النص‭ ‬العربي‭ ‬والآخر‭ ‬الغربي

مؤثرات‭ ‬تراثية‭ ‬في‭ ‬القصة‭ ‬الحديثة

الجديد  خلدون الشمعة [نُشر في 01/07/2017، العدد: 30، ص(20)]

لوحة: بكري الدوغري
أن‭ ‬يتكلم‭ ‬الباحث‭ ‬عن‭ ‬المواجهة‭ ‬بين‭ ‬أدبين‭ ‬متمايزين‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬الكلام‭ ‬عن المثاقفة ‬Acculturation، ذلك‭ ‬المصطلح‭ ‬الأثير‭ ‬لدى‭ ‬دارسي‭ ‬الأنثروبولوجيا‭ ‬الثقافية،‭ ‬والذي‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬التأثير‭ ‬الذي‭ ‬تمارسه‭ ‬ثقافة‭ ‬أو‭ (‬حضارة‭) ‬معينة‭ ‬على‭ ‬ثقافة‭ ‬أخرى‭.‬‮ ‬غير‭ ‬ان‭ ‬‮«‬المثاقفة‮»‬‭ ‬ليست‭ ‬وحيدة‭ ‬الاتجاه‭ ‬دائماً‭. ‬فهي‭ ‬حوار‭ ‬بين‭ ‬الذات‭ ‬والآخر،‭ ‬لا‭ ‬يتعين‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬نتائجه‭ ‬أن‭ ‬تلتهم‭ ‬الثقافة‭ ‬أو‭ (‬الحضارة‭) ‬الأعظم‭ ‬ثقافة‭ ‬أو‭ ‬حضارة‭ ‬أقل‭ ‬شأناً‭ ‬منها‭.‬

ومع‭ ‬ذلك‭ ‬فالعلاقة‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬أدت‭ ‬بدورها‭ ‬إلى‭ ‬نشوء‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بظاهرة‭ ‬الاستشراق‭ ‬التي‭ ‬إذا‭ ‬أهملنا‭ ‬جوانبها‭ ‬الإيجابية‭ ‬وأردنا‭ ‬الاقتصار‭ ‬على‭ ‬رصد‭ ‬تجلياتها‭ ‬المَرَضية،‭ ‬فلِا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬إزاء‭ ‬ظاهرة‭ ‬النزعة‭ ‬المركزية‭ ‬الأوروبية‭ ‬أي‭ ‬دراسة‭ ‬الشرق‭ ‬باعتباره‭ ‬‮«‬الآخر‮»‬‭ ‬المغاير‭ ‬باستمرار‭.‬ هذا‭ ‬الجانب‭ ‬من‭ ‬‮«‬المثاقفة‮»‬، المدجج‭ ‬بالسلاح،‭ ‬لا‭ ‬يهمني‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬وإنما‭ ‬أود‭ ‬أن‭ ‬أستدعي‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬مصطلحاً‭ ‬عربياً‭ ‬من‭ ‬مصطلحات‭ ‬أبي‭ ‬حيان‭ ‬التوحيدي،‭ ‬هو‭ ‬‮«‬المقابسة‮»‬، أؤثره‭ ‬على‭ ‬سواه‭ ‬باعتباره‭ ‬يصلح‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬‮«‬المثاقفة‮»‬‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬حوار‭ ‬حضاري‭ ‬بين‭ ‬الذات‭ ‬والآخر،‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬مشروع‭ ‬للتبادل‭ ‬بين‭ ‬قبس‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬بقبس‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬اخرى‭.‬

و»المقابسة‮»‬‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬ربما‭ ‬كانت‭ ‬قريبة، بالهالة‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬بها، من‭ ‬كلمةContraferentia التي‭ ‬صكها‭ ‬الاسباني‭ ‬يوحنا‭ ‬الشقوبي ‭ ‬Jahn of Segobia في‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬الرابع‭ ‬عشر‭ ‬الميلادي،‭ ‬لتدشين‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬مؤتمر‮»‬،يكرس‭ ‬حواراً‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬والعرب،‭ ‬يستبدل‭ ‬السيف،‭ ‬بالقلم‭.‬

في‭ ‬إطار‭ ‬عملية‭ ‬‮«‬المقابسة»هذه،‭ ‬أود‭ ‬أن‭ ‬أسبر‭ ‬بعض‭ ‬جوانب‭ ‬المثاقفة‭ ‬بين‭ ‬جنسين‭ ‬أدبيين‭ ‬ينتميان‭ ‬إلى‭ ‬مفهومين‭ ‬متباينين‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬والغربي‭.‬

أولا‭:‬ هناك‭ ‬شكل‭ ‬قصصي‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬سلالة‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬القديم،‭ ‬سأطلق‭ ‬عليه‭ ‬تجاوزاً‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬الجنس‭ ‬الموسوعي ‮»‬Encyclopedic Genre لأصف‭ ‬به‭ ‬كتباً‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬الأغاني‮»‬‭ ‬لأبي‭ ‬الفرج‭ ‬الأصفهاني،‭ ‬وأخبار‭ ‬ابن‭ ‬دريد،‭ ‬و»نشوار‭ ‬المحاضرة‭ ‬وأخبار‭ ‬المذاكرة»للتنوخي،‭ ‬و»طوق‭ ‬الحمامة‮»‬‭ ‬لابن‭ ‬حزم‭ ‬الأندلسي،‭ ‬تشتمل‭ ‬على‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬الأجناس‭ ‬الأدبية‭ ‬كالأخبار‭ ‬والقصص‭ ‬المروية‭ ‬والقصائد‭.‬ وهذا‭ ‬الشكل‭ ‬الموسوعي‭ ‬الذي‭ ‬يتطابق‭ ‬فيه‭ ‬مفهوم‭ ‬الأدب‭ ‬والتاريخ،‭ ‬ويكون‭ ‬فيه‭ ‬الأدب‭ ‬تاريخاً‭ ‬والتاريخ‭ ‬أدباً،‭ ‬يختلف‭ ‬جذرياً‭ ‬عن‭ ‬مفهوم‭ ‬القصةFiction كما‭ ‬تقدمه‭ ‬نظرية‭ ‬الأجناس‭ ‬الأدبية‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬الغربي،‭ ‬وهي‭ ‬النظرية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬افتراضات‭ ‬اجتماعية‭ ‬وسيكولوجية‭ ‬اكتسبت‭ ‬صيغة‭ ‬القوانين‭ ‬المعيارية‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الزمن‭.‬

ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬فقد‭ ‬تعامل‭ ‬بعض‭ ‬النقاد‭ ‬العرب‭ ‬المحدثين‭ ‬كالدكتور‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬وجرجي‭ ‬زيدان‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الشكل‭ ‬القصصي‭ ‬الموسوعي،‭ ‬ومثاله‭ ‬هنا‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬الأغاني‮»‬‭ ‬على‭ ‬انه‭ ‬مؤلف‭ ‬في‭ ‬التأريخ‭. ‬بينما‭ ‬رأى‭ ‬فيه‭ ‬نقاد‭ ‬آخرون‭ ‬كالدكتور‭ ‬زكي‭ ‬مبارك‭ ‬كتابا‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مؤلفاً‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭.‬

ثانياً‭:‬هذا‭ ‬الشكل‭ ‬القصصي‭ ‬الموسوعي‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬محوراً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬وجد‭ ‬طريقه‭ ‬إلى‭ ‬الأدب‭ ‬الغربي‭ ‬الحديث‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أعمال‭ ‬كاتبين‭ ‬قصصين‭ ‬هما‭ ‬الأميركي‭ ‬إرفينغ ‭ ‬Washington Irvingوالأرجنتيني‭ ‬خورخي‭ ‬لويس‭ ‬بورخس ‭ .‬Jorge Luis Borgesفي‭ ‬عام‭ ‬1832أصدر‭ ‬الكاتب‭ ‬الأميركي‭ ‬واشنطن‭ ‬إرفينغ‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬قصص‭ ‬الحمراء‮»‬‭ ‬ويعترف‭ ‬إرفينغ‭ ‬ان‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬نفح‭ ‬الطيب‮»‬‭ ‬لأحمد‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬المقري‭ ‬الذي‭ ‬ترجم‭ ‬إلى‭ ‬الانكليزية‭ ‬في‭ ‬عام1840 والذي‭ ‬يعتبر‭ ‬المصدر‭ ‬العربي‭ ‬الوحيد‭ ‬عن‭ ‬اسبانيا‭ ‬العربية‭ ‬الاسلامية،‭ ‬هو‭ ‬المصدر‭ ‬الذي‭ ‬استمد‭ ‬منه‭ ‬مادة‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬قصص‭ ‬الحمراء‮»‬‭.‬ وقد‭ ‬أشار‭ ‬إ‭ .‬ل‭. ‬رينلاغ ‭ ‬E.L‭. ‬Ranelaghفي‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬الماضي‭ ‬المشترك» إلى‭ ‬أن‭ ‬إرفينغ‭ ‬كان‭ ‬أول‭ ‬مؤلف‭ ‬أميركي‭ ‬يرحل‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬قصص‭ ‬واساطير‭ ‬يعتمدها‭ ‬اساسا‭ ‬لقصصه‭.‬لقد‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬غرناطة‭ ‬فوقع‭ ‬اسيرا‭ ‬لسحر‭ ‬الماضي‭ ‬هناك،‭ ‬وحصل‭ ‬على‭ ‬ترخيص‭ ‬من‭ ‬حاكمها،‭ ‬يسمح‭ ‬له‭ ‬بأن‭ ‬يقطن‭ ‬في‭ ‬قصر‭ ‬الحمراء‭ ‬لمدة‭ ‬ثلاثة‭ ‬شهور،‭ ‬بين‭ ‬أيار‭ ‬وتموز‭ ‬من‭ ‬عام‭.‬1829 وفي‭ ‬غرناطة‭ ‬استمع‭ ‬إرفينغ‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬رواة‭ ‬الحكايات‭ ‬ومنهم‭ ‬‮«‬ماتيو‭ ‬خيمينيز‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬روى‭ ‬له‭ ‬أخباراً‭ ‬مصدرها‭ ‬جده‭ ‬الذي‭ ‬ولد‭ ‬قبل‭ ‬مائة‭ ‬عام،‭ ‬قال‭ ‬انه‭ ‬قرأها‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬عربي‭ ‬عن‭ ‬السحر،‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬حكايات‭ ‬مغربية‭ ‬تتعلق‭ ‬بكنز‭ ‬مدفون‭.‬

إحدى‭ ‬قصص‭ ‬الحمراء‭ ‬هذه،عنوانها‭: ‬المنجم‭ ‬العربي The Arabian Astrologer بل‭ ‬إن‭ ‬هناك‭ ‬إشارة‭ ‬محددة‭ ‬الى‭ ‬منارة‭ ‬مربعة‭ ‬في‭ ‬قادش،‭ ‬كان‭ ‬يعتليها‭ ‬فارس‭ ‬يتوكأ‭ ‬على‭ ‬عصا‭ ‬بيده‭ ‬اليمنى‭ ‬بينما‭ ‬تشير‭ ‬يده‭ ‬اليسرى‭ ‬إلى‭ ‬جبل‭ ‬طارق‭.‬ وقد‭ ‬اعتقد‭ ‬السكان‭ ‬المسلمون‭ ‬العرب‭ ‬ان‭ ‬التمثال‭ ‬كان‭ ‬نذير‭ ‬شؤم‭ ‬ونحس‭ ‬وانه‭ ‬كان‭ ‬بمثابة‭ ‬الطلسم‭ ‬الذي‭ ‬يهتدي‭ ‬به‭ ‬القراصنة‭ ‬إلى‭ ‬الشاطئ،‭ ‬فيسارعون‭ ‬إلى‭ ‬غزوه‭.‬ وعندما‭ ‬علم‭ ‬احد‭ ‬القادة‭ ‬البحريين‭ ‬المسلمين‭ ‬بأن‭ ‬التمثال‭ ‬مصنوع‭ ‬من‭ ‬الذهب‭ ‬الخالص،‭ ‬أمر‭ ‬بإنزاله‭ ‬وتحطيمه،‭ ‬فتبين‭ ‬له‭ ‬انه‭ ‬من‭ ‬النحاس‭ ‬المطلي‭ ‬بالذهب‭.‬ والغريب‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬ان‭ ‬غزوات‭ ‬القراصنة‭ ‬توقفت‭ ‬بعد‭ ‬تحطيم‭ ‬التمثال‭. ‬

بطل‭ ‬القصة‭ ‬هو‭ ‬الملك‭ ‬المغربي‭ ‬ابن‭ ‬حبوس Aben Habuz الذي‭ ‬حكم‭ ‬مملكة‭ ‬غرناطة‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬التصدي‭ ‬لمنافسيه‭ ‬من‭ ‬الطامعين‭.‬ ومما‭ ‬جعل‭ ‬الأمر‭ ‬أشد‭ ‬سوءاً‭ ‬ان‭ ‬غرناطة‭ ‬محاطة‭ ‬بجبال‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬رؤية‭ ‬العدو‭ ‬وهو‭ ‬يتقدم،‭ ‬فاضطر‭ ‬ابن‭ ‬حبوس‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬البروج‭ ‬لمراقبة‭ ‬تحركات‭ ‬الأعداء‭.‬ إلا‭ ‬انهم‭ ‬كانوا‭ ‬دائما‭ ‬يجدون‭ ‬المنفذ‭ ‬الذي‭ ‬ينفذون‭ ‬منه‭. ‬وعندما‭ ‬زاره‭ ‬طبيب‭ ‬عربي‭ ‬اسمه‭ ‬ابراهيم‭ ‬بن‭ ‬أيوب‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬مصر‭ ‬سيراً‭ ‬على‭ ‬الأقدام،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬درس‭ ‬فيها‭ ‬‮«‬العلوم‭ ‬السوداء‮»‬‭ ‬ومنها‭ ‬‮«‬السحر‮»‬‭ ‬أصبح‭ ‬بمثابة‭ ‬الآمر‭ ‬الناهي‭ ‬في‭ ‬البلاط‭. ‬فقد‭ ‬بنى‭ ‬له‭ ‬طلسماً‭ ‬سحرياً‭ ‬كان‭ ‬يشير‭ ‬بإصبعه‭ ‬إلى‭ ‬العدو‭ ‬عندما‭ ‬يراه‭ ‬من‭ ‬برج‭ ‬المراقبة‭ ‬الذي‭ ‬يعلو‭ ‬فوق‭ ‬الحواجز‭ ‬الطبيعية‭ ‬المحيطة‭ ‬بغرناطة،‭ ‬فيسارع‭ ‬قائده‭ ‬العسكري‭ ‬رضوان‭ ‬لإحباط‭ ‬أي‭ ‬هجوم‭ ‬على‭ ‬المدينة‭. ‬يعلق‭ ‬الكاتب‭ ‬‮«‬على‭ ‬قصة‭ ‬‮«‬المنجم‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬هذه‭ ‬بالقول‭ ‬ان‭ ‬العناصر‭ ‬الرئيسية‭ ‬فيها‭ ‬شرقية‭ ‬واضحة‭ ‬ولا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬التذكير‭ ‬بنفح‭ ‬الطيب‭ ‬أو‭ ‬بأي‭ ‬مؤلف‭ ‬آخر‭ ‬للمقري‭ ‬حتى‭ ‬تنكشف‭ ‬لنا‭ ‬مصادرها‭. ‬إلا‭ ‬ان‭ ‬ما‭ ‬يشير‭ ‬إليه‭ ‬المصدر‭ ‬هو‭ ‬ان‭ ‬القصة،‭ ‬التي‭ ‬اعتمدت‭ ‬على‭ ‬عناصر‭ ‬إخبارية‭ ‬تسجيلية‭ ‬كأسماء‭ ‬الأماكن‭ ‬والأشخاص،‭ ‬تنتهج‭ ‬طريقة‭ ‬في‭ ‬الأداء‭ ‬هي‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬النص‭ ‬الذي‭ ‬اعتمدته‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬سلالة‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬القديم‭ ‬كالأغاني‭ ‬ونفح‭ ‬الطيب‭.‬ ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬قارئ‭ ‬‮«‬واشنطن‭ ‬إرفنغ‮»‬‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬الحيرة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬واجهها‭ ‬قراء‭ ‬الأصفهاني‭ ‬وابن‭ ‬خلدون‭ ‬والجاحظ‭ ‬والتوحيدي‭ ‬والمقري‭ ‬من‭ ‬النقاد‭ ‬المحدثين‭:‬ هل‭ ‬يقرأ‭ ‬كتاباً‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬أم‭ ‬قصة‭ ‬هدفها‭ ‬لا‭ ‬يتعدى‭ ‬حاجة‭ ‬حب‭ ‬الاستمتاع؟‭.‬

يرى‭ ‬الأنثروبولوجيون‭ ‬ان‭ ‬عملية‭ ‬المثاقفة‭ ‬التي‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬باب‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الثقافي‭ ‬والعلاقة‭ ‬بين‭ ‬ثقافة‭ ‬غازية‭ ‬وأخرى‭ ‬مغزوة،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬متبادلة‭.‬ إذ‭ ‬لا‭ ‬حاجة‭ ‬دائماً‭ ‬للثقافة‭ ‬الأكبر‭ ‬حجماً‭ ‬أن‭ ‬تبتلع‭ ‬الثقافة‭ ‬الأصغر

من‭ ‬الواضح‭ ‬إن‭ ‬سبب‭ ‬الحيرة‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬أمرين‭:‬

الأول‭: ‬إن‭ ‬الناقد‭ ‬العربي‭ ‬الحديث‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬نظرية‭ ‬كلاسيكية‭ ‬في‭ ‬الأجناس‭ ‬الأدبية‭ ‬هي‭ ‬بمثابة‭ ‬تنويع‭ ‬على‭ ‬الثيمة‭ ‬الرئيسية‭ ‬التي‭ ‬اعتمدها‭ ‬أرسطو‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الرابع‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد‭.‬

والثاني‭:‬إن‭ ‬الناقد‭ ‬نفسه‭ ‬لا‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬نظرية‭ ‬الأجناس‭ ‬الأدبية‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬تتسم‭ ‬بأنها‭ ‬وصفية‭ ‬بحتة،‭ ‬أي‭ ‬تحاول‭ ‬تجنب‭ ‬إعطاء‭ ‬تحديدات‭ ‬مفروضة‭ ‬مسبقاً،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإنها‭ ‬تسمح‭ ‬لنا‭ ‬بأن‭ ‬نصنف‭ ‬‮«‬المقامة‮»‬‭ ‬باعتبارها‭ ‬مقامة‭ ‬وليس‭ ‬باعتبارها‭ ‬قصة‭ ‬ناقصة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مكتملة‭.‬ وتسمح‭ ‬لنا‭ ‬أيضا‭ ‬بأن‭ ‬نقرأ‭ ‬كتبا‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬‮«‬الأغاني‮»‬‭ ‬و‭ ‬‮«‬نفح‭ ‬الطيب‮»‬‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬طبيعتها‭ ‬الخاصة‭. ‬لنقل‭ ‬إذن‭ ‬إن‭ ‬قصص‭ ‬الحمراء‭ ‬لواشنطن‭ ‬إرفنغ،‭ ‬أراد‭ ‬صاحبها‭ ‬ربما‭ ‬عن‭ ‬وعي‭ ‬منه‭ ‬لما‭ ‬يفعل،‭ ‬قد‭ ‬نسجت‭ ‬على‭ ‬منوال‭ ‬الأخبار‭ ‬التاريخية‭ ‬المبثوثة‭ ‬في‭ ‬الشكل‭ ‬القصصي‭ ‬الموسوعي‭ ‬لدى‭ ‬المقري،‭ ‬فما‭ ‬حصيلة‭ ‬ذلك؟

تبرز‭ ‬رداً‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التساؤل‭ ‬ملاحظتان‭:‬

الملاحظة‭ ‬الأولى‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬النقاد‭ ‬العرب‭ ‬القدامى‭ ‬لم‭ ‬يكترثوا‭ ‬بالقصص‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موثقة‭ ‬بأسماء‭ ‬المكان‭ ‬والزمان‭ ‬والرواة‭. ‬فالتاريخ‭ ‬خبر،‭ ‬والخبر‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مسنداً‭ ‬وموثقاً،‭ ‬وهو‭ ‬باعتباره‭ ‬تاريخاً‭ ‬وأدباً،‭ ‬مصدر‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬المعرفة‭.‬الملاحظة‭ ‬الثانية‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬النقاد‭ ‬أنفسهم‭ ‬لم‭ ‬يكترثوا‭ ‬كثيراً‭ ‬بالحكايات‭ ‬المخترعة‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬ألف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلة،‭ ‬باعتبارها‭ ‬لا‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬سند‭ ‬تاريخي‭ ‬موثق،‭ ‬أو‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تتطابق‭ ‬مع‭ ‬حقيقة‭ ‬تاريخية‭ ‬موثقة‭.‬

ما‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المنظور،‭ ‬علاقة‭ ‬واشنطن‭ ‬إرفنغ‭ ‬بالتراث‭ ‬الغربي‭ ‬الأوروبي‭ ‬والأميركي،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تكشفت‭ ‬لنا‭ ‬علاقته‭ ‬بالتراث‭ ‬العربي‭.‬؟

لقد‭ ‬اعتبر‭ ‬واشنطن‭ ‬إرفنغ‭ ‬الذي‭ ‬ولد‭ ‬بنيويورك‭ ‬في‭ ‬عام1783وتوفي‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1859وكان‭ ‬رحالة‭ ‬مفتوناً‭ ‬بالشرق‭ ‬شأن‭ ‬كل‭ ‬الكتاب‭ ‬الرومانسيين‭ ‬الأوروبيين‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة،‭ ‬بمثابة‭ ‬أول‭ ‬كاتب‭ ‬أميركي‭ ‬يحوز‭ ‬على‭ ‬الاعتراف‭ ‬والتقدير‭ ‬الأوروبي‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الأدب‭ ‬الأميركي‭. ‬فما‭ ‬هي‭ ‬علاقة‭ ‬إرفنغ‭ ‬بأوروبا‭.‬؟

إن‭ ‬قصة‭ ‬‮«‬المنجم‭ ‬العربي‮»‬‭.‬التي‭ ‬استمدها‭ ‬إرفنغ‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬العربي،‭ ‬لم‭ ‬تلبث‭ ‬ان‭ ‬تسللت‭ ‬إلى‭ ‬التراث‭ ‬الروسي‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬‮«‬بوشكين‮»‬1799‭-‬1837 الذي‭ ‬نظمها‭ ‬شعراً‭ ‬في‭ ‬حكاية‭ ‬الديك‭ ‬الذهبي ‭ ‬The Tale of the golden cockerel إلا‭ ‬إنه‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬بوشكين‭ ‬يذكر‭ ‬أن‭ ‬المنجم‭ ‬العربي‭ ‬كان‭ ‬يعتمر‭ ‬قبعات‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬قبعات‭ ‬المغاربة‭ ‬المسلمين Saracen فإنه‭ ‬يقدم‭ ‬القصة‭ ‬دون‭ ‬خلفيتها‭ ‬الأندلسية‭. ‬فهناك‭ ‬القيصر‭ ‬دودونDodonالذي‭ ‬يحكم‭ ‬بلداً‭ ‬لا‭ ‬يسميه‭ ‬بوشكين‭ ‬بالاسم‭.‬ وهناك‭ ‬أيضا‭ ‬تمثال‭ ‬الفارس‭ ‬الذي‭ ‬ينتصب‭ ‬على‭ ‬مرتفع‭ ‬بغرناطة‭ ‬ليراقب‭ ‬الأعداء‭ ‬وليستحيل‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬إلى‭ ‬ديك‭ ‬ذهبي‭ ‬لا‭ ‬يلبث‭ ‬أن‭ ‬يفتك‭ ‬بالقيصر‭. ‬وقد‭ ‬قام‭ ‬ريمسكي‭ ‬كورساكوف‭ ‬بتلحين‭ ‬الثيمة‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬أوبرا‭ ‬‮«‬الديك‭ ‬الذهبي‮»‬‭. ‬وهكذا‭ ‬صرنا‭ ‬بعملية‭ ‬مثاقفة‭ ‬بين‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬والأميركي،‭ ‬وأخرى‭ ‬بين‭ ‬الأدب‭ ‬الأميركي‭ ‬والروسي،‭ ‬نقف‭ ‬‮«‬أمام‭ ‬سخرية‭ ‬مزدوجة‮»‬‭:‬ فقد‭ ‬أصبح‭ ‬إرفنغ‭ ‬الأميركي‭ ‬ممثلاً‭ ‬للثقافة‭ ‬الشرقية،‭ ‬وبوشكين‭ ‬الروسي‭ ‬الذي‭ ‬يرفض‭ ‬النقاد‭ ‬السوفيات‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالمصدر‭ ‬العربي‭ ‬لحكايته‭ ‬التي‭ ‬وصلته‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الوسيط‭ ‬الأميركي‭: ‬‮«‬ممثلاً‭ ‬للثقافة‭ ‬الغربية‭!‬‮»‬‭.‬

دعونا‭ ‬ننتقل‭ ‬الآن‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬التفاعل‭ ‬أو‭ ‬المواجهة‭ ‬بين‭ ‬أدبين‭:‬ عربي‭ ‬كلاسيكي‭ ‬وأميركي‭ ‬لاتيني‭ ‬حديث‭. ‬بل‭ ‬لعلها‭ ‬بتعبير‭ ‬أدق،‭ ‬مواجهة‭ ‬بين‭ ‬أدب‭ ‬قديم‭ ‬يمثله‭ ‬فن‭ ‬الخبر‭ ‬عند‭ ‬العرب،‭ ‬وبين‭ ‬كاتب‭ ‬حداثي‭ (‬نسبة‭ ‬إلى‭ ‬حركة‭ ‬الحداثة‭ ‬Modernism‭)‬ أرجنتيني‭ ‬هو‭ ‬خورخي‭ ‬لويس‭ ‬بورخيس ‭ .‬Borges

والمفارقة‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬بورخيس‭ ‬الأميركي‭ ‬الجنوبي‭ ‬هذه‭ ‬انها‭ ‬بمثابة‭ ‬تنويع‭ ‬طليعي‭ ‬على‭ ‬تجربة‭ ‬واشنطن‭ ‬إرفنغ‭ ‬الاميركي‭ ‬الشمالي‭. ‬إلا‭ ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال،‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬علاقة‭ ‬تأثر‭ ‬وتأثير‭ ‬بين‭ ‬الكاتبين‭ ‬وإنما‭ ‬يتأتى‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬مصادرهما‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬متشابهة،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬نقل‭ ‬مشتركة‭.‬

ولد‭ ‬الكاتب‭ ‬الأرجنتيني‭ ‬بورخيس‭ ‬في‭ ‬عام 1899 بمدينة‭ ‬بونس‭ ‬آيرس،‭ ‬وتلقى‭ ‬علومه‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬حيث‭ ‬تعلم‭ ‬العربية،‭ ‬ونشرت‭ ‬كتاباته‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬المجلات‭ ‬الاسبانية‭ ‬الطليعية‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الاولى‭. ‬وفي‭ ‬عام1921أصدر‭ ‬بياناً‭ ‬أدبياً‭ ‬أعلن‭ ‬فيه‭ ‬تكريس‭ ‬تجربته‭ ‬الفنية‭ ‬للتجريب‭. ‬اضطهد‭ ‬خلال‭ ‬حكم‭ ‬بيرون‭ ‬ثم‭ ‬شغل‭ ‬منصب‭ ‬مدير‭ ‬المكتبة‭ ‬الوطنية‭ ‬وقام‭ ‬بتدريس‭ ‬اللغة‭ ‬الانكليزية‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬أصبح‭ ‬مصاباً‭ ‬بالعمى‭ ‬الكامل‭ ‬تقريباً‭ ‬قبل‭ ‬وفاته،‭ ‬فإنه‭ ‬ظل‭ ‬أبرز‭ ‬علم‭ ‬في‭ ‬أدب‭ ‬أميركا‭ ‬اللاتينية‭.‬

نال‭ ‬في‭ ‬عام ‭ ‬1961جائزة‭ ‬الناشرين‭ ‬الدولية‭ ‬بالاشتراك‭ ‬مع‭ ‬الكاتب‭ ‬الايرلندي‭ ‬صمويل‭ ‬بيكيت‭. ‬كما‭ ‬منحته‭ ‬مؤسسة‭ ‬‮«‬إنغرام‮»‬‭ ‬البريطانية‭ ‬جائزتها‭ ‬السنوية‭ ‬عن‭ ‬عام‭ ‬1966تقديراً‭ ‬لإسهامه‭:‬‮»‬المتميز‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬الحديث‮»‬‭ ‬وقبل‭ ‬سنوات‭ ‬منح‭ ‬الدكتوراه‭ ‬الفخرية‭ ‬من‭ ‬جامعتي‭ ‬أوكسفورد‭ ‬وكولومبيا‭ ‬ووصفته‭ ‬صحيفة‭ ‬التايمز‭ ‬بأنه:‭ ‬‮«‬أعظم‭ ‬كاتب‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬الاسبانية‭ ‬اليوم‮»‬‭.‬

ويمكن‭ ‬رصد‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬فن‭ ‬القصة‭ ‬لدى‭ ‬بورخيس‭ ‬وبين‭ ‬فن‭ ‬الخبر‭ ‬لدى‭ ‬العرب‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬منظور‭ ‬نقدي‭ ‬تحدده‭ ‬الاعتبارات‭ ‬التالية‭:‬

أولاً‭: ‬ابتكر‭ ‬بورخيس‭ ‬جنساً‭ ‬طليعياً‭ ‬أطلق‭ ‬عليه‭ ‬اسم Ficcion وهو‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬القصة‭ ‬والمقالة‭ ‬أو‭ ‬بالأحرى‭ ‬يقوم‭ ‬بعملية‭ ‬دمج‭ ‬بين‭ ‬القصة‭ ‬والخبر،‭ ‬أو‭ ‬بين‭ ‬الأدب‭ ‬والتاريخ‭.‬

وأحب‭ ‬أن‭ ‬أزعم‭ ‬بأن‭ ‬أسس‭ ‬الآداء‭ ‬الفني‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجنس‭ ‬الأدبي‭ ‬قد‭ ‬استفادت‭ ‬من‭ ‬تجربة‭ ‬التراث‭ ‬القصصي‭ ‬العربي‭. ‬وتشتمل‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬التراثية‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬العناصر‭ ‬التي‭ ‬تميز‭ ‬ابتكار‭ ‬بورخيس‭ ‬لجنسه‭ ‬الأدبي‭ ‬الطليعي،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬علاقة‭ ‬الأدب‭ ‬بالتار‭ ‬يخ‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬الثيمة Theme أو‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬علاقة‭ ‬القصة‭ ‬بالخبر‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬نمط‭ ‬الأداء‭.‬

ثانياً‭: ‬يطرح‭ ‬بورخيس‭ ‬نفسه‭ ‬كاتباً‭ ‬عالميا‭ ‬ً‭ ‬‮«‬كوزموبوليتياً‮»‬‭ ‬أو‭ ‬هو‭ ‬يعتبر‭ ‬أن‭ ‬الجمهور‭ ‬الذي‭ ‬يخاطبه‭ ‬جمهور‭ ‬عال‭ ‬غير‭ ‬محلي‭ ‬وغير‭ ‬زمني‭ (‬أي‭ ‬غير‭ ‬محدد‭ ‬بفترة‭ ‬تاريخية‭ ‬معينة‭). ‬

ولهذا‭ ‬فمادة‭ ‬الكتاب‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬مصادر‭ ‬عربية‭ ‬وإسلامية‭. ‬وقد‭ ‬كانت‭ ‬ألف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلة‭ ‬وكتب‭ ‬الأخبار‭ ‬العربية‭ ‬وكتب‭ ‬التاريخ‭ ‬الإسلامي‭ ‬من‭ ‬المصادر‭ ‬الأثيرة‭ ‬لديه،‭ ‬كما‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭:‬

ا‭ - ‬بعض‭ ‬قصصه‭.‬

ب‭ - ‬بعض‭ ‬تصريحاته‭ ‬المباشرة‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى‭.‬

جـ‭ - ‬بعض‭ ‬التقويمات‭ ‬النقدية‭ ‬التي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬مكوناته‭ ‬الفكرية‭ ‬والثقافية‭.‬

ثالثاً‭:‬ في‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬بدأ‭ ‬ظهور‭ ‬تأثير‭ ‬ألف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلة‭ ‬على‭ ‬الأدب‭ ‬والنقد‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬المقاييس‭ ‬الفنية‭ ‬للعصر‭ ‬الأوغسطي‭ ‬هي‭ ‬المقاييس‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬التقييم‭ ‬النقدي‭.‬ وهذا‭ ‬أدى‭ ‬بدوره‭ ‬إلى‭ ‬تزايد‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالدراسات‭ ‬الشرقية‭ ‬والفولكلورية‭ ‬وطرق‭ ‬السرد‭ ‬القصصي‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬من‭ ‬سيرة‭ ‬وتأريخ‭ ‬وخبر‭. ‬

ويشكل‭ ‬أدب‭ ‬بورخيس‭ ‬كما‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬ابتكاره‭ ‬للجنس‭ ‬الطليعي،‭ ‬الذي‭ ‬مزج‭ ‬فيه‭ ‬بين‭ ‬الخبر‭ ‬والقصة،‭ ‬مثالاً‭ ‬بارزاً‭ ‬على‭ ‬الأثر‭ ‬الذي‭ ‬أحدثه‭ ‬تجدد‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالرومانسية‭ ‬وتناقص‭ ‬الاهتمام‭ ‬بمقاييس‭ ‬العصر‭ ‬الأوغسطي‭ ‬الفنية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬النقد‭ ‬والأدب‭ ‬الأوروبيين،‭ ‬والالتفات‭ ‬الواعي‭ ‬للآداب‭ ‬الشرقية‭.‬

رابعاً‭:‬ يرى‭ ‬الأنثروبولوجيون‭ ‬ان‭ ‬عملية‭ ‬المثاقفة‭ ‬التي‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬باب‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الثقافي‭ ‬والعلاقة‭ ‬بين‭ ‬ثقافة‭ ‬غازية‭ ‬وأخرى‭ ‬مغزوة،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬متبادلة‭.‬ إذ‭ ‬لا‭ ‬حاجة‭ ‬دائماً‭ ‬للثقافة‭ ‬الأكبر‭ ‬حجماً‭ ‬أن‭ ‬تبتلع‭ ‬الثقافة‭ ‬الأصغر‭.‬ وهذا‭ ‬يوضح‭ ‬بجلاء‭ ‬ان‭ ‬علاقة‭ ‬التأثير‭ ‬والتأثر‭ ‬ليست‭ ‬علاقة‭ ‬قوة‭ ‬بضعف‭ ‬دائماً‭ .‬ومن‭ ‬البديهي‭ ‬ان‭ ‬المؤثرات‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬فن‭ ‬بورخيس‭ ‬القصصي‭ ‬تُخرج‭ ‬مفهوم‭ ‬المثاقفة‭ ‬في‭ ‬صورته‭ ‬السلبية‭ ‬كتعبير‭ ‬عن‭ ‬السيطرة‭ ‬السياسية‭ ‬لثقافة‭ ‬قوية‭ ‬على‭ ‬ثقافة‭ ‬أضعف‭ ‬منها‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬عنصر‭ ‬الاختيار‭ ‬الشخصي‭ ‬لدى‭ ‬بورخيس‭ ‬يلعب‭ ‬دوراً‭ ‬هاماً‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬أسس‭ ‬علاقته‭ ‬بالثقافة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭.‬

وعلى‭ ‬أية‭ ‬حال‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬ان‭ ‬مجالنا‭ ‬الآن‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الثقافي،‭ ‬وإنما‭ ‬سنعمد‭ ‬إلى‭ ‬النقد‭ ‬الأدبي‭ ‬المقارن‭ ‬سبيلا‭ ‬لإستقصاء‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬فن‭ ‬بورخيس‭ ‬القصصي‭ ‬وبين‭ ‬فن‭ ‬الخبر‭ ‬العربي‭. ‬

‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نميز‭ ‬بين‭ ‬ثلاثة‭ ‬مستويات‭ ‬من‭ ‬علاقة‭ ‬المواجهة‭ ‬بين‭ ‬بورخيس‭ ‬وبين‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭.‬

المستوى‭ ‬الأول‭:‬ ويتعلق‭ ‬بأضعف‭ ‬أنواع‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬ثقافتين‭ ‬أدبيتين‭ ‬وهو‭ ‬الانعكاس‭ ‬Reflection‭ ‬والمقصود‭ ‬بالانعكاس‭ ‬ظهور‭ ‬أسماء‭ ‬وموضوعات‭ ‬عربية‭ ‬وإسلامية‭ ‬أو‭ ‬مستمدة‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي‭ ‬في‭ ‬أدب‭ ‬بورخيس‭ .‬

المستوى‭ ‬الثاني‭:‬ ويتعلق‭ ‬بالتفاعلInteraction‭ ‬ بين‭ ‬ثقافتين‭ ‬أدبيتين‭. ‬والمقصود‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬العلاقة‭ ‬السمات‭ ‬الاسلوبية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالنسيج‭ ‬الفني Texture‭ ‬ والتي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬ان‭ ‬أبرزها‭ ‬بلورة‭ ‬بورخيس،‭ ‬متفاعلاً‭ ‬مع‭ ‬فن‭ ‬الخبر‭ ‬عند‭ ‬العرب،لأسلوب‭ ‬رياضي‭ (‬نسبة‭ ‬إلى‭ ‬رياضيات‭) ‬يعتبر‭ ‬القص‭ ‬طريقة‭ ‬إبلاغية‭ ‬الخبر‭ ‬الصحفي‭ ‬المعاصر‭ .‬

المستوى‭ ‬الثالث‭: ‬ويتعلق‭ ‬بالتأثير‭ ‬Influence‭ ‬وعلاقة‭ ‬التأثير‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬أشد‭ ‬المستويات‭ ‬بروزاً‭ ‬وتألقاً‭ ‬بالمعنى‭ ‬النقدي‭ ‬للبحث‭ ‬المقارن‭.‬

ولن‭ ‬أعمد‭ ‬إلى‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المستوى‭ ‬من‭ ‬العلاقة‭ ‬نظراً‭ ‬لأنه‭ ‬يتطلب‭ ‬أدوات‭ ‬في‭ ‬السبر‭ ‬والبحث‭ ‬ليست‭ ‬متوفرة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬وتتعلق‭ ‬بالتاريخ‭ ‬الثقافي‭ ‬والأنثروبولوجيا‭ ‬قدر‭ ‬ما‭ ‬تتعلق‭ ‬بالنقد‭ ‬الأدبي‭. ‬

لوحة: بكري الدوغري

الأدب‭ ‬والتاريخ

يرى‭ ‬النقد‭ ‬الأدبي‭ ‬منذ‭ ‬أرسطو‭ ‬ان‭ ‬الأحداث‭ ‬تحدث‭ ‬جزافاً،‭ ‬أي‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للحدوث‭. ‬وقد‭ ‬بين‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬فن‭ ‬الشعر‮»‬‭ ‬ان‭ ‬من‭ ‬الأفضل‭ ‬ان‭ ‬تعتمد‭ ‬المأساة‭ ‬على‭ ‬التاريخ‭ ‬أو‭ ‬الأسطورة‭. ‬ذلك‭ ‬ان‭ ‬الجمهور‭ ‬على‭ ‬استعداد‭ ‬للقبول‭ ‬بما‭ ‬يعلم‭ ‬أنه‭ ‬حدث‭ ‬فعلاً‭ ‬أ‭ ‬كثر‭ ‬مما‭ ‬هو‭ ‬مستعد‭ ‬للقبول‭ ‬بقصة‭ ‬من‭ ‬الجلي‭ ‬انها‭ ‬من‭ ‬نسج‭ ‬الخيال‭. ‬وتقوم‭ ‬نظرية‭ ‬أرسطو‭ ‬على‭ ‬افتراض‭ ‬مفاده‭ ‬ان‭ ‬عواطف‭ ‬جمهور‭ ‬المأساة‭ ‬من‭ ‬خوف‭ ‬وشفقة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إثارتها‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬عقدة‭ ‬من‭ ‬حوادث‭ ‬لا‭ ‬يعتقد‭ ‬الجمهور‭ ‬بإمكان‭ ‬حدوثها‭. ‬ولهذا‭ ‬فقد‭ ‬رأى‭ ‬أرسطو‭ ‬ان‭ ‬من‭ ‬الأهم‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الحوادث‭ ‬قابلة‭ ‬للحدوث‭ ‬أو‭ ‬التصديق‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬حدثت‭ ‬فعلاً‭. ‬

وبعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬فإن‭ ‬أرسطو‭ ‬يرى‭ ‬ما‭ ‬معناه‭ ‬انه‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬على‭ ‬الكاتب‭ ‬أن‭ ‬يختار‭ ‬بين‭ ‬الدقة‭ ‬التاريخية‭ ‬الحرفية‭ ‬وبين‭ ‬تأثير‭ ‬مقطع‭ ‬ما‭ ‬أو‭ ‬قيمته‭ ‬المضمونية‭ ‬أو‭ ‬الأدائية،‭ ‬فان‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬على‭ ‬استعداد‭ ‬لأن‭ ‬يضحي‭ ‬بالدقة‭ ‬التاريخية‭. ‬غير‭ ‬ان‭ ‬تجربة‭ ‬بورخيس‭ ‬لا‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬التعارض‭ ‬المفترض‭ ‬بين‭ ‬الحرفية‭ ‬التاريخية‭ ‬وبين‭ ‬الفنية‭ ‬القصصية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬إمكانية‭ ‬الحدوث‭. ‬فهو‭: ‬‮«‬لا‭ ‬يستخدم‭ ‬الماضي‭ ‬لإبعادنا‭ ‬عن‭ ‬الحاضر‭ ‬وإنما‭ ‬لإبعادنا‭ ‬عن‭ ‬المنظورات‭ ‬الوهمية‭ ‬التي‭ ‬تجعلنا‭ ‬نميز‭ ‬بين‭ ‬الماضي‭ ‬والحاضر‮»‬‭. ‬ولكنه‭ ‬يلجأ‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬التاريخ،‭ ‬فيبحث‭ ‬عن‭ ‬الأبطال‭ ‬غير‭ ‬المعروفين‭ ‬والأبطال‭ ‬الثانويين‭ ‬محاولاً‭ ‬إيجاد‭ ‬أقنعة‭ ‬وصور‭ ‬للحداثة‭. ‬

وهكذا‭ ‬يصبح‭ ‬التعارض‭ ‬المفترض‭ ‬بين‭ ‬الأدب‭ ‬والتاريخ‭ ‬شيئاً‭ ‬وهمياً‭. ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬يستحيل‭ ‬لدى‭ ‬بورخيس‭ ‬إلى‭ ‬مزيج‭ ‬يكرر‭ ‬بأداء‭ ‬طليعي‭ ‬تجربة‭ ‬الخبر‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭. ‬

إن‭ ‬أخبار‭ ‬ابن‭ ‬دريد‭ ‬الذي‭ ‬يرجع‭ ‬الفضل‭ ‬في‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬محاولاته‭ ‬في‭ ‬النثر‭ ‬الفني‭ ‬إلى‭ ‬زكي‭ ‬مباركلا‭ ‬تضع‭ ‬حاجزاً‭ ‬بين‭ ‬الأدب‭ ‬وبين‭ ‬التاريخ‭. ‬ولهذا‭ ‬فهي‭ ‬ترى‭ ‬القصة‭ ‬خبراً‭ ‬وتعتمد‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬الخبر‭ ‬على‭ ‬الأبطال‭ ‬المعروفين‭ ‬وغير‭ ‬المعروفين،‭ ‬تماماً‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬بورخيس‭. ‬

كما‭ ‬ان‭ ‬كتاب‭ ‬الأغاني‭ ‬لأبي‭ ‬الفرج‭ ‬الاصفهاني‭ ‬المتوفىفي‭ ‬عام‭ ‬356‭)‬هـ‭) ‬يمثل‭ ‬أفضل‭ ‬نموذج‭ ‬للكتاب‭ ‬الذي‭ ‬يصعب‭ ‬فيه‭ ‬الجزم‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬أدباً‭ ‬أم‭ ‬تاريخاً‭ ‬أم‭ ‬الأثنين‭ ‬معاً‭ . ‬

يرى‭ ‬زكي‭ ‬مبارك‭ ‬ان‭ ‬كتاب‭ ‬الأغاني‭ ‬كتاب‭ ‬أدب‭ ‬لا‭ ‬كتاب‭ ‬تاريخ‭. ‬ويرى‭ ‬أيضاً‭ ‬ان‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬كتاب‭ ‬الأغاني‭ ‬ككتاب‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬قد‭ ‬أدى‭ ‬بجرجي‭ ‬زيدان‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬تاريخ‭ ‬آداب‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‮»‬‭ ‬وطه‭ ‬حسين‭ ‬في‭ ‬‮«‬حديث‭ ‬الأربعاء‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬الحط‭ ‬من‭ ‬أخلاق‭ ‬الجماهير‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الدولة‭ ‬العباسية،‭ ‬وحملها‭ ‬على‭ ‬الحكم‭ ‬بأن‭ ‬ذلك‭ ‬العصر‭ ‬كان‭ ‬عصر‭ ‬شك‭ ‬وفسق‭ ‬ومجون‭.‬

ولكن‭ ‬ألا‭ ‬يشير‭ ‬الاختلاف‭ ‬بين‭ ‬زكي‭ ‬مبارك‭ ‬وطه‭ ‬حسين‭ ‬وجرجي‭ ‬زيدان‭ ‬في‭ ‬تصنيف‭ ‬الكتاب‭ ‬إلى‭ ‬انعدام‭ ‬وجود‭ ‬حد‭ ‬فاصل‭ ‬بين‭ ‬الأدب‭ ‬والتاريخ‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬‮«‬الأغاني‮»‬‭ ‬وسواه‭ ‬من‭ ‬كتب‭ ‬الأخبار‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬العربي؟‭ ‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬أهمية‭ ‬ابتكار‭ ‬بورخيس‭ ‬لجنسه‭ ‬الأدبي‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬المزج‭ ‬بين‭ ‬الخبر‭ ‬والقصة‭ ‬وبين‭ ‬الأدب‭ ‬والتاريخ،‭ ‬فإن‭ ‬الأغاني‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينظر‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬نقدي‭ ‬معاصر‭ ‬على‭ ‬انه‭ ‬يقدم‭ ‬نموذجاً‭ ‬مبكراً‭ ‬لما‭ ‬فعله‭ ‬بورخيس،‭ ‬سواء‭ ‬تأثر‭ ‬بالأغاني‭ ‬أو‭ ‬تفاعل‭ ‬معه،‭ ‬أو‭ ‬مع‭ ‬سواه‭ ‬من‭ ‬المؤلفات‭ ‬العربية،‭ ‬مما‭ ‬يتوجب‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬المقارن‭ ‬أن‭ ‬يثبته‭ ‬أو‭ ‬ينفيه‭. ‬

ومن‭ ‬المفيد‭ ‬أن‭ ‬نذكر‭ ‬هنا‭ ‬بما‭ ‬يراه‭ ‬المفكر‭ ‬الاسباني‭ ‬المعاصر‭ ‬أونامونو‭ (‬1936-1864‭) ‬من‭ ‬ان‭ ‬التاريخ‭ ‬Historia‭ ‬يعالج‭ ‬السجل‭ ‬السطحي‭ ‬للأحداث‭ ‬العظيمة،‭ ‬وان‭ ‬علينا‭ ‬الاهتمام‭ ‬بما‭ ‬يسميه‭ ‬Intrahistoria‭ ‬أي‭ ‬التاريخ‭ ‬الذي‭ ‬يشكل‭ ‬نسيج‭ ‬الثقافة‭ ‬الذي‭ ‬يحدده‭ ‬التأريخ‭ ‬اليومي‭ ‬للناس‭.‬إن‭ ‬رأي‭ ‬أونامونو‭ ‬هذا،‭ ‬يكاد‭ ‬يشكل‭ ‬صياغة‭ ‬نظرية‭ ‬لما‭ ‬فعله‭ ‬تراث‭ ‬الخبر‭ ‬عند‭ ‬العرب،‭ ‬ذلك‭ ‬التراث‭ ‬الذي‭ ‬تنعدم‭ ‬فيه‭ ‬الحدود‭ ‬بين‭ ‬الأدب‭ ‬وبين‭ ‬التاريخ‭.‬

ومهما‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬أمر‭ ‬فإن‭ ‬بورخيس‭ ‬يعود‭ ‬في‭ ‬مصادره‭ ‬إلى‭ ‬المفهوم‭ ‬الواسع‭ ‬للأدب‭ ‬العربي‭ ‬بما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬تراث‭ ‬في‭ ‬ميداني‭ ‬التاريخ‭ ‬والفلسفة،‭ ‬كما‭ ‬سنرى‭ ‬في‭ ‬بحثنا‭ ‬لمصادر‭ ‬بعض‭ ‬قصصه‭. ‬وقد‭ ‬سبق‭ ‬للدكتور‭ ‬شكري‭ ‬فيصل‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬مناهج‭ ‬الدراسة‭ ‬الأدبية‭:‬عرض‭ ‬ونقد‭ ‬واقتراح‮»‬‭ ‬ان‭ ‬دعا‭ ‬للعودة‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬الواسع‭ ‬للأدب‭ ‬العربي‭ ‬بقوله‭: ‬‮«‬في‭ ‬النظرية‭ ‬التي‭ ‬نريد‭ ‬ان‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ ‬الدراسة‭ ‬الأدبية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ننتقل‭ ‬بالأدب‭ ‬من‭ ‬دائرته‭ ‬الضيقة‭ ‬إلى‭ ‬أوسع‭ ‬دوائره،‭ ‬أعني‭ ‬من‭ ‬معناه‭ ‬الخاص‭ ‬إلى‭ ‬معناه‭ ‬العام،‭ ‬فلا‭ ‬نفهم‭ ‬منه‭ ‬هذه‭ ‬النماذج‭ ‬النثرية‭ ‬وهذه‭ ‬القصائد‭ ‬الشعرية‭ ‬وهذه‭ ‬التوقيعات‭ ‬والخطب،‭ ‬وهذه‭ ‬الرسائل‭ ‬والكتب،‭ ‬ولكننا‭ ‬نتجاوز‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬آفاق‭ ‬أخرى‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬الأدب‭ ‬أيضاً‭.. ‬غير‭ ‬ان‭ ‬سير‭ ‬التاريخ‭ ‬الأدبي‭ ‬أشاح‭ ‬عنها‭ ‬مهملا‭ ‬لها‭ ‬وتركها‭ ‬غير‭ ‬ملتفت‭ ‬إليها‭.‬وكان‭ ‬من‭ ‬أقرب‭ ‬نتائج‭ ‬هذا‭ ‬الاهمال‭ ‬اننا‭ ‬أفقرنا‭ ‬الأدب‭ ‬لأننا‭ ‬اقتصرنا‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬القصيد‭ ‬والنثر‭ ‬الفني‭ ‬فلم‭ ‬نصل‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬الآفاق‭ ‬الفكرية‭ ‬الواسعة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬أو‭ ‬الفلسفة‭ ‬أو‭ ‬التصوف‭ ‬إلا‭ ‬نادراً‭.‬‮»‬‭ ‬

بعض‭ ‬مصادر‭ ‬بورخيس

أ‭ - ‬في‭ ‬مقالته‭ ‬المسماة‭ ‬‮«‬مقالة‭ ‬سيرة‭ ‬ذاتية‮»‬‭ ‬يشير‭ ‬بورخيس‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬انه‭ ‬كان‭ ‬يقرأ‭ ‬ويكتب‭ ‬لمدة‭ ‬خمس‭ ‬ساعات‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬طوال‭ ‬تسع‭ ‬سنوات،وذلك‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬فروع‭ ‬المكتبة‭ ‬الوطنية‭ ‬حيث‭ ‬يعمل‭. ‬ولم‭ ‬يلبث‭ ‬أن‭ ‬أعد‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬محاضراته‭ ‬عن‭ ‬سويدنبرغ‭ ‬وبليك‭ ‬والصوفيين‭ ‬الصينيين‭ ‬والبوذية‭ ‬والليالي‭ ‬العربية‭ (‬الف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلة‭.)‬

ب‭ - ‬ويستــرجع‭ ‬ويليــس‭ ‬بارنستــون‭ ‬ذكــرياته‭ ‬مع‭ ‬بــورخيس‭ ‬في‭ ‬الأعوام‭ (‬1965-1967‭) ‬فيشير‭ ‬إلى‭ ‬ان‭ ‬الكاتب‭ ‬والشاعر‭ ‬الكبير،‭ ‬بعد‭ ‬قراءة‭ ‬لبعض‭ ‬أعماله‭ ‬في‭ ‬‮«‬المركز‭ ‬الشعري‭ ‬بنيويورك‮»‬،‭ ‬‮«‬تحدث‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬مسهب‭ ‬عن‭ ‬العالمين‭ ‬اليوناني‭ ‬والإسلامي‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬آسيا‭ ‬الصغرى‮»‬‭. ‬

جـ‭ - ‬ويشير‭ ‬بارنستون‭ ‬إلى‭ ‬ان‭ ‬بورخيس‭: ‬‮«‬يشحن‭ ‬اللغة‭ ‬الاسبانية‭ ‬باستمرار‭ ‬بالخصائص‭ ‬الأسلوبية‭ ‬والموضوعية‭ ‬للكتاب‭ ‬الانكليز‭ ‬ولألف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلة‮»‬‭.‬

د‭ - ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬الأغاني‮»‬‭ ‬لأبي‭ ‬الفرج‭ ‬الاصفهاني‭ ‬دقيقاً‭ ‬كمصدر‭ ‬تاريخي،‭ ‬فإن‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬ان‭ ‬المؤلف‭ ‬يستخدم‭ ‬أسلوب‭ ‬الخبر‭ ‬لا‭ ‬ليشحن‭ ‬النص‭ ‬بإمكانية‭ ‬الحدوث‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الشأن‭ ‬في‭ ‬القصة‭ ‬الأوروبية‭ ‬و‭ ‬إنما‭ ‬ليجعل‭ ‬القارئ‭ ‬مجابهاً‭ ‬بحدث‭ ‬وقع‭ ‬وأصبح‭ ‬تاريخاً‭.‬

ويلجأ‭ ‬بورخيس‭ ‬إلى‭ ‬اللعبة‭ ‬ذاتها‭.. ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬شخصيات‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لها‭ ‬أو‭ ‬هي‭ ‬موجودة‭ ‬ولكنها‭ ‬غير‭ ‬معروفة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مشهورة‭ ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬شخصية‭ ‬‮«‬ابن‭ ‬حقان‭ ‬البخاري‮»‬‭ ‬الملك‭ ‬العظيم‭ ‬سابقاً‭ ‬والذي‭ ‬طوقت‭ ‬جيوشه‭ ‬ولم‭ ‬يبق‭ ‬أمامه‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ينهزم‭ ‬إلى‭ ‬البحر‭. ‬

وفي‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬محادثات‭ ‬مع‭ ‬بورخيس‮»‬‭ ‬يورد‭ ‬المؤلف‭ ‬ريتشارد‭ ‬بورغين‭ ‬قول‭ ‬‮«‬بورخيس‮»‬‭:‬

‮«‬الحق‭ ‬إنني‭ ‬أفضل‭ ‬الشخصيات‭ ‬الثانوية‭. ‬أو‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬أفعل‭ ‬ذلك‭ ‬فإنني‭ ‬أكتب‭ ‬عن‭ ‬سبينوزا‭ ‬أو‭ ‬إمرسون‭ ‬أو‭ ‬شكسبير‭ ‬أو‭ ‬ثرفانتس‭. ‬هذه‭ ‬الشخصيات‭ ‬رئيسية‭ ‬ولكنني‭ ‬أعالجها‭ ‬بطريقة‭ ‬تجعلها‭ ‬كالشخصيات‭ ‬الخارجة‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬شخصيات‭ ‬رجال‭ ‬مشهورين‮»‬‭.‬

وهكذا‭ ‬يفعل‭ ‬بورخيس‭ ‬بشخصيات‭ ‬عربية‭ ‬كشخصية‭ ‬الفيلسوف‭ ‬العربي‭ ‬الشهير‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬في‭ ‬قصة‭ ‬‮«‬بحث‭ ‬ابن‭ ‬رشد‮»‬‭ ‬أو‭ ‬شخصية‭ ‬الخليفة‭ ‬المعتصم‭ ‬في‭ ‬قصة‭:‬‮»‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬المعتصم‮»‬‭. ‬

بل‭ ‬إنه‭ ‬يقرر‭ ‬في‭ ‬الأمثولة‭ ‬أو‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬وضع‭ ‬لها‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬مشكلة‮»‬‭ ‬أن‭ ‬شخصية‭ ‬‮«‬دون‭ ‬كيشوت‮»‬‭ ‬ذات‭ ‬أصل‭ ‬عربي‭.‬

ولا‭ ‬ندري‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬اسم‭ ‬سيد‭ ‬حامد‭ ‬بنغيلي‭ ‬الذي‭ ‬يقول‭ ‬ان‭ ‬مؤلف‭ ‬دون‭ ‬كيشوته‭ ‬قد‭ ‬استمد‭ ‬شخصيته‭ ‬منه،‭ ‬له‭ ‬وجود‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الأندلسي‭ ‬أو‭ ‬المغربي،‭ ‬أم‭ ‬ان‭ ‬بورخيس‭ ‬يخترع‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬يبدو‭ ‬حقائق‭ ‬تاريخية،‭ ‬لكي‭ ‬يستمر‭ ‬في‭ ‬لعبة‭ ‬تحطيم‭ ‬الحاجز‭ ‬بين‭ ‬الأدب‭ ‬والتاريخ‭. ‬يقول‭ ‬بورخيس‭ ‬في‭ ‬حكايته‭ ‬التي‭ ‬أطلق‭ ‬عليها‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬مشكلة‮»‬‭: ‬

‮«‬دعونا‭ ‬نتخيل‭ ‬انه‭ ‬اكتشف‭ ‬في‭ ‬طليطلة‭ ‬رقعة‭ ‬من‭ ‬الورق‭ ‬تتضمن‭ ‬نصاً‭ ‬بالعربية‭ ‬أعلن‭ ‬دارسو‭ ‬الخطوط‭ ‬القديمة‭ ‬انه‭ ‬مكتوب‭ ‬بخط‭ ‬يد‭ ‬‮«‬سيد‭ ‬حامد‭ ‬بنغيلي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬استمد‭ ‬منه‭ ‬ثرفانتس‭ ‬‮«‬دون‭ ‬كيشوته‮»‬‭. ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬النص‭ ‬نقرأ‭ ‬ان‭ ‬البطل‭ (‬كما‭ ‬هو‭ ‬شائع،‭ ‬تجول‭ ‬في‭ ‬طرقات‭ ‬اسبانيا‭ ‬مسلحا‭ ‬بسيف‭ ‬ورمح‭ ‬وتحدى‭ ‬الجميع‭ ‬لغير‭ ‬ما‭ ‬سبب‭)‬،يكتشف‭ ‬بعد‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المعارك،‭ ‬انه‭ ‬قتل‭ ‬رجلاً‭. ‬عند‭ ‬هذه‭ ‬النقطة‭ ‬تنتهي‭ ‬الجذاذة‭. ‬والمشكلة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬نحزر‭ ‬أو‭ ‬نحدس‭ ‬كيف‭ ‬سيكون‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬دون‭ ‬كيشوته‮»‬‭. ‬

وفي‭ ‬القصة‭ ‬التي‭ ‬يسميها‭ ‬بورخيس‭: ‬‮«‬بحث‭ ‬ابن‭ ‬رشد‮»‬‭ ‬يستعير‭ ‬طريقة‭ ‬‮«‬الاسناد‮»‬‭ ‬التاريخي‭ ‬التي‭ ‬تميزت‭ ‬بها‭ ‬كتب‭ ‬التراث‭ ‬العربي،‭ ‬فيقول‭ ‬في‭ ‬مطلعها‭:‬

‮«‬كان‭ ‬أبو‭ ‬الوليد‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬رشد‭ (‬استغرق‭ ‬الأمر‭ ‬قرناً‭ ‬لكي‭ ‬يصبح‭ ‬هذا‭ ‬الاسم‭ ‬الطويل‭ ‬أفيروس‭ ‬وافزيز‭ ‬وحتى‭ ‬ابن‭ ‬رشاد‭ ‬وفيليس‭/ ‬وساديس‭) ‬يكتب‭ ‬الفصل‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬تهافت‭ ‬التهافت‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬أعلن‭ ‬فيه،‭ ‬خلافاً‭ ‬للناسك‭ ‬الغزالي،‭ ‬مؤلف‭ (‬تهافت‭ ‬الفلاسفة‭)‬،ان‭ ‬الألوهية‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬إلا‭ ‬النواميس‭ ‬العامة‭ ‬للكون،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تتعلق‭ ‬بالأنواع‭ ‬ولا‭ ‬تتعلق‭ ‬بالفرد‭. ‬

كان‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬يكتب‭ ‬بوثوقية‭ ‬بطيئة‭ ‬من‭ ‬اليمين‭ ‬إلى‭ ‬اليسار‮»‬‭. ‬‮«‬كان‭ ‬ثمة‭ ‬فضاء‭ ‬غير‭ ‬مرئي‭ ‬يتصاعد‭ ‬منه‭ ‬صوت‭ ‬خرير‭ ‬نبع‭ ‬كان‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬أجداده‭ ‬من‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية،‭ ‬ممتناً‭ ‬لاستمرار‭ ‬مياهه‮»‬‭! ‬

الأغسطية‭ ‬والشرقية

الأغسطية‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬معروف،‭ ‬هي‭ ‬النزعة‭ ‬الفنية‭ ‬التي‭ ‬تنتسب‭ ‬إلى‭ ‬العصر‭ ‬الأغسطي‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬الفترة‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الأدبية‭ ‬لأمة‭ ‬ما‭. ‬وينسب‭ ‬الاصطلاح‭ ‬إلى‭ ‬الامبراطور‭ ‬الروماني‭ ‬أغسطس27‭)‬ق‭. ‬م‭-‬41ب‭. ‬م‭) ‬الذي‭ ‬اشتهر‭ ‬في‭ ‬عهده‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬فرجيل‭ ‬وهوراس‭ ‬وأوفيد‭. ‬وفي‭ ‬انكلترا‭ ‬يغطي‭ ‬هذا‭ ‬الاصطلاح‭ ‬فترة‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬بوب‭ ‬وإديسون‭ ‬حتى‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬درايدن‭. ‬

ومقابل‭ ‬الأغسطية‭ ‬التي‭ ‬تحتفي‭ ‬بطرق‭ ‬الأداء‭ ‬الكلاسيكي،تبرز‭ ‬النزعة‭ ‬الشرقية‭ ‬التي‭ ‬تتجلى‭ ‬في‭ ‬‮«‬ألف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلة‮»‬‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬لترجمة‭ ‬‮«‬ألف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الليالي‭ ‬العربية‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬الآداب‭ ‬الغربية‭ ‬الأثر‭ ‬الواضح‭ ‬على‭ ‬اكتشاف‭ ‬الأدب‭ ‬الأوروبي‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬لطرق‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬الاداء‭ ‬الفني‭ ‬ولمقاييس‭ ‬مغايرة‭ ‬في‭ ‬النقد‭ ‬الأدبي‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬محرر‭ ‬موسوعة‭ ‬كاسل‭ ‬للأدب‭ ‬العالمي‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬ان‭ ‬الإلفة‭ ‬مع‭ (‬الليالي‭ ‬العربية‭) ‬ساعدت‭ ‬على‭ ‬بروز‭ ‬اتجاه‭ ‬عام‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬الأوروبي‭ ‬نحو‭ ‬الاهتمام‭ ‬باكتمال‭ ‬البنية‭ ‬في‭ ‬القصة‭ ‬خلال‭ ‬القرنين‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬والتاسع‭ ‬عشر‭.‬

وهكذا‭ ‬تبلور‭ ‬لدى‭ ‬بورخيس‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الأداء‭ ‬الفني‭ ‬الذي‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الأسلوب‭ ‬الرياضي‭ ‬المختزل،‭ ‬ويتصل‭ ‬اتصالاً‭ ‬وثيقاً‭ ‬بفن‭ ‬الخبر‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭. ‬ومن‭ ‬خصائص‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬الرياضي،‭ ‬الاقتصار‭ ‬على‭ ‬رواية‭ ‬الحدث‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الشأن‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬التاريخ‭. ‬ومن‭ ‬خصائصه‭ ‬أيضاً،‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬أوصاف‭ ‬زائدة‭ ‬تعرقل‭ ‬أو‭ ‬تعيق‭ ‬عنصر‭ ‬التشويق‭ ‬في‭ ‬القصة،‭ ‬وذلك‭ ‬خلافاً‭ ‬للمنحى‭ ‬الذي‭ ‬تبلور‭ ‬في‭ ‬اتجاهه‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الفن‭ ‬القصصي‭ ‬لدى‭ ‬الأوروبيين‭.‬

لقد‭ ‬ذكرت‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬ثلاثة‭ ‬مستويات‭ ‬من‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬بورخيس‭ ‬وبين‭ ‬مصادر‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬الصغرى،‭ ‬هي‭ ‬الانعكاس‭ ‬والتفاعل‭ ‬والتأثير‭.‬

ولدى‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬مصادر‭ ‬بورخيس‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬تعرضت‭ ‬لمستوى‭ ‬التفاعل‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭. ‬غير‭ ‬ان‭ ‬المستوى‭ ‬الأول‭ ‬المتعلق‭ ‬بتجربة‭ ‬الانعكاس‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬ظهور‭ ‬الأسماء‭ ‬والموضوعات‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬في‭ ‬أدبه،‭ ‬وإنما‭ ‬يتعدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬ظهور‭ ‬مواد‭ ‬تاريخية‭ ‬وميثولوجية‭ ‬مأخوذة‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭ ‬دون‭ ‬تحوير‭ ‬قصصي‭. ‬ولعل‭ ‬كتاب‭ ‬‮»‬الكائنات‭ ‬الخيالية‮»‬‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬تسنى‭ ‬لنا‭ ‬الإطلاع‭ ‬عليها‭. ‬وكان‭ ‬لإنعكاس‭ ‬المادة‭ ‬التراثية‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬فيه،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬التاريخ‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬الخرافة‭ ‬او‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬الاسطورة،‭ ‬وضوحه‭ ‬الشديد‭ ‬بحيث‭ ‬يستطيع‭ ‬الباحث‭ ‬أن‭ ‬يجزم‭ ‬بسعة‭ ‬اطلاع‭ ‬بورخيس‭ ‬على‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭ ‬وبدقة‭ ‬هذا‭ ‬الاطلاع‭. ‬

إن‭ ‬كتاب‭ ‬‮»‬الكائنات‭ ‬الخيالية‮»‬‭ ‬هو‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأخبار‭ ‬والقصص‭ ‬والحوادث‭ ‬المقتطفة‭ ‬من‭ ‬كتب‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭ ‬والأوروبي‭ ‬الوسيط‭ ‬والمعاصر،‭ ‬نختار‭ ‬منها‭ ‬الأمثلة‭ ‬التالية‭ ‬التي‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬مصادر‭ ‬بورخيس‭:‬

-1‭ ‬خبر‭ ‬‮«‬الحمار‭ ‬ذي‭ ‬الأرجل‭ ‬الثلاث‮»‬‭ ‬ويعود‭ ‬فيه‭ ‬بورخيس‭ ‬إلى‭ ‬الطبري‭. ‬

-2‭ ‬خبر‭ ‬الكائن‭ ‬الخرافي‭ ‬المسمى‭ ‬‮«‬البهموت‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬مصادر‭ ‬في‭ ‬الميثولوجيا‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬وألف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلة‭.‬

-3‭ ‬الخبر‭ ‬المتعلق‭ ‬بالجن،‭ ‬ويعود‭ ‬فيه‭ ‬الكاتب‭ ‬الأميركي‭ ‬اللاتيني‭ ‬إلى‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬ومصادر‭ ‬إسلامية‭ ‬أخرى‭. ‬

-4‭ ‬الخبر‭ ‬المتعلق‭ ‬بالنسناس،‭ ‬ويعتمد‭ ‬فيه‭ ‬المؤلف‭ ‬على‭ ‬مصادر‭ ‬عربية‭ ‬تراثية‭ ‬ومنها‭ ‬ألف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلة‭. ‬

-5‭ ‬الخبر‭ ‬المتعلق‭ ‬بطائري‭ ‬الرخ‭ ‬والعنقاء‭ ‬الخرافيين،‭ ‬الذي‭ ‬يستمد‭ ‬الكاتب‭ ‬مادته‭ ‬من‭ ‬الأدب‭ ‬والتأريخ‭ ‬العربي‭. ‬

-6‭ ‬يظهر‭ ‬إطلاع‭ ‬بورخيس‭ ‬على‭ ‬تراث‭ ‬المتصوفة‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬الخبر‭ ‬المتعلق‭ ‬بطائر‭ ‬‮«‬السيمرغ‮»‬‭ ‬الخرافي‭ ‬الذي‭ ‬قرأ‭ ‬عنه‭ ‬المؤلف‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬منطق‭ ‬الطير‮»‬‭ ‬للشيخ‭ ‬فريد‭ ‬الدين‭ ‬العطار‭. ‬

هذه‭ ‬الأخبار‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬جزءاً‭ ‬ملموساً‭ ‬من‭ ‬المادة‭ ‬التاريخية‭ ‬والأسطورية‭ ‬والتراثية‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬التي‭ ‬اعتمدها‭ ‬بورخيس‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬التنوع‭ ‬والتعدد‭ ‬بحيث‭ ‬تذكرنا‭ ‬برأي‭ ‬الناقد‭ ‬الإنكليزي‭ ‬جيمس‭ ‬آربي‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬مصادر‭ ‬بورخيس‭. ‬يقول‭ ‬آربي‭:‬

‮«‬إن‭ ‬بورخيس‭ ‬سريع‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬الاعتراف‭ ‬بمصادره‭. ‬ذلك‭ ‬انه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬أحد‭ ‬يستطيع‭ ‬ادعاء‭ ‬الأصالة‭ ‬في‭ ‬الأدب‭. ‬فكل‭ ‬الكتّاب‭ ‬هم‭ ‬الى‭ ‬حد‭ ‬بعيد‭ ‬أو‭ ‬قريب‭ ‬نُساخ‭ ‬أمناء‭ ‬للروح،‭ ‬مترجمون‭ ‬وشراح‭ ‬لأنماط‭ ‬أسطورية‭ ‬عليا‭ ‬كانت‭ ‬قائمة‭ ‬من‭ ‬قبل‮»‬‭. ‬

مسألة‭ ‬الأصالة‭ ‬والأصيل

هكذا‭ ‬تصبح‭ ‬قضية‭ ‬المثاقفة،‭ ‬أو‭ ‬المواجهة‭ ‬بين‭ ‬أدبين‭ ‬متمايزين،‭ ‬أو‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬تراث‭ ‬عربي‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬العصر‭ ‬الوسيط‭ ‬وبين‭ ‬أدب‭ ‬أميركي‭ ‬شمالي‭ ‬حديث‭ ‬ممثلاً‭ ‬بإرفنغ‭ ‬وأدب‭ ‬أميركي‭ ‬جنوبي‭ ‬حداثي‭ ‬Modernist‭ ‬ممثلاً‭ ‬ببورخيس،‭ ‬بحثاً‭ ‬يتجاوز‭ ‬في‭ ‬أطره‭ ‬علم‭ ‬الأدب‭ ‬المقارن‭ ‬ومفهوم‭ ‬الأدب‭ ‬العالمي‭ ‬والآداب‭ ‬القومية،‭ ‬ليرتد‭ ‬إلى‭ ‬التشكيك‭ ‬في‭ ‬الأصول‭.. ‬إلى‭ ‬صميم‭ ‬مسألة‭ ‬الأصالة‭ ‬والأصيل‭. ‬

المصادر:

الشمعة‭ ‬خلدون،‭ ‬‮«‬النقد‭ ‬والحرية‮»‬‭ ‬دمشق‭ ‬1977‭ (‬ص130‭-‬131‭)‬

Ranelagh E‭. ‬L‭. ‬‮«‬The Past we share‮»‬‭ ‬London 1979‮ ‬

المصدر‭ ‬السابق

أنظر‭ ‬تفصيل‭ ‬هذه‭ ‬النقطة‭ ‬في‭ ‬كتابي‭ ‬‮«‬الشمس‭ ‬والعنقاء‭: ‬دراسة‭ ‬نقدية‭ ‬في‭ ‬المنهج‭ ‬والنظرية‭ ‬والتطبيق‮»‬‭. ‬ص61

وذلك‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬مناقشة‭ ‬كتاب‭ ‬حسين‭ ‬مروة‭: ‬‮«‬دراسات‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬المنهج‭ ‬الواقعي‮»‬،‭ ‬دمشق‭ ‬1974‭.‬

white‭. ‬j‭. ‬E‭. ‬Manchip‭, ‬‮«‬Anthropology‮»‬‭, ‬London 1967‮ ‬

ربما‭ ‬كان‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬نشوار‭ ‬المحاضرة‭ ‬وأخبار‭ ‬المذاكرة‮»‬‭ ‬لأبي‭ ‬علي‭ ‬التنوخي‭ ‬‮٣٨٤‬‭ ‬هـأدل‭ ‬كتاب‭ ‬في‭ ‬فن‭ ‬الخبر‭ ‬عن‭ ‬العرب‭.‬

من‭ ‬المحاولات‭ ‬الشبيهة‭ ‬بمحاولة‭ ‬بورخيس‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬المزج‭ ‬بين‭ ‬الخبر‭ ‬والقصة،‭ ‬ما‭ ‬أسماه‭ ‬الناقد‭ ‬المعروف‭ ‬جورجشتاينر‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬اللغة‭ ‬والصمت‮»‬‭ ‬بـالجنس‭ ‬الفيثاغورثي‭. ‬أنظر‭: ‬Language‭& ‬Silence‭, ‬London‭, ‬1969‭ ‬

انظر‭: ‬Lemon‭, ‬Lee‭ ‬‮«‬Approaches to Literature‮»‬‭, ‬New York‭, ‬1968

أنظر‭: ‬مجلة‭ ‬الادب‭ ‬المقارن‭ ‬عدد‭ ‬شتاء‭ ‬1977‭ ‬منشورات‭ ‬جامعة‭ ‬اوريغون‭ ‬Barnstone‭, ‬Willis‭,‬‮»‬Real‭& ‬Imaginary History in Borges‮»‬‭ ‬

‮ ‬‭ ‬أنظر‭: ‬‮«‬النثر‭ ‬الفني‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الرابع‭ ‬الهجري‭ ‬ـ‭ ‬الجزء‭ ‬الأول‮»‬‭ ‬ص246‭ ‬

المرجع‭ ‬السابق

أنظر‭ ‬كتابه‭ ‬بالإنكليزية‭: ‬The Aleph‭ & ‬Other stories

‮ ‬‭ ‬Burgin‭, ‬Richard‭, ‬‮«‬Conversations with Borges‮»‬‭ ‬New York‭, ‬1970‭ ‬

‮«‬The Book of Imaginary Beings‮»‬‭ ‬


ناقد من سوريا مقيم في لندن