشراق)‭ ‬فإن‭ ‬أوروبا‭ ‬ستبرز‭ ‬بالمقابل،‭ ‬باعتبارها‭ ‬الحضارة‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬ضبط‭ ‬شهوات‭ ‬أبنائها‭ ‬الجنسية‭ ‬والانتصار‭ ‬لقيم‭ ‬العمل‭ ‬الشاق‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬عادات‭ ‬الكسل‭ ‬والخمول‭. ‬بل‭ ‬لعل‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الشرق‭ ‬يتسم‭ ‬بالثبات‭ ‬والجمود‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يعزز‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬الغرب‭ ‬متحول‭ ‬باستمرار‭. ‬وهكذا‭ ‬تكشف‭ ‬هذه‭ ‬الثنائية‭ ‬الضدية‭ ‬عن‭ ‬مانوية‭ ‬ثقافية‭ ‬ذات‭ ‬طبيعة‭ ‬جوهرانية،‭ ‬يصير‭ ‬الشرق‭ ‬فيها‭ ‬مؤنثاً‭ ‬لكي‭ ‬تتمكن‭ ‬أوروبا‭ ‬من‭ ‬لعب‭ ‬دور‭ ‬الذكر‭ ‬المتسم‭ ‬بالفحولة‭.‬

3

هذه‭ ‬المركزية‭ ‬الأوروبية‭ ‬يمكن‭ ‬إدراجها‭ ‬ضمن‭ ‬نزعة‭ ‬أشمل‭ ‬منها‭ ‬هي‭ ‬المركزية‭ ‬‮«‬الإثنية‮»‬‭ ‬ونعني‭ ‬بها‭ ‬الميل‭ ‬إلى‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬خصائص‭ ‬الحضارات‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬المجموعة‭ ‬الإثنية‭ ‬التي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها‭ ‬المراقب‭.‬

وغالباً‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬الأحكام‭ ‬الثقافية‭ ‬(الحضارية)‭ ‬التي‭ ‬يسفر‭ ‬عنها‭ ‬هذا‭ ‬التقويم‭ ‬للآخر‭ ‬سلبية‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الحط‭ ‬عمداً‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬الثقافات‭ ‬المغايرة‭.‬

وبهذا‭ ‬المعنى‭ ‬فإن‭ ‬المركزية‭ ‬الأوروبية‭ ‬تصبح‭ ‬شكلاً‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬هذه‭ ‬المركزية‭ ‬الإثنية،‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬تكريس‭ ‬أوروبا‭ ‬مركزاً‭ ‬للعالم،‭ ‬وتعد‭ ‬ثقافتها‭ ‬متفوقة‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭ ‬تفوقاً‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الكينونة‭.‬

ولعل‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬الفكر‭ ‬الذي‭ ‬تتحكم‭ ‬فيه‭ ‬النزعة‭ ‬المركزية‭ ‬الأوروبية‭ ‬زعم‭ ‬‮«‬هيغل‮»‬‭ ‬أن‭ ‬أفريقيا‭ ‬لا‭ ‬تشكل‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬العالم،‭ ‬وزعم‭ ‬ماركس‭ ‬بعده‭ ‬بسنوات‭ ‬أن‭ ‬الهند‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬تاريخ‭ ‬وان‭ ‬من‭ ‬مآثر‭ ‬الاستعمار‭ ‬البريطاني‭ ‬أنه‭ ‬سيدخل‭ ‬شبه‭ ‬القارة‭ ‬الهندية‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الأوروبي‭.‬

بإلغاء‭ ‬التاريخ‭ ‬المغاير‭ ‬إذاً،‭ ‬توفر‭ ‬النزعة‭ ‬المركزية‭ ‬الأوروبية‭ ‬للمستشرق‭ ‬فرصة‭ ‬اللجوء‭ ‬عن‭ ‬وعي‭ ‬أو‭ ‬لاوعي‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬من‭ ‬السبل‭ ‬لإلغاء‭ ‬الآخر‭ ‬المغاير‭ ‬وترسيخ‭ ‬سلطته‭ ‬عليه‭.‬

وبهذا‭ ‬الإلغاء‭ ‬الذي‭ ‬يبدأ‭ ‬بحق‭ ‬القوة‭ ‬ليتحول‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬الحق،‭ ‬يضفي‭ ‬المشروعية‭ ‬على‭ ‬تصوره‭ ‬للآخر،‭ ‬ويظهر‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬باعتباره‭ ‬حقيقة‭ ‬ثابتة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الكينونة‭.‬

ولعل‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬مؤشرات‭ ‬المركزية‭ ‬الأوروبية‭ ‬كما‭ ‬يبين‭ ‬خوسيه‭ ‬راباسا‭ ‬أن‭ ‬خارطة‭ ‬العالم‭ ‬التي‭ ‬رسمها‭ ‬الرحالة‭ ‬والجغرافيون‭ ‬الأوروبيون‭ ‬أكدت‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬القارة‭ ‬هي‭ ‬مركز‭ ‬ومصدر‭ ‬المعنى‭ ‬الحضاري‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬المعنى‭ ‬المكاني‭ ‬للعالم‭ ‬بأسره‭.‬

فهؤلاء‭ ‬الرحالة‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬يطلقون‭ ‬الأسماء‭ ‬التي‭ ‬تروق‭ ‬لهم‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬بقاعه،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬الإسم‭ ‬الجديد‭ ‬يكتسب‭ ‬دلالة‭ ‬الخلق‭ ‬من‭ ‬عدم‭.‬

ويمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬فكرة‭ ‬أوروبا‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬وحدة‭ ‬حضارية‭ ‬جامعة‭ ‬مانعة‭ ‬تمثل‭ ‬مركز‭ ‬العالم‭ ‬وتدل‭ ‬على‭ ‬تفوق‭ ‬المركز‭ ‬على‭ ‬الأطراف،‭ ‬وفقاً‭ ‬للتصور‭ ‬الاستشراقي،‭ ‬تبلورت‭ ‬واكتملت‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭. ‬وقد‭ ‬تعززت‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬تزامن‭ ‬مع‭ ‬نجاح‭ ‬حركة‭ ‬الاكتشافات‭ ‬الجغرافية‭ ‬والاستعمار‭ ‬والتجارة‭ ‬وما‭ ‬رافق‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬رسوخ‭ ‬السلطة‭ ‬الفكرية‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬كالمدارس‭ ‬والجامعات‭ ‬التي‭ ‬أنشأها‭ ‬المركز‭ ‬الأوروبي‭ ‬في‭ ‬الأطراف،‭ ‬فتمكن‭ ‬بذلك‭ ‬من‭ ‬إحلال‭ ‬القيم‭ ‬الأوروبية‭ ‬محل‭ ‬القيم‭ ‬المحلية‭.‬

وقد‭ ‬كانت‭ ‬صناعة‭ ‬‮«‬شرق‮»‬‭ ‬مغاير‭ ‬للغرب،‭ ‬يمتلك‭ ‬خصائص‭ ‬عنصرية‭ ‬تتسم‭ ‬بالثبات‭ ‬والاستعصاء‭ ‬على‭ ‬التغير،‭ ‬إحدى‭ ‬نتائج‭ ‬الأنثروبولوجيا‭ ‬الثقافية‭ ‬الاستشراقية‭ ‬التي‭ ‬كشف‭ ‬عنها‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬الذي‭ ‬انطلق‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬علاقة‭ ‬شرعية‭ ‬المعرفة‭ ‬بالقوة،‭ ‬مبرزاً‭ ‬خطل‭ ‬مفاهيم‭ ‬شائعة‭ ‬مثل‭: ‬‮«‬العقل‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬و‭ ‬‮«‬النفسية‭ ‬العربية‮»‬‭ ‬و‭ ‬‮«‬العقلية‭ ‬العربية‮»‬‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬المصطلحات‭ ‬الجوهرانية‭ ‬التي‭ ‬تصطنع‭ ‬نقاط‭ ‬المغايرة‭ ‬اصطناعاً‭ ‬وتفسد‭ ‬البحث‭ ‬الذي‭ ‬يزعم‭ ‬لنفسه‭ ‬نشدان‭ ‬الموضوعية‭.‬

4

هذا‭ ‬التحليل‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬سبر‭ ‬العلاقة‭ ‬الجدلية‭ ‬بين‭ ‬مفهومي‭ ‬الغرب‭ ‬والشرق،‭ ‬مستمد‭ ‬من‭ ‬تفكيكية‭ ‬دريدا،‭ ‬وبالتحديد‭ ‬نقده‭ ‬لمفاهيم‭ ‬‮«‬المركز‮»‬‭ ‬و‭ ‬‮«‬الهامش‮»‬‭ ‬و‭ ‬‮«‬الأنا‮»‬‭ ‬و‭ ‬‮«‬الآخر‮»‬‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬سعيد‭ ‬يحاجج‭ ‬بالقول‭ ‬إن‭ ‬‮«‬هامش‮»‬‭ ‬الشرق‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬‮«‬مركز‮»‬‭ ‬الغرب‭. ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الآخر‮»‬‭ ‬الشرقي‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬انعكاس‭ ‬لوجهة‭ ‬النظر‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬صنعته‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يتردد‭ ‬سعيد‭ ‬في‭ ‬انتقاد‭ ‬تركيز‭ ‬دريدا‭ ‬الشديد‭ ‬على‭ ‬بؤرة‭ ‬لسانية‭ ‬تكاد‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬حلقة‭ ‬مفرغة‭.‬

كما‭ ‬لا‭ ‬يتردد‭ ‬في‭ ‬التصدي‭ ‬لأطروحة‭ ‬الناقد‭ ‬البريطاني‭ ‬ماثيو‭ ‬أرنولد(1822-1888)‭ ‬الذي‭ ‬يعتبره‭ ‬ليونيل‭ ‬ترلنغ‭: ‬‮«‬المؤسس‭ ‬الحقيقي‭ ‬للنقد‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الناطق‭ ‬بالانكليزية‮»‬‭. ‬ففي‭ ‬كتاب‭ ‬أرنولد‭ ‬‮«‬الثقافة‭ ‬والفوضى‮»‬‭ ‬تلعب‭ ‬الثقافة‭ ‬دور‭ ‬الكابح‭ ‬لانتشار‭ ‬الفوضى‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬سعيد‭ ‬يدلل‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬الثقافة‭ ‬لا‭ ‬تكبح‭ ‬جماح‭ ‬الفوضى‭ ‬بل‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬الإمبريالية‭.‬

وأما‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬التي‭ ‬يطورها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬النزعة‭ ‬الإمبريالية‭ ‬في‭ ‬النصوص‭ ‬التي‭ ‬يشتغل‭ ‬عليها‭ ‬فيلخصها‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬القراءة‭ ‬الطباقية‮»‬‭ ‬Contrapuntal‭ ‬reading‭ ‬وقد‭ ‬ابتكر‭ ‬سعيد‭ ‬هذا‭ ‬المصطلح‭ ‬المستعار‭ ‬من‭ ‬الموسيقى‭ ‬بهدف‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬ملابسات‭ ‬النزعة‭ ‬الإمبريالية‭ ‬الثاوية‭ ‬وراء‭ ‬نصوص‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬الأدب‭ ‬الانكليزي‭. ‬وهو‭ ‬يقترح‭ ‬قراءة‭ ‬تستجيب‭ ‬للنص‭ ‬المقروء‭ ‬بحيث‭ ‬تكون‭ ‬طباقاً‭ ‬له،‭ ‬أو‭ ‬قل‭ ‬لحناً‭ ‬ملازماً‭ ‬(بلغة‭ ‬الموسيقى)‭ ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬اللحن‭ ‬الأًصلي‭. ‬وهكذا‭ ‬يتمكن‭ ‬الناقد‭ ‬من‭ ‬إماطة‭ ‬اللثام‭ ‬عن‭ ‬أبعاد‭ ‬كانت‭ ‬ستظل‭ ‬مستترة‭ ‬وراء‭ ‬النص‭. ‬

إن‭ ‬قراءة‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬مانسفيلد‭ ‬بارك‮»‬‭ ‬لجين‭ ‬أوستن،‭ ‬قراءة‭ ‬طباقية،‭ ‬هي‭ ‬النموذج‭ ‬التطبيقي‭ ‬الذي‭ ‬يقدمه‭ ‬سعيد‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬اكتشاف‭ ‬مدى‭ ‬اعتماد‭ ‬الطبقات‭ ‬العليا‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الانكليزي‭ ‬على‭ ‬المزارع‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تملكها‭ ‬في‭ ‬جزر‭ ‬الهند‭ ‬الغربية‭ ‬لتحقيق‭ ‬حياة‭ ‬الرفاهية‭ ‬التي‭ ‬ترفل‭ ‬بها،‭ ‬وبالتالي‭ ‬إبراز‭ ‬قضية‭ ‬استغلال‭ ‬الشعوب‭ ‬المستعمرة‭ ‬وطرحها‭ ‬على‭ ‬بساط‭ ‬الجدل‭.‬

وهكذا‭ ‬فإن‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬العلاقات‭ ‬الفرعية‭ ‬Affiliated‭ ‬الكامنة‭ ‬وراء‭ ‬النص‭ ‬المقروء،‭ ‬وأصولها‭ ‬المتجذرة‭ ‬في‭ ‬الواقعين‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والثقافي،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬علاقات‭ ‬القرابة‭ ‬Filial‭ ‬التي‭ ‬تربطها‭ ‬بالأدب‭ ‬الانكليزي‭ ‬نفسه،‭ ‬وبالقيمة‭ ‬التي‭ ‬تمثلها‭ ‬في‭ ‬العرف‭ ‬الأدبي‭ ‬السائد‭ ‬Canonicity،‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬ستتيح‭ ‬للناقد‭ ‬فرصة‭ ‬اكتشاف‭ ‬الملابسات‭ ‬الثقافية‭ ‬والسياسية‭ ‬الثاوية‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تتكشف‭ ‬للقارئ‭ ‬منذ‭ ‬الوهلة‭ ‬الأولى‭. ‬وبهذا‭ ‬الصدد‭ ‬يقول‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬في‭ ‬‮«‬الثقافة‭ ‬والامبريالية‮»‬‭: ‬ما‭ ‬أن‭ ‬نمعن‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬الأرشيف‭ ‬الثقافي‭ ‬حتى‭ ‬نبدأ‭ ‬عملية‭ ‬إعادة‭ ‬قراءته،‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬أحادي‭ ‬المعنى،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬طباقي‮»‬‭.‬

5

آية‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬أن‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬الذي‭ ‬نقض‭ ‬مؤسسة‭ ‬الاستشراق‭ ‬وانهماكها‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬مانوية‭ ‬ثقافية‭ ‬تنتهي‭ ‬بشيطنة‭ ‬الآخر‭ ‬واستقطابه‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬تراتبي‭ ‬يجعله‭ ‬طرفاً‭ ‬في‭ ‬ثنائية‭ ‬ضدية‭ ‬لا‭ ‬تناظرية‭ ‬Non‭ ‬Symmetric‭ ‬تؤكد‭ ‬هيمنة‭ ‬المركز‭ ‬الغربي‭ ‬على‭ ‬الهامش‭ ‬الشرقي،‭ ‬يرفض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مشروعه‭ ‬النقدي‭ ‬سياسياً‭ ‬بالمعنى‭ ‬المبتذل‭ ‬لهذه‭ ‬الكلمة‭.‬

فهو‭ ‬يمثل‭ ‬نموذجين‭ ‬متباينين‭ ‬للمثقف‭ ‬في‭ ‬إهاب‭ ‬كاتب‭ ‬واحد‭: ‬نموذج‭ ‬العربي‭ ‬الفلسطيني‭ ‬المكرس‭ ‬لقضية‭ ‬واحدة،‭ ‬ونموذج‭ ‬الكوزموبوليتي‭ ‬الرافض‭ ‬لمصطلح‭ ‬العولمة‭ ‬Globalism‭ ‬بدلالته‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الإكراه،‭ ‬ليقترح‭ ‬بدلاً‭ ‬منه‭ ‬مصطلح‭ ‬الدنيوية‭ ‬Worldliness‭ ‬بدلالته‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬حرية‭ ‬الاختيار‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬والحضور‭ ‬فيه‭ ‬والانتماء‭ ‬إليه‭ ‬انتماء‭ ‬يكرس‭ ‬مفهوم‭ ‬التبادلية‭ ‬المطلقة‭ ‬بين‭ ‬الثقافات‭.‬

وهذا‭ ‬يطرح‭ ‬بدوره‭ ‬السؤال‭ ‬التالي‭: ‬هل‭ ‬ثمة‭ ‬من‭ ‬تناقض‭ ‬بين‭ ‬هذا‭ ‬التكريس‭ ‬لقضية‭ ‬محددة‭ ‬وبين‭ ‬ذاك‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬العالم‭!.‬

يقول‭ ‬سعيد‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬العالم‭ ‬والنص‭ ‬والناقد‮»‬‭ ‬(1984)‭:‬

‮«‬إذا‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬الممكن‭ ‬اختزال‭ ‬النقد‭ ‬إلى‭ ‬عقيدة‭ ‬أو‭ ‬مذهب‭ ‬سياسي‭ ‬حول‭ ‬مسألة‭ ‬معينة،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬حاضراً‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬ومدركاً‭ ‬لذاته‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬فإن‭ ‬هويته‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬اختلافه‭ ‬عن‭ ‬الفعاليات‭ ‬الثقافية‭ ‬الأخرى‭ ‬وأنظمة‭ ‬الفكر‭ ‬وطرائقه‭. ‬إن‭ ‬النقد‭ ‬بريبته‭ ‬تجاه‭ ‬المفاهيم‭ ‬ذات‭ ‬النزوع‭ ‬الشمولي،‭ ‬وقلقه‭ ‬إزاء‭ ‬المواضيع‭ ‬المُشيأة،‭ ‬وبَرمه‭ ‬بالمصالح‭ ‬والاقطاعيات‭ ‬الخاصة،‭ ‬وبعادات‭ ‬الفكر‭ ‬المتصلبة،‭ ‬يصبح‭ ‬في‭ ‬وفاق‭ ‬مع‭ ‬نفسه‭.. ‬على‭ ‬الفكر‭ ‬أن‭ ‬يعتبر‭ ‬نفسه‭ ‬فعالية‭ ‬تعزز‭ ‬قيمة‭ ‬الحياة‭ ‬وتناهض‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬جميع‭ ‬أشكال‭ ‬الطغيان‭ ‬والتسلط‮»‬‭.‬

هذا‭ ‬الموقف‭ ‬الذي‭ ‬يطرح‭ ‬السياسة‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬نقدي‭ ‬عقلاني‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يحول‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يُختزل‭ ‬النقد‭ ‬إلى‭ ‬سياسة‭ ‬والفكر‭ ‬إلى‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬والصوت‭ ‬إلى‭ ‬بوق‭.‬

هكذا‭ ‬برز‭ ‬نقد‭ ‬‮«‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الاستعمار‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬احتل‭ ‬موقعه‭ ‬كأحد‭ ‬فروع‭ ‬نظرية‭ ‬الأدب‭ ‬وفرض‭ ‬نفسه‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬الثمانينات‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬معذبو‭ ‬الأرض‮»‬‭ ‬لفرانز‭ ‬فانون‭ ‬مَعلماً‭ ‬بارزاً‭ ‬من‭ ‬معالم‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬النقد‭ ‬فإن‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬الإستشراق‮»‬‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬بلوره‭ ‬ومنحه‭ ‬بعده‭ ‬الفكري‭ ‬المتميز‭ ‬والمصقول‭.‬

بل‭ ‬لعل‭ ‬تميزه‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬يجادل‭ ‬نظرية‭ ‬النقد‭ ‬في‭ ‬الآداب‭ ‬الغربية،‭ ‬ويفككها‭ ‬بأدواتها‭ ‬المنهجية‭ ‬نفسها‭. ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬التأثير‭ ‬النوعي‭ ‬الصاعق‭ ‬الذي‭ ‬أحدثه‭ ‬الكتاب‭ ‬في‭ ‬نظرية‭ ‬النقد‭ ‬والدراسات‭ ‬الإنسانية‭ ‬عموماً‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬الكلام‭ ‬عن‭ ‬نقد‭ ‬يمثل‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬‮«‬الاستشراق‮»‬‭ ‬وآخر‭ ‬يمثل‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬ظهوره‭. ‬فقد‭ ‬كشف‭ ‬عن‭ ‬تمثيل‭ ‬الشرق‭ ‬تمثيلاً‭ ‬سلبياً‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الكتاب‭ ‬الغربيين‭ ‬الذين‭ ‬اعتبروه‭ ‬‮«‬الآخر‮»‬‭ ‬الصامت‭ ‬الغائب‭ ‬أو‭ ‬العاجز‭ ‬عن‭ ‬تمثيل‭ ‬نفسه‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬يخلص‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬(بعد‭ ‬نقضه‭ ‬لأطروحة‭ ‬المركزية‭ ‬الأوروبية)‭ ‬إلى‭ ‬حكم‭ ‬مفاده‭ ‬أن‭: ‬‮«‬التجربة‭ ‬الثقافية‭ ‬بل‭ ‬كل‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الثقافة‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬حقيقته‭ ‬شكل‭ ‬خلاسي‮»‬‭.‬

وبعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬فإن‭ ‬الثقافة‭ ‬كما‭ ‬يتصورها،‭ ‬ليست‭ ‬تعبيراً‭ ‬ساكناً‭ ‬بل‭ ‬صيرورة‭ ‬مستمرة‭ ‬مثلها‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬مثل‭ ‬الهوية‭. ‬الثقافة‭ ‬صيرورة‭ ‬تأخذ‭ ‬وتعطي‭ ‬أو‭ ‬تتبادل‭ ‬مواقع‭ ‬التأثر‭ ‬والتأثير‭ ‬مع‭ ‬الثقافات‭ ‬الأخرى‭. ‬وهي‭ ‬بذلك‭ ‬ترتبط‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭ ‬بعلاقة‭ ‬‮«‬تنافذ‮»‬‭ ‬Permeability‭ ‬وبعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬فإن‭ ‬جميع‭ ‬الثقافات‭ ‬وفي‭ ‬طليعتها‭ ‬الثقافة‭ ‬الأوروبية‭ ‬التي‭ ‬تسيطر‭ ‬عليها‭ ‬النزعة‭ ‬المركزية‭ ‬ثقافات‭ ‬خلاسية‭. ‬وهذه‭ ‬ليست‭ ‬سمة‭ ‬سلبية‭ ‬تنفي‭ ‬‮«‬الأصالة‮»‬‭ ‬بل‭ ‬سمة‭ ‬إيجابية‭ ‬تنفي‭ ‬‮«‬الجوهرانية‮»‬‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للثقافة‭ ‬الأوروبية‭ ‬أن‭ ‬تزعم‭ ‬لنفسها‭ ‬علاقة‭ ‬تراتبية‭ ‬مع‭ ‬الثقافات‭ ‬الأخرى،‭ ‬أو‭ ‬علاقة‭ ‬تحددها‭ ‬معايير‭ ‬القوة‭ ‬بين‭ ‬مركز‭ ‬مسيطر‭ ‬وأطراف‭ ‬تابعة‭.‬

ويبرر‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬أطروحته‭ ‬الحداثية‭ ‬هذه‭ ‬بنقض‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الأصل‮»‬‭ ‬Origin،‭ ‬إذ‭ ‬يرى‭ ‬انه‭ ‬يمكن‭ ‬العثور‭ ‬دائماً‭ ‬على‭ ‬‮«‬أصل‮»‬‭ ‬أقدم‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬‮«‬أصل‮»‬‭ ‬تعتبره‭ ‬الثقافة‭ ‬أساساً‭ ‬لها‭.‬

وبهذا‭ ‬الاعتبار‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬الأفضل‭ ‬الكلام‭ ‬عن‭ ‬بداية‭ ‬‮«‬Beginning‮»‬‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬بدايات،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الكلام‭ ‬عن‭ ‬أصل‭ ‬أو‭ ‬أصول‭. ‬وتعليل‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يعتبر‭ ‬‮«‬الأصل‮»‬‭ ‬مفهوماً‭ ‬بيولوجياً‭ ‬ملزماً‭ ‬ينبغي‭ ‬استبعاده،‭ ‬فإن‭ ‬‮«‬البداية‮»‬‭ ‬تظل‭ ‬مفهوماً‭ ‬ثقافياً‭ ‬مجازياً‭ ‬قابلاً‭ ‬للاستبدال‭ ‬نظراً‭ ‬لأنه‭ ‬ليس‭ ‬مفهوماً‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬بدعوى‭ ‬وجود‭ ‬قرابة‭ ‬محكومة‭ ‬بقانون‭ ‬الحتمية‭ ‬البيولوجية‭ ‬الوراثية‭.‬

ويطور‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬في‭ ‬كتابه‭: ‬‮«‬بدايات‭: ‬القصد‭ ‬والمنهج‮»‬‭ ‬Beginnings‭: ‬Intention‭ ‬and‭ ‬Method‭ ‬الصادر‭ ‬عام‭ ‬1975،‭ ‬أي‭ ‬قبل‭ ‬صدور‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬الاستشراق‮»‬‭. ‬فهو‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬علاقتين‭ ‬تربطان‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬والثقافة‭: ‬العلاقة‭ ‬الأولى‭ ‬تستعير‭ ‬سماتها‭ ‬من‭ ‬البيولوجيا‭ ‬ويطلق‭ ‬عليها‭ ‬مصطلح‭ ‬علاقة‭ ‬البنوة‭ ‬Filiation‭ ‬أو‭ ‬قل‭ ‬علاقة‭ ‬الإبن‭ ‬بالأب،‭ ‬ولهذا‭ ‬تكون‭ ‬علاقة‭ ‬وراثة‭ ‬لا‭ ‬خيار‭ ‬فيها‭.‬

بل‭ ‬إنها‭ ‬تفرض‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬الحتمية‭ ‬الميكانيكية‭ ‬لورثة‭ ‬التراث‭ ‬لا‭ ‬تسمح‭ ‬لهم‭ ‬بحرية‭ ‬الاختيار‭.‬

وأما‭ ‬العلاقة‭ ‬الثانية‭ ‬فإن‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬يطلق‭ ‬عليها‭ ‬مصطلح‭ ‬علاقة‭ ‬التبني‭ ‬Affiliation‭. ‬ومفهوم‭ ‬التبني‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬حرية‭ ‬الاختيار‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الاختيار‭ ‬بدوره‭ ‬مفهوم‭ ‬حداثي‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬حرية‭ ‬التصرف‭. ‬وهو‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬مفهوم‭ ‬مجازي‭ ‬أو‭ ‬استعاري‭. ‬ونتيجة‭ ‬ذلك‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬الأب‭ ‬الثقافي‭ ‬(المجازي)‭ ‬يحل‭ ‬محل‭ ‬الأب‭ ‬(البيولوجي)‭.‬

آية‭ ‬هذه‭ ‬المحاجة‭ ‬التي‭ ‬يطرحها‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬بقوة‭ ‬مدعومة‭ ‬بجهاز‭ ‬نقدي‭ ‬شديد‭ ‬العقلانية،‭ ‬أنه‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬قادراً‭ ‬باسم‭ ‬النزعة‭ ‬الحداثية‭ ‬التي‭ ‬تقترح‭ ‬كوزموبوليتية‭ ‬جديدة،‭ ‬على‭ ‬تضمين‭ ‬مفاهيم‭ ‬مستلة‭ ‬من‭ ‬صميم‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬بحث‭ ‬يخصصه‭ ‬لتعريف‭ ‬مفهومه‭ ‬للنقد‭ ‬الأدبي‭.‬

وأحد‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬تطرقه‭ ‬إلى‭ ‬أفكار‭ ‬لإبن‭ ‬حزم‭ ‬وابن‭ ‬جني‭ ‬وابن‭ ‬مضاء‭ ‬القرطبي‭ ‬والمدرستين‭ ‬الظاهرية‭ ‬والباطنية‭ ‬في‭ ‬التفسير،‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬يعقدها‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬العالم،‭ ‬النص‭ ‬والناقد‮»‬‭ ‬باسم‭ ‬تبادلية‭ ‬ثقافية‭ ‬حرة‭.‬

هكذا‭ ‬تصير‭ ‬الثقافة،‭ ‬أي‭ ‬ثقافة،‭ ‬صيرورة‭ ‬مستمرة،‭ ‬أو‭ ‬تكويناً‭ ‬معرفياً‭ ‬خلاسياً‭ ‬مفتوحاً‭ ‬على‭ ‬أفق‭ ‬تبادلي‭ ‬وتعددي‭.‬

وهنا‭ ‬يصبح‭ ‬الأب‭ ‬المجازي‭ ‬(الإستعاري)‭ ‬أباً‭ ‬حقيقياً‭ ‬مشروعاً‭ ‬للإنسانية‭ ‬كلها‭.‬


ناقد من سوريا مقيم في لندن