على آثار المهاجرين من كل عصر

“هجرات” لكريمة برجي

الجديد  نجم الدين خلف الله [نُشر في 01/08/2017، العدد: 31، ص(148)]

“هِجْرات” عنوان بصيغة الجمع ورَدَ، ولكنه مُثنَّى بكل مكوناته تجلَّى: تتقابل فيه هُويتان، تبحث الواحدة عن الأخرى بلا كلل. تطالعنا من جهة أولى الأديبة كريمة برجي، وبريشتها ترسم مَسالك الهجرة التي اتَّبعتها بحثا عن أنًى كوني حقيقي وخالد. ومن جهة ثانية تاريخ حافلٌ تترامى أحقابه من مُهاجِرة العهود المقدسة، إلى زوارق الموت الفظيعة تحمل البائسين وتنكسر على ضفاف المتوسط.

ويظن القارئ، حين يقف على العنوان أو يسمع عنه، أن الكتاب، الصادر منذ شهر عن دار “Actes Sud”، هو سيرة جديدة، قد تكون أدبية للنبي محمدٍ. ولكنَّ الظنَّ سرعان ما يتلاشى، فالكتاب لا يذكر من هجرة النبي إلا طُرفًا قصيرةً، يتجاوزها إلى هجراتِ سائر وجوه الديانات التوحيدية الثلاث، فيستدعي إسماعيلَ وأباه إبراهيم، ومعهما موسى وخَضِره، ولدى كل وجهٍ من هذه الوجوه التأسيسية بحثت الكاتبة عن لحظة الرحيل في المسيرة، فجعلتها بدءًا للملحمة. والجامع بين الهويتين مغادرة الأوطان مكرهةً، والسفر من الذات نحوها مشتاقةً، قطعًا مع دفء مسقط الرأس، وسعيًا وراء سموّ الروح ونصاعة العبارة.

وبالتّوازي مع هِجرات الأقدمين حبَّرت الكاتبة جزائرية الأصل صفحاتٍ عن هجرتها هي الراهنة، من أرض مولدها ومنشئها (الجزائر)، قادمة على متن باخرةٍ، عبر الضفة الغربية للمتوسط، لتستقرَّ في عاصمة الأنوار، وتتأمل عطشى، على مدارج جامعة السوربون محاضرات العلماء والأدباء، يصنعون الحداثة على مسامعها. وهناك احتضنتها أمها الثانية، والرمز بداهةً إلى الثقافة الفرنسية ولغة موليار، فأرضعتها لبان الكلمة الحرة ودقائقها، وصارت رديفًا لأمها الأصلية تلك التي زودتها، حين ودعتها، بصندوق سرتها المقطوعة مع رصيد من خرافات الطفولة وأساطير البلد وروائحه.

وبريشة شعرية دقيقة، رسمت في المقطع الواحد، بل في الجملة الواحدة، مشاهدَ المهاجرين المفجوعين الفارين من سهوب إفريقيا وشمالها، وقد استقلوا مراكب الموت يبحثون عن موانئ الخبز والأمن. فابتلعت بعضَهم البحارُ في امتدادها الموحش، وغاب الآخرون في قلب المدن ومُخيمات لاجئيها القاسية، دون وثائق ولا ماضٍ.

وكان الرسم/النص يتتابع حسب خطة سداسية محكمة: سمَّت القسمَ الأول منها “المحن” حيث كانت هجرة الظاعنين ابتلاء ربانيًا، حتى تتجاوز الذات ذاتَها. وسمت الثاني “انعطافات” تصف فيه منعرجات الأنا الحاسمة، والثالث “مواقف واستراحات” للحديث والتعبير عن اختلاجات الضمير، والمُوالي من الفصول “تحولات”، استدعت فيه غابر الذكرى، وبعده “الإتمام” حديثًا عن تحقق الذات، والأخير “الوجهات”، حيث لم يُقطَع الحبلُ السُرِّي بين الجزائر وباريس.

وهكذا، تتالت فصول الكتاب مثل المواقف والتجليات، لحظاتٍ وخواطرَ، استجمعت فيها من كلٍّ جنس أدبي أفضل ما فيه، ونظمته عقودَ سردٍ، بلا نشاز ولا حيرة، بل سبيكة ملساء تسائلُ قهرَ المجتمعات الأبوية وضياع الأجيال وعنف التاريخ، وتحمّلُ القارئَ مسؤولية السفر إلى حنايا ذاته المتعددة، حتى يجد نفسه ويكون، استجابةً للأمر الرباني: “كُن”.

وقد بنيت هذه الفصول في قالب حوارٍ، تلقيه شفاهًا امرأة مجهولة إلى “الأميرة الصغيرة”، تعيدها بلطف الوالدة إلى ذكرياتها الغائبة، وتعرض عليها خواطرها السانحة. فانتظمت المخاطبة أحاديثَ ذات شجون، مع أنها تدور كلها حول الهوية في ترحالها، وآلام الهجرة إلى ديارٍ غير ديارها.

اسم الكاتبة كريمة بارجر، وهو، وإن لم يكن من مكونات السرد ولا مِن وحداته، يحمل الثنائية العميقة التي شُيِّد النص وفقها، فبني فيه المعنى ثنائيًا تقابليا، فهي كريمة، مَحْتَدها أصيل، انحدرت من الثقافة العربية الإسلامية، وأتقنت نصوصها الدينية، وغاصت في آي القرآن وكتب الحديث، والسيرة النبوية، وما أحاط بها من تراث تفسيري وتاريخي. ومن هذه النصوص جميعها انتقت شَذَراتٍ، بقلمٍ صنّاعٍ، لترفد كتابها هذا “هجراتٍ”، فكان فيه التناص كأجمل ما يكون التناغم: فمن ذاكرة التراث استقت لُمَعًا من شطحات الصوفية وتغنيهم بالمطلق، وضمّنت سردها مقطوعاتٍ من قصائد الرومي، ومن فريد الدين العطار فقراتٍ من “منطق طيره”. ومن الراهن، استدعت مشاهد البؤس والتيه في شوارع العاصمة الفرنسية وجسورها، بلهجة المناضلة التقدمية والكاتبة الملتزمة.

وأما لقبها ففرنسي صَريح “Berger” ومعناه الراعي، فهل كان الجمع إيحاءً لطيفا بأنَّ الكرمَ عربيّ النسبة، والرعاية فرنسية، كأنَّ ثقافة فرنسا وفلسفة أنوارها هما مَن حرسا كنوز العقل العربي حين احتضنت أرض المهجر تألق الكاتبة وتغريبة روحها. وهكذا، جمع اسمُها الكاملُ، بهذا المعنى، طَرَفَيْ هويتها، ولخَّص كيفية تلاقي هذه الروافد، فولّد حيوية النص.

وأما أسلوب الكتابة فيه فيتأبى عن كل تصنيف، ويعسر وضعه في خانة واحدة: فهو من رقيق الشعر وقد تتالت صيغُه في شكل قصيدة نثرٍ، فتجلّى في طريقة تصفيف الأسطر وإخراجها على الصفحة في شكلٍ هرمي. وهو أيضا نثر سردي، يرصد مسار الهجرات عبر التاريخ، كأنما يكتب سيرًا مقتضبةً. وهو وصف أوتوبيوغرافي لفظاعة المنفى حين يصير مصدرًا للألم والتعالي. كما أنه تأويلات إشارية على نهج الرمزيين من الصوفية، يُحيون وجوه الأساطير وينطقونها بما يجول في خواطرهم، مزجًا بين فِكَر الماضي وآلام الحاضر وآمال الآتي.

وأكثرتْ كريمة برجر من استخدام آلية التناص وتفنّنت، فصار ديوانها هذا مأدبة حضرتها آيات القرآن في بعدها الإطلاقي، تقدّس التاريخ وتتعالى عنه، وشهدتها بضعة أحاديث بما فيها من أبعادٍ إنسانية تخاطب القارئ بلانهائية الصحراء. والنسيج مضمّخٌ بقصائد العطار والرومي، وجُلّها تدور حول الحركة فعلاً إبداعيًا، تمجّد من خلاله الضربَ في الأرض بحثا عن الهوية، والسفر في فَلوات النصوص المتباعدة لإنشاء جمالية العبارة الحرة. وتنساب الفصول الستة، وما حوته من أقسامٍ وجيزة، في لغة فرنسية رفيعة تحاكي خالد الأدب العالمي، وإن انْشَدَّت مراجعُه إلى دوحة الضاد.

نعم. نص كريمة برجر عربيٌّ فصيح، ولكنه بفرنسية رفيعة كُتب. وإحالاته ومرجعياته إسلامية محضةٌ تحاور لوحة المتغيرات السياسية الراهنة، التي هزت الإسلام في دياره، كما في ديار الغرب، فحوّلتها دارَ لجوء وملاذ، بعد أن كانت دار حَرب وهلاك. والنص رسالة تساؤل واحتيار في المصير، بعد المسير في عوالم النصوص العتيقة، وشوارع باريس المنيرة.. وعلى جسورها الساحرة.

كاتب من تونس مقيم في باريس


كاتب من مصر