ثقافة‭ ‬تحطيم‭ ‬الأجنحة

ماذا‭ ‬نكتب‭ ‬للأطفال‭ ‬ونحن‭ ‬نعتبرهم‭ ‬كيانات‭ ‬قاصرة

الجديد  نوري الجراح [نُشر في 01/07/2017، العدد: 30، ص(4)]

لوحة: مهند عرابي
هل‭ ‬يبدو‭ ‬مشروعاً‭ ‬أن‭ ‬تقودنا‭ ‬المغامرة‭ ‬مع‭ ‬اللغة‭ ‬إلى‭ ‬كتابة‭ ‬قصص‭ ‬يصعب‭ ‬تصنيفها‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬للأطفال‭ ‬حقاً؟‭ ‬أو‭ ‬هي‭ ‬لهم‭ ‬ولغيرهم؟‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬الأطفال؟‭ ‬هل‭ ‬هم‭ ‬فقط‭ ‬الصبيان‭ ‬والبنات‭ ‬اللواتي‭ ‬والذين‭ ‬تتراوح‭ ‬أعمارهم‭ ‬ما‭ ‬بين ‭ ‬4‭ ‬سنوات‭ ‬و14‭‬ سنة؟‭ ‬أظن‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التعريف‭ ‬بليد‭ ‬بعض‭ ‬الشيء‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الفئات‭ ‬العمرية،‭ ‬هي‭ ‬فئات‭ ‬معتمدة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬من‭ ‬يسمّون‭ ‬بكتّاب‭ ‬الأطفال‭ ‬المحترفين،‭ ‬وفي‭ ‬ثقافتنا‭ ‬العربية،‭ ‬لدى‭ ‬هؤلاء‭ ‬الكتاب‭ ‬قاموس‭ ‬قارّ‭ ‬من‭ ‬الموضوعات‭ ‬يلتزمونه‭ ‬أثناء‭ ‬الكتابة‭ ‬كوصفة‭ ‬العطار،‭ ‬فإن‭ ‬الكتابة‭ ‬الإبداعية‭ ‬من‭ ‬طبيعتها‭ ‬أن‭ ‬تتمرد‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التصنيف،‭ ‬وتلك‭ ‬الوصفة‭. ‬وكل‭ ‬تصنيف‭ ‬أو‭ ‬وصفة‭ ‬نهائية‭ ‬يأسران‭ ‬المغامرة‭ ‬ويحدّان‭ ‬من‭ ‬حرية‭ ‬اللغة‭ ‬وسيرورتها‭ ‬المتدفقة‭ ‬كنهر‭ ‬في‭ ‬غابة‭.‬

لنقل،‭ ‬إذن،‭ ‬إن‭ ‬المغامرة‭ ‬الإبداعية‭ ‬من‭ ‬طبيعتها‭ ‬أن‭ ‬تأبى‭ ‬الانصياع‭ ‬لهذه‭ ‬الخطة،‭ ‬وبدلاً‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬تقترح‭ ‬على‭ ‬الطفولة‭ ‬أن‭ ‬تحتل‭ ‬مساحة‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬الكائن‭.‬

‭***‬

هل‭ ‬يغير‭ ‬في‭ ‬وعينا‭ ‬شيئاً‭ ‬لو‭ ‬نحن‭ ‬عرفنا‭ ‬مثلاً‭ ‬أن‭ ‬يوجين‭ ‬يونسكو‭ ‬صاحب‭ ‬التجربة‭ ‬الطليعية‭ ‬في‭ ‬مسرح‭ ‬العبث،‭ ‬لديه‭ ‬قصص‭ ‬للأطفال‭ ‬هائلة‭ ‬في‭ ‬عبثيتها‭ ‬الطفولية؟‭ ‬قصص‭ ‬غير‭ ‬تقليدية‭ ‬أبداً،‭ ‬قصص‭ ‬تليق‭ ‬بالأطفال،‭ ‬بأرواحهم‭ ‬الحرة‭ ‬واستعداداتهم‭ ‬الخلاقة‭ ‬للانفتاح‭ ‬على‭ ‬الطرائف‭ ‬واللطائف‭ ‬والجمالات‭ ‬المفاجئة‭ ‬التي‭ ‬يذخر‭ ‬بها‭ ‬الوجود،‭ ‬وتنعم‭ ‬بها‭ ‬النفوس‭ ‬غير‭ ‬المشوهة‭.‬

‭***‬

لطالما‭ ‬تخيلت‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتلقاه‭ ‬الطفل‭ ‬من‭ ‬قصص‭ ‬نكتبها‭ ‬له‭ ‬نحن‭ ‬الكبار‭ ‬هو،‭ ‬بالضرورة،‭ ‬غير‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتلقاه‭ ‬الكبار‭ ‬منها‭. ‬هذا‭ ‬عن‭ ‬الرسائل‭ ‬التي‭ ‬يحملها‭ ‬النص،‭ ‬أما‭ ‬الحبكة‭ ‬والصياغة‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬القص‭ ‬وفنونه‭ ‬فشرطها‭ ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬الإمتاع‭. ‬هل‭ ‬أنتظر‭ ‬من‭ ‬قارئ‭ ‬أن‭ ‬يوافقني‭ ‬على‭ ‬هذا؟‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬المانع‭ ‬أن‭ ‬نتوصّل‭ ‬إلى‭ ‬خلاصة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القبيل؟‭ ‬لم‭ ‬لا‭ ‬يخلص‭ ‬قارئ‭ ‬إلى‭ ‬شيء،‭ ‬ويخلص‭ ‬آخر‭ ‬مع‭ ‬النص‭ ‬نفسه‭ ‬إلى‭ ‬شيء‭ ‬مختلف‭ ‬عنه،‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الدرجة‭ ‬أو‭ ‬تلك؟‭ ‬أظن‭ ‬أن‭ ‬هذا،‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬ممكنا‭ ‬حقاً‭ ‬في‭ ‬قصص‭ ‬ما،‭ ‬سيكون‭ ‬مثيراً‭ ‬للتفكير،‭ ‬فالأدب‭ ‬الكبير‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬نفسه‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬قارئ‭ ‬بطريقة‭ ‬فريدة‭.‬

‭***‬

‮ ‬بداهة،‭ ‬نتوقع‭ ‬من‭ ‬كاتب‭ ‬الأطفال‭ ‬أن‭ ‬يعمل‭ ‬مع‭ ‬اللغة‭ ‬والمعاني‭ ‬بطرائق‭ ‬جد‭ ‬مبتكرة‭ ‬وإلا‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لنصه‭ ‬أن‭ ‬يشع‭ ‬بقيم‭ ‬الحرية‭ ‬والعقل‭ ‬والشجاعة‭ ‬وحب‭ ‬الصداقة‭ ‬واحترام‭ ‬الطبيعة‭ ‬وحب‭ ‬الاكتشاف‭ ‬والعمل‭ ‬الجاد‭ ‬والشغف‭ ‬بالمعرفة‭ ‬والرأفة‭ ‬بالكائنات‭ ‬الصغيرة،‭ ‬والخيال‭ ‬الطليق‭.‬‮ ‬‭ ‬يفضّل‭ ‬ألاّ‭ ‬نخشى‭ ‬أبدا‭ ‬على‭ ‬الأطفال‭ ‬من‭ ‬ظهور‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬في‭ ‬النصوص‭ ‬التي‭ ‬نكتب‭ ‬لهم‭. ‬ولكن‭ ‬كيف‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نفعل؟

‭***‬

لا‭ ‬مناص‭ ‬أمامنا‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬بوعينا‭ ‬في‭ ‬الظواهر‭ ‬المختلفة‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالأطفال‭ ‬وبالأدب‭ ‬الذي‭ ‬نكتب‭ ‬لهم‭. ‬العالم‭ ‬يتغير‭ ‬والأطفال‭ ‬يتغيرون‭.‬‭ ‬درجة‭ ‬وعي‭ ‬الأطفال‭ ‬والفتيان‭ ‬بعالمهم‭ ‬وما‭ ‬يحيط‭ ‬به،‭ ‬وبأنفسهم‭ ‬وما‭ ‬تستشعره‭ ‬وتختبره‭ ‬صارت‭ ‬أكبر،‭ ‬لكن‭ ‬ثقافتنا‭ ‬لا‭ ‬تتزحزح‭ ‬عن‭ ‬أحكامها‭ ‬وقيمها‭ ‬ومسلّماتها‭ ‬التقليدية،‭ ‬نحو‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬وكذلك‭ ‬نحو‭ ‬الأطفال‭ ‬وثقافتهم‭.‬

‭***‬

أنظر‭ ‬إلى‭ ‬الثقافة‭ ‬التي‭ ‬ينتجها‭ ‬العالم‭ ‬لأطفاله،‭ ‬ألق‭ ‬نظرة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬ينتج‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬للأطفال،‭ ‬شيء‭ ‬مذهل‭. ‬انتهى‭ ‬عصر‭ ‬التلقين‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬الـ19‭ ‬،‭ ‬وفي‭ ‬القرن‭ ‬الـ21‬ الأطفال‭ ‬يشاركون‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬ثقافتهم،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬ثقافة‭ ‬لا‭ ‬تخاف‭ ‬من‭ ‬أطفالها‭. ‬ثقافة‭ ‬تأخذ‭ ‬على‭ ‬عاتقها‭ ‬الإنصات‭ ‬للأطفال،‭ ‬وليس‭ ‬نهرهم‭ ‬وقمعهم‭ ‬وإسكاتهم‭ ‬كلما‭ ‬حاولوا‭ ‬البوح‭ ‬بما‭ ‬عندهم‭. ‬يجب‭ ‬على‭ ‬العرب‭ ‬أن‭ ‬يبادروا‭ ‬إلى‭ ‬تحرير‭ ‬أذهانهم‭ ‬من‭ ‬الخوف‭ ‬ليتمكّنوا‭ ‬من‭ ‬تحرير‭ ‬ذهنية‭ ‬الطفل‭ ‬من‭ ‬الخوف،‭ ‬وترك‭ ‬المجال‭ ‬له‭ ‬ليخرج‭ ‬من‭ ‬الصمت‭. ‬على‭ ‬العرب‭ ‬أن‭ ‬يكفّوا‭ ‬العرب‭ ‬عن‭ ‬الترويج‭ ‬لثقافة‭ ‬السكوت‭.‬

‭***‬

لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬مواجهة‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬ثقافتنا،‭ ‬الموجهة‭ ‬إلى‭ ‬الأطفال،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬المحافظة‭ ‬والخوف‭ ‬وعلى‭ ‬رغبة‭ ‬غريبة‭ ‬بإبعاد‭ ‬الطفل‭ ‬عن‭ ‬التجريب‭ ‬والاستنتاج‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬والخبرات‭ ‬الفعلية‭. ‬وهذا‭ ‬يدفع‭ ‬إلى‭ ‬طرح‭ ‬السؤال‭ ‬مرارا‭:‬‮ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يجعلنا‭ ‬جزعين‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬وصول‭ ‬الأطفال‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬الحقائق؟‭ ‬بعضها‭ ‬على‭ ‬الأقل؟‭ ‬لماذا‭ ‬نخاف‭ ‬على‭ ‬الأطفال‭ ‬من‭ ‬وعيهم‭ ‬بأنفسهم؟‭ ‬لماذا‭ ‬نريدهم‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬إمكانات‭ ‬ملَّكتها‭ ‬لهم‭ ‬فطرتهم،‭ ‬وأخرى‭ ‬يمكن‭ ‬لهم‭ ‬أن‭ ‬يمتلكوها‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬التجربة؟‭ ‬لماذا‭ ‬نخاف‭ ‬عليهم‭ ‬من‭ ‬طلاقة‭ ‬الخيال؟‭ ‬لماذا‭ ‬نحرمهم‭ ‬من‭ ‬حرية‭ ‬التفكير؟‭ ‬ومن‭ ‬حقوقهم‭ ‬في‮ ‬‭ ‬التعبير‭ ‬عمّا‭ ‬يجول‭ ‬في‭ ‬خواطرهم؟‭ ‬لماذا‭ ‬نميل‭ ‬إلى‭ ‬الحجر‭ ‬على‮ ‬‭ ‬عقولهم‭ ‬وخبراتهم‭ ‬وأسر‭ ‬تجاربهم‭ ‬في‭ ‬كيان‭ ‬طفولي‭ ‬نريد‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قاصراً؟

لوحة: مهند عرابي

ليس‭ ‬ثمة‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحدّ‭ ‬من‭ ‬خيال‭ ‬الطفل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تربيتنا‭ ‬الركيكة‭ ‬الخائفة‭ ‬على‭ ‬الأطفال‭ ‬ومنهم،‭ ‬والتي‭ ‬تريد‭ ‬منهم‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬صورا‭ ‬منا‭ ‬ونسخاً‭ ‬عنا‭.‬

العلة‭ ‬غالباً‭ ‬فينا‭ ‬نحن‭ ‬الكبار‭ ‬الذين‭ ‬ابتعدنا‭ ‬عن‭ ‬ملاعب‭ ‬طفولتنا‭ ‬وخبراتنا‭ ‬الطفولية‭ ‬وبتنا‭ ‬أساتذة‭ ‬ومعلمين‭ ‬وتربويين‭ ‬مملّين،‭ ‬ونماذج‭ ‬أبوية‭. ‬إن‭ ‬لم‭ ‬نقل‭ ‬بتنا‭ ‬آباء‭ ‬قساة‭ ‬مفرطين‭ ‬في‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬حرية‭ ‬الوعي‭ ‬وطلاقة‭ ‬الخيال،‭ ‬مأسورين‭ ‬في‭ ‬قوالب‭ ‬اجتماعية‭ ‬صارمة‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬نفسها‭ ‬زنازين‭ ‬للأجنحة‭.‬

‭***‬

ما‭ ‬يؤسف‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬ثقافتنا‭ ‬العربية‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬ثقافة‭ ‬استبداد،‭ ‬سياسي‭ ‬ولكنها‭ ‬ثقافة‭ ‬عمياء‭ ‬مجتمعياً،‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تلحظ‭ ‬كيانات‭ ‬الأطفال،‭ ‬ولا‭ ‬تعتبر‭ ‬نفسها‭ ‬معنية‭ ‬بهم‭ ‬حقاً،‭ ‬ولو‭ ‬عُنيت‭ ‬بهم‭ ‬فإنما‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬إخضاعهم‭ ‬لمشروعها‭ ‬التربوي‭ ‬ذي‭ ‬الطبيعة‭ ‬البطرياركية‭. ‬ثمة‭ ‬باستمرار،‭ ‬إن‭ ‬في‭ ‬الاجتماع‭ ‬أو‭ ‬الكتابة،‭ ‬إملاءات،‭ ‬تلقين،‭ ‬إطلاق‭. ‬وعلى‭ ‬الطفل،‭ ‬لو‭ ‬ظهر‭ ‬في‭ ‬الصورة،‭ ‬أن‭ ‬يخضع‭ ‬لكل‭ ‬لذلك‭ ‬كله‭. ‬ليس‭ ‬ثمة‭ ‬حوار،‭ ‬ليس‭ ‬ثمة‭ ‬إنصات،‭ ‬ليس‭ ‬ثمة‭ ‬تفهم‭ ‬لخصوصية‭ ‬عالم‭ ‬الطفل،‭ ‬أو‭ ‬احترام‭ ‬لأولوياته،‭ ‬وبالتالي‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬حضور‭ ‬مستقل‭ ‬له،‭ ‬ولا‭ ‬اعتراف‭ ‬بعالمه‭. ‬فعالمه‭ ‬عالمنا‭ ‬نحن،‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬محل‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬ذواتنا‭ ‬وأدنى‭ ‬من‭ ‬ذاته‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬الذين‭ ‬يكتبون‭ ‬له‭ ‬ويسمّون‭ ‬أنفسهم‭ ‬كتّاباً‭ ‬للأطفال‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬يكونون‭ ‬كتّاباً‭ ‬تساقطوا‭ ‬من‭ ‬دروب‭ ‬الكتابة‭ ‬للكبار،‭ ‬كتاباً‭ ‬فشلوا‭ ‬في‭ ‬إقناع‭ ‬الكبار‭ ‬بمواهبهم،‭ ‬فلجأوا‭ ‬إلى‭ ‬الكتابة‭ ‬للأطفال،‭ ‬أي‭ ‬سقطوا‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬الكبار‭ ‬ووجدوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬أحضان‭ ‬الصغار‭.‬‭ ‬وها‭ ‬هم‭ ‬يكتبون‭ ‬لهم‭!‬

علينا‭ ‬أن‭ ‬نتخيل‭ ‬الآن‭ ‬أي‭ ‬كارثة‭ ‬هي‭ ‬هذه؟‭! ‬وكم‭ ‬من‭ ‬الجرائم‭ ‬ارتكبت‭ ‬بحق‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬ثقافتنا‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يسمّون‭ ‬أنفسهم‭ ‬كتاباً‭ ‬للأطفال؟‭!‬

‮ ‬‭***‬

نحن‭ ‬نعرف‭ ‬أن‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬والكتاب‭ ‬العرب‭ ‬المتمكنين‭ ‬كتبوا‭ ‬خلال‭ ‬مرحلة‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬للأطفال‭. ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬كتب‭ ‬هؤلاء‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬شعور‭ ‬وتوجّه‭ ‬وتطلّع‭ ‬صادر‭ ‬عمن‭ ‬يكتب‭ ‬لنفسه‭ ‬عندما‭ ‬يكتب‭ ‬للطفل؟

أن‭ ‬نكتب‭ ‬للطفل‭ ‬إنما‭ ‬نحن‭ ‬نكتب‭ ‬لأنفسنا‭. ‬التأمل‭ ‬في‭ ‬التجارب‭ ‬العالمية‭ ‬الجذابة‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬للأطفال‭ ‬تمنح‭ ‬هذا‭ ‬الاستنتاج‭. ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬السائدة‭.‬

‭***‬

أخيراً،‭ ‬لعل‭ ‬أهمّ‭ ‬تجربة‭ ‬في‭ ‬التأسيس‭ ‬للكتابة‭ ‬للأطفال‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬لم‭ ‬يجر‭ ‬تجاوزها‭ ‬إلى‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الكتابة‭ ‬الشائعة،‭ ‬هي‭ ‬تجربة‭ ‬كامل‭ ‬الكيلاني‭ ‬الذي‭ ‬كتب‭ ‬في‭ ‬الأربعينات‭ ‬والخمسينات‭ ‬والستينات‭ ‬قصصا‭ ‬للأطفال‭ ‬استلهم‭ ‬فيها‭ ‬الأساطير‭ ‬الإغريقية‭ ‬والخرافات‭ ‬العربية‭ ‬القديمة‭ ‬‮ ‬والنثر‭ ‬الحكائي‭ ‬العربي‭ ‬الموجود‭ ‬في‭ ‬ألف‭ ‬ليلة‭ ‬خصوصاً،‭ ‬واستلهم‭ ‬القصص‭ ‬العالمية‭ ‬الشهيرة‭ ‬نفسها‭. ‬وأظن‭ ‬أنه‭ ‬ترجم‭ ‬وكتب‭ ‬معا‭. ‬النموذج‭ ‬الحكائي‭ ‬والسردي‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬الذي‭ ‬قدمه‭ ‬الكيلاني،‭ ‬يجعلني‭ ‬أعتبره‭ ‬مؤسس‭ ‬السرد‭ ‬القصصي‭ ‬الشيق‭ ‬للأطفال‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭. ‬طبعا‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬كتب‭ ‬بعده‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬والعراق‭ ‬وسوريا‭ ‬ولبنان‭ ‬خصوصا‭. ‬على‭ ‬أن‭ ‬الملاحظة‭ ‬الأساسية‭ ‬على‭ ‬جلّ‭ ‬ما‭ ‬كتب‭ ‬لاحقاً‭ ‬للأطفال‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يجتذب‭ ‬ذائقة‭ ‬الأطفال،‭ ‬ولم‭ ‬يساير‭ ‬تطوّرهم‭ ‬الذهني،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فهو‭ ‬لم‭ ‬يحضر‭ ‬كما‭ ‬يجب‭ ‬في‭ ‬نلك‭ ‬الذائقة‭ ‬ولم‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬التأسيس‭ ‬لتيار‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬للأطفال‭. ‬فنحن‭ ‬نجد‭ ‬كتابا‭ ‬مفردين،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬تيارا‭ ‬للكتابة‭ ‬رغم‭ ‬كثرة‭ ‬المدّعين‭ ‬الذين‭ ‬يطبعون‭ ‬وينشرون‭ ‬للأطفال‭. ‬واليوم‭ ‬هناك‭ ‬بالمقابل‭ ‬من‭ ‬يكتب‭ ‬بطلب‭ ‬من‭ ‬المطابع٬‭ ‬ووزارة‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ ‬تشتري‭ ‬هذه‭ ‬الكتب‭ ‬بمناقصات٬‭ ‬هذه‭ ‬جريمة‭ ‬كبرى‭ ‬يشترك‭ ‬فيها‭ ‬السوق‭ ‬التجاري‭ ‬مع‭ ‬وزارات‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ ‬العربية‭.‬

لندن‭ ‬حزيران‭/ ‬يونيو‭ ‬2017



مقالات أخرى للكاتب:

  • يا له من سؤال!
  • الخُرُوجُ مِنْ شَرْقِ المُتَوَسِّطِ
  • رنا‭ ‬قباني:‭ ‬ ‬الغرب‭ ‬يرفضني‭ ‬والأصوليون‭ ‬أيضا‭!‬
  • عقدة‭ ‬قتل‭ ‬الإبن
  • ما في الكون من رجل
  • بلاغة النشيد الكوني
  • نَهْرٌ‭ ‬عَلَى‭ ‬صَلِيبْ
  • العبد‭ ‬التكنولوجي
  • الأمة المرجأة والروح الحائرة
  • النخب إلى الصراع والجموع إلى المصارع
  • اغترب‭ ‬تتجدد
  • أُنْشُودَةُ‭ ‬يُوسُفْ
  • بحيرة العجائب السبع وضفاف الثقافات
  • كبوة‭ ‬الآباء‭ ‬ونهوض‭ ‬الأبناء
  • الشعر أسطورة العشاق والشعراء فرسان أزليون
  • القصيدة ما بعد الأخيرة
  • الديني والدنيوي والصراع على الأجيال الجديدة
  • حدث‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬كأنه‭ ‬لم‭ ‬يحدث
  • سماء عامرة بالنجوم في صيف لا ينتهي
  • الإقامة‭ ‬في‭ ‬جغرافية‭ ‬المتاهة
  • ربيع‭ ‬محترق
  • القصيدة كائن يتيم والديوان ملجأ للأيتام
  • أصوات المسرح أصوات المجتمع
  • أهو‭ ‬حقا‭ ‬صراع‭ ‬سرديات‭ ‬أم‭ ‬عبث‭ ‬بالهويات‭!‬
  • الحرائق تكتب والأدب يتساءل
  • حملة‭ ‬الأقلام‭ ‬وحملة‭ ‬التوابيت
  • ثقافة‭ ‬الماضي‭ ‬وثقافات‭ ‬المستقبل
  • قارب‭ ‬إلى‭ ‬لسبوس
  • الآخر مرآة الأنا
  • عام على ولادة مجلة “الجديد”
  • لغة‭ ‬الأسئلة‭ ‬رداً‭ ‬على‭ ‬لغة‭ ‬الإبادة
  • هواء‭ ‬خفيف
  • الشعراء‭ ‬سارقو‭ ‬النار
  • في وصف ما يحدث على أرض العرب
  • سلمى الخضراء الجيوسي: أمة عربية يتيمة
  • أرض‭ ‬الشعر‭ ‬وأرض‭ ‬الآلام
  • قنطرة عربية
  • مراثي هابيل
  • العرب يكتبون القصص
  • هالة المستبد وقناع المثقف وفراشة الحرية
  • لاعاصم إلا الثقافة
  • من‭ ‬حدائق‭ ‬الصور‭ ‬إلى‭ ‬حرائق‭ ‬الخارطة