إدوارد سعيد والأحكام المتجنية

مؤخرا قرأت كتابا صدر بالفرنسية عن دار “بايو” بعنوان “في ظلّ الغرب”. وهو يحتوي على ثلاثة حوارات مُسهبة أجرتها في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي مجلاّت أنجلو-ساكسونيّة رفيعة مع المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد(1935-2003). وفي الحوارات المذكورة، هو يعيد بلورة وصياغة أهمّ الأطروحات التي اشتهر بها، والمتّصلة بالإستشراق والإسلام وعلاقة الشرق بالغرب والمنفى اللغوي والجغرافي.

الجديد  حسونة المصباحي [نُشر في 01/08/2017، العدد: 31، ص(138)]

لوحة: جمال الجراح
كما تحدث إدوارد سعيد في الحوارات المذكورة عن جوانب تتعلقّ بحياته الخاصة وبالتأثيرات التي فعلت فيه على المستوى الفكري والفلسفي. وهو يقرّ بأنه عاش دائما قلقا واضطرابا بشأن هويّته. فهو عربي إلاّ أنه ليس مسلما. وقد أمضى سنوات طفولته ومراهقته في مصر دون أن يكون مصريّا. وهو كتب مجمل أعماله بالإنكليزية، غير أنه لا ينتمي الى الثقافة الإنكليزية. وعلى مدى ثلاثين عاما درّس في جامعة “كولومبيا” بنيويورك من دون أن يكون أميركيا.

كما يقرّ إدوارد سعيد بأن وعيه بمأساة فلسطين، وطنه الأصلي، جاء متأخرا. مع ذلك أمكنه أن يعرّف بالقضية الفلسطينية في الأوساط الأميركية، وأن يدافع عنها في المنابر الكبيرة متحديّا اللوبي الصهيوني ووسائل الإعلام المتعاطفة مع إسرائيل. ومثلما فعل في كتابه الشهير حول الاستشراق أكّد إدوارد سعيد من جديد أن الشرق لم يوجد إلاّ في أحلام الغربيين وذلك انطلاقا من القرن الثامن عشر. كما أكد أن الأبحاث والأعمال التي أنجزت حول الشرق لم يكن لها هدف ثقافي وحضاري بحسب ما ادّعى ذلك أصحابها، وإنما كان لها دور فعّال في تركيز الهيمنة الإستعمارية وتبرير الجرائم التي شرع الغرب في ارتكابها في العالم العربي انطلاقا من بداية القرن التاسع عشر. ومعبّرا عن تشاؤمه إزاء حدوث توافق بين الشرق والغرب قال إدوارد سعيد في حوار أجري معه عام 1996 “أعتقد أن الوضع يزداد سوءا يوما بعد آخر. ويمكن أن أقول بأنه لا يكاد يوجد أميركي شمالي واحد يعرف العالم الإسلامي. فهذا العالم هو بالنسبة إليه بعيد، وصحراوي. وفيه عدد كبير من الخرفان والإبل وأناس بسكاكين بين أسنانهم يقومون بأعمال إرهابية. من ناحية أخرى ينظر المسلمون إلى الأميركيين وكأنهم مهووسون بالجنس، ولهم أقدام ضخمة ويبالغون في الأكل. والنتيجة أن هناك فراغا عوض أن يكون هناك حضور بشري، وعدم وفاق عوض أن يكون هناك توافق، وتبادل أراء”.

مع ذلك يرى إدوارد سعيد أنه لا بدّ من مواصلة العمل لكي يخفّ الصراع بين الشرق والغرب وتتقلص الخلافات بينهما لأن في ذلك ضمانا للسلام العالمي.

وفي الحوارات المذكورة قدم إدوارد سعيد تحليلا معمقا لأعمال أدبية وفنيّة مشهورة مثل “في قلب الظلام” لكونراد و”الغريب” لألبير كامو و”روبنسون كريزوي” لدانيال دفو، ولسيمفونية “عايدة” لفاردي. ومعلوم أن هذه الأعمال الأربعة المذكورة تتحدث عن العلاقة المتوترة بين الإنسان الغربي والآخر.

وعن ألبير كامو قال إدوارد سعيد “كامو لعب دورا مهمّا بصفة خاصّة في الانتفاضات المشؤومة التي رافقت الولادة العسيرة والمؤلمة لمرحلة انهيار الاستعمار الفرنسي. إنه وجه إمبريالي جاء متأخرا. وهو لم يعش فقط الفترة التي بلغت فيها الإمبراطورية الاستعمارية ذروتها، بل عاش أيضا الفترة التي أصبح فيها كاتبا ‘كونيّا’ يمدّ جذوره في استعمار بات اليوم منسيّا”.

ويرى إدروارد سعيد أن روايتي كامو “الغريب” و”الطاوعون”، ومجموعته القصصيّة ”المنفى والملكوت”، تمثّل حجة لاواعية بإقرار كامو بالهدف الإنساني والحضاري للاستعمار. وبالنسبة إلى صاحب كتاب “الاسشراق” لا يختلف جوزيف كونراد الذي أعدّ عنه أطروحة جامعية عن ألبير كامو. فهو أيضا ساند غزوات بريطانيا لمناطق مختلفة من العالم. ومرة كتب يقول “لقد وضعت إصبعي على البقعة البيضاء، التي هي أفريقيا، وذات يوم سأذهب إلى هناك!”

وفي الحوارات يبدي إدوارد سعيد رفضه للقوميّة العربيّة في مفهومها الأيديولوجي الضّيق، والذي يضفي عليها مسحة شوفينيّة. كما يبدي نفوره من نظرية “تصادم الحضارات” التي صاغها المفكر الأميركي صامويل هنتنغتون في التسعينات من القرن الماضي، أي في الفترة التي احتدّت فيها المواجهة بين الشرق والغرب بسبب الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية ضد نظام صدام حسين في العراق.

وما أستنتجته شخصيّا من هذه الحورات هو أن إدوارد سعيد يتخلّى أحيانا عن الفكر في جوهره الصحيح، لينقاد إلى الأيديولوجيا التي غاليا ما ترى غير لونين: الأبيض والأسود، غافلة عن بقية الألوان ومهملة لها. واعتمادا على هذه الأيديولوجيا هو يسمح لنفسه بإصدار أحكام قد تكون قاسية ومُتجنّية وأحاديّة الجانب وخالية من الموضوعية. وهذا ما تبينته من خلال انتقاداته لكلّ من كامو وكونراد. فقد أهمل إدوارد سعيد المستوى الفني والأدبي والإنساني لأعمال هذين الكاتبين، ليسقط عليها أطروحات سياسية وأفكارا أيديولوجية قد يكونا بريئين منها. فالكاتب الحقيقي هو الذي يصوغ الواقع انطلاقا من تعقيداته وتشعباته، وليس انطلاقا من أيديولوجيات تزعم أنها تنتصر للقيم الإنسانية السامية ولحرية الشعوب في تقرير مصيرها!

ولا يرى إدوارد سعيد في الاستشراق سوى الوجه البشع للهيمنة الاستعمارية. فلكأن كلّ المستشرقين عملاء لأجهزة الاستخبارات ومستشارون عسكريين للجنرالات والقادة العسكريين الذين غزوا بلدان الشرق. ونحن لا ننفي أن الإمبراطوريات الاستعمارية استفادت كثيرا من أعمال المستشرقين. لكننا لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن ننكر القيمة المعرفية لهؤلاء، ولا أن ننزع عن أعمالهم وعن بحوثهم أهميتها البالغة. بل نقدر أن نقول إن هؤلاء المستشرقين هم الذين وفّروا للعرب فرصة اكتشاف ماضيهم من خلال إزاحتهم غبار النسيان عن كنوز الثقافة العربية في مجال الشعروالنثر والفكر والفلسفة. أليسوا هم من اكتشف القيمة الأدبية العالية لـ”ألف ليلة وليلة”، ولـ”رسالة الغفران”، ولآثار عديدة أخرى؟ أليسوا هم من عرّف بالحلاج وبابن عربي وبكثيرين آخرين. كما أنهم أشادوا بالدور الكبير الذي لعبه الفلاسفة العرب في التعريف بالفلسفة اليونانية. وعلينا ألاّ ننسى أيضا أن هناك مستشرقين أدانوا الهيمنة الاستعمارية وناصروا نضالات شعوب الشرق من أجل الحرية والتقدم. لذلك أعتقد أن إدوارد سعيد أفرط كثيرا في تقييمه للاستشراق، وأسقط أفكارا خاطئة على أعمال كتاب كبار من أمثال فلوبير وألبير كامو وجوزيف كونراد وآخرين. وكأن لا هدف له من خلال كلّ هذا سوى إقناع القارئ العربي بأن الغرب لا يمكن أن يكون سوى العدوّ الواحد والأبدي.


كاتب من تونس