الرواية العجائبية في الأدب المغربي لخالد التوزاني

يؤمن الناقد المغربي خالد التوزاني بقوة الإبداع المغربي وتميز الأدباء المغاربة وهو ما جعل في داخله الرغبة في استجلاء مظاهر التميّز والقوة فيه واقتراح قراءة علمية بمعايير موضوعية منصفة ترى في النص الأدبي عملا يخدم الإنسانية ويربط جسورا من التواصل الثقافي بين الحضارات مركزا على ما هو عجائبي في هذا الأدب.

الجديد  علي‭ ‬لفته‭ ‬سعيد [نُشر في 01/08/2017، العدد: 31، ص(152)]

لوحة: سهير سباعي
ولهذا فقد سعى في كتابه الجديد “الرواية العجائبية في الأدب المغربي الحديث” الذي صدر عام 2017 ليكون إضافة جديدة إلى المكتبة العربية والمغاربية والمغربية إلى التركيز على العجائبي في الرواية وإلى عقد تصالح بين القراء مع تراثهم الشفهي.

وهذه الخلفية الثقافية تمثل تأريخا للبنية النفسية والاجتماعية لبعض المناطق التي تنتعش فيها العجائب والأساطير، وبذلك تقدم متنا غنيا من الناحية الدلالية والرمزية يفيد في فهم بعض مظاهر السلوك وذهنية الإنسان المغربي.

والذي يلاحظ كتب التوزاني يرى هذا الاهتمام الكلي بما هو عجيب حتى في العناوين من مثل كتبه “الرحلة وفتنة العجيب: بين الكتابة والتلقي” و”جماليات العجيب في الكتابات الصوفية: رحلة ‘ماء الموائد’ لأبي سالم العياشي” و”أدب العجيب في الثقافتين العربية والغربية” وهو ما يبدو واضحا في هذا الشغف الذي يمتلكه ليكون هذا الأمر خطا مميزا ومائزا له في الكتابة النقدية المختصة بالسردية المغاربية والعربية.

في كتابه الجديد الصادر عن منشورات مؤسسة مقاربات للنشر والصناعات الثقافية حاول خلق مسارات جديد في العجائبية التي يبحث عنها ويقترح منافذ ومسارب جديدة لفهم العقلية العربية، وهو بالتالي يخوض مغامرة لتحليل النص بطريقة مختلفة باحثا في الروايات التي تحمل ما يبحث عنه لتكون مادة تحليلية له مبتعدا عن النقد الظاهراتي مقتربا من النقد البنيوي في تلك المسرودات الروائية لأنه هنا في هذا الكتاب يكون معنيا بدراسة نفسية اجتماعية مستخلصا ما هو مسكوت عنه وما هو مهمش والذي ربما لم يره أو يطلع عليه اللاوعي الجمعي.

وهو بهذا يقترب من التأويل ومناقشته وما يتصل بهذا النفسي الذي لم تستغله النقديات العربية بشكل كبير وربما يأتي أيضا لتخصصه بعلم النفس ما يعينه في مجال النقد ويضفي على منتجه البعد التحليلي والربط بين ما هو أدب وإبداع وبين ما هو نفسي مخيالي وواقعي.

وكتابه الساعي إلى التحليل في منطق التأويل يريد برهنة ما يمكن أن يظهره العمق العجائبي في الأدب عموما وفي السردية المغربية على وجه الخصوص. وهنا ستكون مهمة السؤال مهيمنة على الظاهرة الإبداعية لاستبطان العمق التأويلي في النص السردي.

إن العجائبية التي يقصدها التوزاني في كتابه تنطلق من أساسيات أو مرتكزات أو مقاربات محددة أولها البحث في البنيات النفسية المهترئة والتواصلات الاجتماعية الهشّة التي تكرس السلبية وتعَمق ضعف واقع ومنطقة منكوبة على مستوى استخدام العقل والذراع.

وثانيها المقاربة النفسية الاجتماعية باعتبارها اختيارا منهجيا عاملا مساعدا على كشف هذه البنيات واقتراح بعض الحلول، فضلا عن سبر أغوار النصوص الروائية ذات الملمح العجائبي.

وثالثها الالتقاء العجائبي بين الرواية كونها من أكثر الأجناس الأدبية تمردا على التحديدات المنهجية سواء التنظيرية منها أو التحليلية مما فيبحث عن تلك الحالات التي تعطيها سمة التمرد والانفلات.

ورابعها يكمن في الأساسيات إذ يبحث عن مقاربة العتبات التي تؤطر الروايات العجائبية للبحث عما هو مشوق وحاوٍ على التراتبيات الجاذبة والمدهشة.

وخامسها ما يطرحه العمل من أسئلة على المتلقي بهدف البحث عن أجوبة جديدة تحمل عجائبيتها مثلما تحمل جديتها في خلق علاقات جديدة بين أطر العجائبية ذاتها وما يعنيه في كتابه.

أما الأساس السادس أو المرتكز فهو البحث عن التوظيف الإبداعي لما هو رمزي ودلالي وما يمثله الفكر الرمزي والسلوك من ملامح الجدية في الحياة ومعناها.

في حين يأتي السابع منها في بحثه في الروايات العجائبية عمن كانت لها القدرة على تخزين المعرفة الإنسانية واختلافها عن تلك التي تحولت كما يقول بفعل الإيقاع اليومي الرتيب إلى نوع من اليقينيات والبديهيات.

الكتاب مهم في المكتبة العربية سواء بما يحمله من جديد وجدية في النقدية العربية حيث ضم فصلين وقبلهما المقدمة، والفصل الأول كان قد خصص لمقاربة الرواية العجائبية من التنظير إلى الممارسة وفيه عدد من المباحث التي تهتم بشرح ما له علاقة بالعقلية العربية وصلة دلالات العجائبي بالأدب وتأثير الجن في الرواية المغربية.

في حين خصص المؤلف الفصل الثاني لتحليل نماذج من الروايات المغربية ومنها روايتان الأولى رواية “سيرة حمار” لحسن أوريد ورواية “وريخا” للكاتب عزيز أمعي مرفقا خلاصته التي أكد فيها أن سعة الثقافة أحد مفاتيح فهم العجائبي كونها المسؤولة عن تحرر الإنسان من الأوهام ومحاولة تقريب العجائبي والعقلي لدى المثقف المتلقي عبر تأسيس جسور التلقي بمعرفة نفسية جديدة لكي تكون المهمة الثقافية مهمة وعي وإدراك ومسؤولية تعين المتلقي على تحرر عقله لبناء الحضارة والمشاركة في صنع الجمال وتلاقي الأضداد، مثلما توصل إلى وجود خصوصية في الأدب المغربي العجائبي رغم أن موضوعات العجائبية لم تخرج عن هموم الوطن ولكنه قرأ ما مفاده أن الرواية العجائبية تسعى لتغيير واقع مألوف مليء بالإحباط والجحود والمكر إلى واقع آخر مغاير للعادي ومخالف للمألوف مثلما تسعى لتلبية حاجياته بل وتمكينه من بعض الكماليات.

كما توصل أيضا إلى أن الرواية التي تقدم نفسها على أنها رواية دهشة ومتعة وجاذبية وفيها سرد جميل تدفع المتلقي إلى البحث عن أسئلته الخاصة لوجود العديد من المفارقات والتناقضات سببها العجائبي الذي تتوافر عليه مثل هكذا روايات لأنه لا يريد زرع الشك في عقله مما يقرأه بقدر ما يريد إزالة الحيرة من خلال سردي واقعي لشيء غرائبي وعجائبي، لأنها، أي العجائبية، إنتاج ثقافي يبحث عن التحليل في كينونتها للوصول إلى نضج التلقي والمشاركة في إدامة الفعل وصنع واقع جديد أساسه السؤال والمنطق والحيرة وحتى الميتافيزيقي والمتخيل اللاواقعي لجعله واقعا محتشدا بالوعي والثقافة.


كاتب من العراق