معركة الألسنة

خلاف اللسان واختلاف الإنسان

الجديد  هاني حجاج [نُشر في 01/07/2017، العدد: 30، ص(28)]

لوحة: رشوان عبدلكي
“التأويل إحياء لثقافتنا، بل لا إحياء دون تأويل. لهذا كان التأويل في خدمة الثقافة العامة لا خدمة نص مفرد. ثقافتنا العربية لا سبيل إلى أن تعرف معرفة نامية دون هذا النشاط. إن العقل العربي ظلم أكثر من مرّة. وهذا يعني في الحقيقة فقراً في القراءة. كذلك ظلم النقد العربي والبلاغة العربية التي مازالت محتاجة إلى تأويل. فالتأويل هو طريقنا إلى الحياة”. هكذا يقول الأستاذ الدكتور مصطفى عبده ناصف في مقدمة كتابه “نظرية التأويل” الذي يحاول فيه شرح عملية التأويل على أساس أنها أهم عملية من عمليات التفكير. بل على أساس أن الحياة نفسها ليست إلا تكراراً مستمراً من عملية التأويل، وأنه لا سبيل لخدمة الشخصية العربية إلا بالتأويل، لأنه عطاء لوجودنا وإثراء لماضينا وحاضرنا. والقراءة المجهرية التي قام بها القدماء في صبر لهذا التأويل والتدقيق لما أرخه الحكماء للثقافة العربية التي أوّلت الثقافة اليونانية والفارسية، وما أوّله الشعر لكبريات المعاني، أوضحت معالم ثقافتنا العربية والإسلامية. وإن كانت النهضة الفكرية في العالم العربي لا تعرف العناية بأصول التأويل إلا قليلاً، إلا أن القدماء قد عرفوا أن خدمة التأويل هي خدمة الشخصية القومية وخدمة التطوّل وأسموه قديماً باسم “أصول الفقه”. التأويل لا يبحث عن إجابات حازمة جازمة، بل إننا في هذا العصر في حاجة ماسة إلى التخفف من الحدة والصراحة، وإن القراءة الأولى للنص كثيراً ما تجعل القارئ يقع في فخ الانطباعات الأولى، ومحاولته البحث عن أخطاء وخصومات، ومن ثم عدم القدرة على استيعاب علاقات ومبادئ كثيرة وفهم النص والناس وأنفسنا.

وإذا كانت القراءة الأولى غير واعية وعاجزة، فإن من واجب التأويل أن يدفع الغرض بغرض آخر، أن يتشكك فيما يثير في نفسه، ثم يطرح تساؤلات عديدة مثلاً حقه بغرض الوصول إلى الحقيقة الثابتة وذلك لغرض أهم وهو خدمة الشخصية القومية وخدمة التطور ومسيرة الحياة. بالطبع الحياة مستمرة، ولكن على أيّ أساس؟ إن أصول البحث واسعة متشعبة جليلة، بالإضافة إلى أن النهضة الفكرية الحديثة في العالم العربي لا تعرف العناية بأصول التأويل والبحث ودروس البدايات درس الإمعان. وإذا أتيح للنهضة المعاصرة أن تواصل النهضة التأويلية الأولى لكي تشق لنفسها طريقاً أخرى فإنه من المحتم وكنتيجة تلقائية أن يظهر تأثير الفينومنولوجيا على التأويل. البيئة المعاصرة عرفت البنية والعلاقات والتفكيك ولكنها لم تعرف معرفة منظمة واسعة مواقف الفينومونولوجيا. المشكلة الحقيقية هي أن العالم العربي الآن لا يقرأ الفينومنولوجيا بمثل ما يقرأ البنية والعلاقات والتفكيك. إن الفينومنولوجيا تتساءل عن توجيه الثقافة أو توجيه فكرة الإحساس بالتاريخ أو توجيه الإحساس بالوجود أو لا تقبع في أبنية لدينا تعسفية من صنع الذات المتعالية علينا وعلى المجتمع. يجب أن نتخلى عن جزء من أنفسنا حتى يمكّننا منهم نص أو إنسان، هذا واجب يخدمنا لأن كلا منّا إنسان نص وبحاجة إلى الفهم. التأويل إذن نهوض بالواجب، وهي متعة حقيقية لا يمكن أن تنفصل عن الإحساس بالمسؤولية، كما أن فكرة الواجب ليست فكرة دخيلة بل فكرة أصيلة تفهم في إطار التساؤل، في إطار تقارير معدة مسبقاً.

التأويل هو أننا مطالبون بأن نؤدي ما يجب علينا وأن نثير في الدوائر الأدبية المعاصرة قضية الواجب، ولا نفضل عليها أحاسيس أخرى من قبيل الدهشة والنزوة والإثارة. فالتأويل في خدمة النمو والتفاعل، حيث نسينا فكرة التفاعل، وأولينا الاهتمام بفكرة الحذف والتفضيل والمغالبة. ولا تعني كلمة الواجب أو المسؤولية أن ننفرد بالتفسير والتحليل، بل تعني الجدل والاختلاف. فالاختلاف في ذاته هو سعي إلى توافق أفضل. إننا نختلف كي نفهم. والفطنة إلى الاختلاف تجعل التفاهم أعمق وأصحّ. والحوار هو الوجود المتبقّي. والمعنى الحقيقي للفهم هو حوار التأويل، الحوار بعيداً عن التفرد والتلذذ باستعمال الكلمات الذي يطغي علينا وقتاً بعد وقت.

الكتابة والمصطلح

لم تُحسم المعركة بين أنصار الكتابة باللغة العربية القديمة والمصطلحات الجديدة المعاصرة مع كثرة ما يتدفق على المطابع وعلى شبكة الإنترنت كل يوم من إدخال مصطلحات مستجدة أحيانا يكون كل قوامها أنها راقت في نغمها لصاحبها دون أن تتوفر لها شروط المصطلح، على سبيل المثال، عندما يكتب الأطباء مقالاتهم العلمية بالعربية في المجلات، فإنهم لا يتفقون على قائمة مسارد موحَّدة حتى في البلد العربي الواحد، وتكون مرجعية الواحد منهم مستقلة تماما لتحويل الكلمات التي درسوا بها الطب والعلوم بالإنكليزية واللاتينية إلى مصطلحات عربية يكفي أن يكون لها معنى وأن تكون مفهومة وغير عامية لتدخل ضمن التيار المتدفق اليومي من الإضافات حتى تصير تلك المقالة ابنة يومنا هذا بدورها مرجعا للطبيب الكاتب الجديد غداً. “ولولا أن كثيرين ممن يقدّمون المفاهيم الأجنبية في لفظ عربي يقرنون المصطلح العربي بنظيره الأوروبي لغمض فهم المصطلح العربي على الكثيرين، ولكان هذا المصطلح عامل تفريق لا تجميع، وما كان هناك حد أدنى من الاتصال بين ألسنيِّي قُطر عربي وألسنيِّي قُطر عربي آخر، بل ألسنيّ وآخر في داخل القطر الواحد” (المصطلح الألسني العربي وضبط المنهجية، أحمد مختار عمر، مجلة عالم الفكر، المجلد العشرون، العدد الثالث، 1989، ص 5).

مطالبون بأن نؤدي ما يجب علينا وأن نثير في الدوائر الأدبية المعاصرة قضية الواجب، ولا نفضل عليها أحاسيس أخرى من قبيل الدهشة والنزوة والإثارة. فالتأويل في خدمة النمو والتفاعل، حيث نسينا فكرة التفاعل، وأولينا الاهتمام بفكرة الحذف والتفضيل والمغالبة

وُلد علم الألسنية في الستينات من القرن العشرين كاتجاه جديد في حقل الدراسات اللغوية استدعى بدوره ضرورة تحقيق شبكة من التعريفات والمصطلحات لضبط مفاهيمه وتصنيف ظواهره. وكان أول من أطلق لفظ “لسان” على الدراسات اللغوية هو الفارابي في “إحصاء العلوم” ثم ابتكر أبوحيان النحوي مصطلح “علوم اللسان العربي” ليسمي به علوم اللغة قبل أن يعد ابن خلدون في مقدمته فصلا بعنوان “في علوم اللسان العربي”. يقف خلف علم اللسان بالضرورة فهم أصحابه عن الثقافة التي تحتاج بدورها إلى تعريف محدد واضح، ربما كان تعريف البريطاني إدوارد بيريت هو أكثرها إحاطة بأغلب الأفكار والتعريفات التي صاحبته “الثقافة، أو الحضارة بمعناها الإثنوغرافي الواسع، هي ذلك الكُل المُركَّب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والعرف، وكل المقدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في المجتمع″. وبعد فالعلوم الألسنية ليست، حسب هذا التعريف، مُقتصرة على المصطلحات التقنية والفنية بل أوسع من ذلك، فهي محصلة تراث الوجدان البشري الملفوظ لمجموعة من البشر في بقعة محددة على سطح الأرض. كما يمكن جمعها بشكل مستقل عن الأفراد، فهي كالثقافة، تُكتسب بالممارسة الحياتية والتعوُّد، وهي ليست فطرية أو غريزية، كما أنها تظهر في شكل مادي مكتوب وشكل لامادي من خلال الأفكار والقيم. يقول الخبير الاستشرافي تيري جودان في كتابه المهم “2100: أوديسا الأنواع″ الصادر في العام 1993 “تهدف اللغة إلى الاتصال، وتهدف أيضا إلى التواري عن الاتصال، فجدران برلين الجديدة ماثلة في الرؤوس. جدران من الكلمات، غير مرئية وممنوعة، تعوِّض الحدود التي كانت قائمة”. إن علوم الاقتصاد والاجتماع والجيوسياسية تتوفر على قاموس لغوي خاص بها يتضمَّن آلاف الكلمات. وإن لغة كاملة مثل الإنكليزية والفرنسية والصينية والتامول والماندارين تتوفَّر على نحو ستين ألف كلمة. فالسيارة الواحدة تتوفر على ألفي قطعة وتضمّ أجنحة السوق التجاري أكثر من عشرة آلاف سلعة استهلاكية، أما اللغة فتلهث خلف كل صنف لوضع تعريف أدق!

الأيديولوجية النصيّة والتدقيق في الألفاظ

على الرغم من أن المنطق بديهي، فإننا نادراً ما نناقشه: الطبيعي أنّ ما له معنى هو المستمر والمهيأ للجدل والتعديل وما عداه يسقط في هوّة سحيقة. والفكرة هي أن نفترض وجود كتلة كليّة ربما بحجم العالم الملموس من جانبنا تمثل معاني الكلمات والمواقف والنصوص، ونسأل: أين تذهب كل الأشياء المقابلة عديمة المعنى؟ إلا إذا كنت تفترض أصلاً أنه لا وجود إلا لما له معنى! طبعا هذه الفرضية سوف تفترض بدورها أن تكتّل الأشياء عديمة المعنى وشغلها لحيز من التفكير يجعلها ذات معنى لكن دعنا من هذا الآن لأنه سيعقد الأمور أكثر، دعك من أننا بسهولة يمكن أن نقول إن اجتماعها في كل خفيّ هو ما له معنى ولا يعني هذا أنها “ذات” معنى! يبدو أن التساؤلات المتعلقة بما يمكن أن تحصل عليه مسألة معنى المعاني قد تقلق المشتغلين بالأدب خاصة، في حين أن اهتمام المختصين بهذه المسألة من الفنون الأخرى، أقل.

الصورة واللحن يمكن التعبير عنهما في كلمات “يجب” أن تكون مفهومة في ترابطها، أما النص المكتوب فهو هذه المرحلة نفسها. على الرغم من ذلك، إن استخدام التصنيفات التعريفية في الموسيقى أو في الرسم أو غير ذلك يثبت أن انتشار هذه التصنيفات في الفنون غير اللفظية ليس أقل من انتشارها في مجال الأدب. ولا يمكن كذلك تفسير الاختلاف من خلال الاعتماد على خصوصية الوسيط اللفظي: ارتكزت مسألة وضع التعريفات دائماً على الأجناس الأدبية، وقلما طرحت بالنسبة إلى أجناس غير أدبية أو لنشاطات خطابية شفهية، على الرغم من أنه في هذين المجالين تُلاحظ يومياً تمييزات متعددة.

في الواقع، التمييزات النوعية (المتعلقة بالجنس والغاية والأسلوب) موجودة في كل أحاديثنا عن الممارسات الثقافية: في كل لحظة يحدث أن نميز لحنا معينا عن آخر، ومقاما موسيقيا عن غيره، ومنظرا طبيعيا عن طبيعة ميتة أو عن لوحة تاريخية، ولوحة تكعيبية عن كاريكاتير، ودراسة فلسفية عن خطبة وعظية أو مرجع رياضيات عن كتيب في الشطرنج، واعترافا عن مجادلة أو عن رواية، وكلمة روحية عن دعابة، وكلمة حب عن تهديد عن وعد أو وعيد. من هنا يأتي هذا السؤال: هل التصنيف هو تحديد أول للمعاني؟

لم تُحسم المعركة بين أنصار الكتابة باللغة العربية القديمة والمصطلحات الجديدة المعاصرة مع كثرة ما يتدفق على المطابع وعلى شبكة الإنترنت كل يوم من إدخال مصطلحات مستجدة أحيانا يكون كل قوامها أنها راقت في نغمها لصاحبها

الموضوعات والطرق

نذكر مقارنة أرسطو بين الأجناس بحسب الصنفين المتبقيين وهما الموضوعات والطرق. على أساس أن التمييز بحسب الموضوعات متداخل هو أيضاً سيميائياً (وهو مهم أيضاً بالنسبة إلى العروض المرسومة، وللرقص.. الخ)، وحدد ثلاثة أصناف شعرية بصورة خاصة:

1 ـ يقدم الشاعر بشراً أفضل (منّا) وهذا ما فعله هومير، وهذا ما فعله أيضاً الشعراء التراجيديون.

2 ـ يقدم الشاعر بشراً يشبهوننا، وهذا ما فعله كليوفون (الشاعر الذي تقدمه البلاغة كمبدع للمآسي ومقترب من الكوميديا).

3 ـ يقدم الشاعر بشراً أسوأ منّا. وهذا ما فعله هيجيمون دو ثاسوس (نظن أنه مؤلف المحاكاة المأساوية)، ونيكوشاريس (مؤلف ديلياد، محاكاة ساخرة للإلياذة)، وشعراء الهزل بصورة أكثر عمومية.

تجب الإشارة إلى أن أرسطو لم يحافظ على هذا التقسيم الثلاثي، إذ اختفى الصنف الأوسط، وهذا ما يتركنا مع التقسيم الثنائي الذي أصبح كلاسيكياً. أما بالنسبة إلى التمييز بحسب الطرق فإنه أيضاً ثنائي، لأن أرسطو يميز بين السردي والمسرحي، حيث اشتهر الأول عبر الملحمة والثاني عبر التراجيديا والكوميديا.

اللفظ والمعنى

يميز “سيبويه” بين السلامة الراجعة إلى اللفظ، والسلامة الخاصة بالمعنى، وكذلك يميّز بين السلامة التي يقتضيها القياس (أي النظام العام الذي يميز لغة عن لغة أخرى) والسلامة التي يفرضها الاستعمال الحقيقي للناطقين، وذلك في قوله في باب “الاستقامة من الكلام والإحالة”: “فمنه مستقيم حسن، ومحال، ومستقيم كذب، ومستقيم قبيح، وما هو محال كذب، فأما المستقيم الحسن فقولك: أتيتك أمس، وسآتيك غدا، وأما المحال فأن تنقض أول كلامك بآخرة فتقول: أتيتك غدا، وسآتيك أمس. وأما المستقيم الكذب فقولك: حَمَلْتُ الجَبَل، وشربتُ ماء البحر ونحوه، وأما المستقيم القبيح فأن تضع اللفظ في غير موضعه نحو قولك: قد زيدا رأيت، وكي زيدٌ يأتيك وأشباه هذا. وأما المحال الكذب فأن تقول: سوف أشرب ماء البحر أمس″ وهذا يحدد مفهوم السلامة وعلاقتها باللفظ والمعنى من جهة، والقياس والاستعمال من جهة أخرى. فهناك المستقيم الحسن والمستقيم القبيح والمستقيم المحال، وتمكن صياغة هذه المعاني بشكل آخر أكثر وضوحا على النحو التالي:

المستقيم الحسن هو السليم في القياس والاستعمال جميعا

المستقيم القبيح هو السليم في القياس وغير السليم في الاستعمال.

المستقيم المحال فهو سليم في القياس والاستعمال، غير سليم من حيث المعنى.

معان تمكن صياغتها صياغة رياضية مجردة، وهي معان لم يتوصل إليها المحدثون في اللسانيات ما عدا تشومسكي عندما ميز بين الجمل النحوية (القواعدية) والجمل غير النحوية، فالمتكلم السامع المثالي في لغة ما يدرك من خلال قوانين محددة (هي المعرفة اللغوية أو قواعد إنتاج الكلام وفهمه أو الآلة المولدة، كما يسميها تشومسكي) الجمل المستقيمة المحالة، والجمل غير المستقيمة في القياس والاستعمال، ومن ثم جاء التمييز المطلق بين اللفظ والمعنى، ومعنى ذلك أن اللفظ إذا تم تحديده أو تفسيره باللجوء إلى اعتبارات تخص المعنى فالتحليل هو تحليل معنوي، أما إذا حدث التحديد والتفسير على اللفظ دون أيّ اعتبار للمعنى فهو تحليل نحوي، والخلط بينهما كما يقول الدكتور عبدالرحمن الحاج صالح يعتبر خطأ وتقصيرا، وقد بنى على ذلك النحاة أن اللفظ هو الأول، لأنه المتبادر إلى الذهن أولا ثم يفهم منه المعنى، ويترتب على ذلك أن الانطلاق في التحليل يجب أن يكون من اللفظ في أبسط أحواله وهو الانفراد (ينطلق النحاة الأوائل في تحليلهم للغة من “الاسم المفرد” باعتباره النواة أو الأصل الذي تفرعت عنه أشياء أخرى. وقد أطلق الخليل بن أحمد الفراهيدي في نظريته الخليلية على هذا المفهوم مصطلح “الاسم المظهر” (المضمر)، كما أطلق عليه ابن يعيش والرضي الإسترباذي” مصطلح “اللفظة”.

والغرض من المعاني الملفوظية في اللسانيات الخليلية عمادها التوقف والابتداء، فهي أقل ما يُنطقُ به مما ينفصل فيُسكت عنده ولا يلحق به شيء. أو يَبْتَدِئ فلا يسبقه شيء. فما ينفرد وينطلق، أو ما ينفصل ويبتدئ هو صفة الانفراد. ومما تنبغي الإشارة إليه أن كل وحدة لغوية قابلة للانفصال عمّا قبلها أو ما بعدها من الوحدات؛ بمعنى أن كل وحدة لغوية يمكن الابتداء بها والوقوف عليها حسب موقعها في الكلام فمن الألفاظ ما ينفصل ويبتدئ مثل: “الرئيس″ في نحو قولنا: “جاء الرئيس″ و”الرئيس جاء”. ومنها ما ينفصل ولا يبتدئ مثل ضمير “تاء الفاعل” و”نا المضاف إليه في نحو قولنا: “خَرَجْتُ” و”كتابُنا”. ومنها ما يبتدئ ولا ينفصل مثل حرف الجر في نحو قولنا: “في التأني السلامة”. ومن الألفاظ ما هو أدق لكنه أوسع منها، من خلال تعاقب زيادات قبلية وبعدية عليها دون أن تفقد وحدتها أو تنفرد فيها أجزاؤها، فلا تخرج عن كونها لفظة بعينها (أي قطعة واحدة). وسمّى النحاة هذه القابلية للزيادة يمينا ويسارا “التمكن” ولاحظوا أن لهذا التمكن درجات تترتب كالآتي:

لوحة: سمان خوام

أ- المتمكن الأمكن الذي يحمل معناه بداخله ولا يحتاج إلى غيره، ويتمثل في اسم الجنس المنصرف كرجل وفرس وشجرة.

ب- المتمكن غير الأمكن ويتمثل في الممنوع من الصرف.

ج- غير المتمكن ولا أمكن، ويتمثل في الاسم المبني.

وانطلاقا من التصور السابق لمفهوم اللفظة يحدد الدكتور عبدالرحمن الحاج صالح اللفظة الاسمية تحديدا إجرائيا كما يلي:

أ- التحويل بالزيادة والتعاقب هو الذي يحدد الوحدات في النظرية الخليلية.

ب- كل الوحدات المحمولة بعضها على بعض بعمليات التحويل هي نظائر للنواة من حيث أنها وحدات تنفرد أولا ومتفرعة عنها بالزيادة ثانيا.

ج- الوحدات المحمولة بعضها على بعض تكوّن مجموعة ذات بنية تسمّى في الاصطلاح الرياضي بالزمرة (structure de groupe) كما في العلاج الرقمي للنصوص على طريقة الخوارزمات (نسبة إلى العالم الرياضي العربي الخوارزمي (ت بعد 232 هـ) وهي عبارة عن سلسلة من العمليات الجزئية المتناسقة التي يتم بها إجراء العمل على الرتاب والتي يمكن أن تساعدنا مستقبلا مساعدة كبيرة لفهم مجرى العمليات الكلامية، وكيفية انتظام العلم باللغة، وكيف يمكن إدخال بعض هذه المعلومات واستعمالها في العمليات على الرتاب. ولقد عَرَفَ سيبويه هذه الوحدة وعبَّر عنها في مواضع متفرقة من “الكتاب” بعبارة “كالاسم الواحد” أو “بمنزلة الاسم الواحد”، ومن ذلك مثلا قوله عندما تعرض لموضوع النعت: فأما النعت الذي جرى مع المنعوت فقولك: مررت برجلٍ ظريفٍ قبلُ، فصار النعت مجرورا مثل المجرور لأنهما كالاسم الواحد. أما الكلمة عند النحاة الأوائل فهي أدنى عنصر تتركب منه “اللفظة”، إذ تحدد بالموضع الذي تظهر فيه في داخل المثال (الحد). وعلى هذا فالكلمة كاصطلاح نحوي ليست دائما مورفيما أقل ما ينطق به مما يدل على معنى بل هي العنصر الدال الذي يمكن أن يحذف من (اللفظة) دون أي ضرر أو تغيير للعبارة، كالحذف لحرف الجر من لفظة “بالرجل”. وهكذا فإن خروجه لا يسبب اختفاء الاسم. أما العنصر الدال الذي إذا حُذِفَ أو استبدل بشيء آخر أدى إلى تلاشي العبارة التي يدخل فيها “كالنون” في “نَذْهَبُ” و”نعود” و”التاء” في “افْتَعَلَ”، فهذه مورفيمات وليست كلمات، لأنها عناصر من مكونات الكلمة، فهي داخلة في صيغتها وليس لها الاستقلال النوعي الذي للكلام. هذا الأسلوب في تحليل الكلام، واكتشاف البنية الشاملة للكمية الكبيرة من الأنحاء، قد بناها النحاة الأولون على عدد من المفاهيم والتصورات، وعدد من الأساليب في علاج الكلام، فالنحاة العرب ينطلقون من اللفظ في ظاهره، ولكن لا يتناولون الكلام تفصيلا جملة جملة، وقطعة بعد قطعة، فيقابلون بينها لإظهار الفوارق من حيث صفاتها الذاتية كما هو الشأن عند أصحاب النظرية البنيوية (الانطلاق في التحليل من ظاهر الكلام فقط)، بل يحملون هذا النحو على ذاك حتى يظهر الترتيب والنظم (لا الصفات الذاتية فقط).

وبناء عليه فإن مفهوم الموضع وكذلك المثال لا يوجد مثلهما في اللسانيات الغربية إطلاقا، وهو الفارق الأعظم الذي يفترق فيه النحو العربي عن اللسانيات الغربية الحديثة. لقد جعل الخليل وسيبويه النظام اللغوي كله أصولا وفروعا، والفرع هو الأصل مع زيادة، أي مع شيء من التحويل، ويحصل ذلك بتفريع بعض العبارات عن عبارات أخرى تعتبر أبسط منها وبالتالي أصولا لها. ويبين ذلك النحاة العرب باللجوء إلى منهج علمي هو ما يسمونه حمل الشيء على الشيء أو إجرائه عليه بغية اكتشاف الجامع الذي يجمعها، وهو البناء الذي يجمع بين الأنواع الكثيرة من الجمل، كما توضحها المتتاليات من الجمل التي أوردها سيبويه في كتابه: مررت برجلٍ راكبٍ وذاهبٍ – مررت برجلٍ راكبٍ فذاهبٍ – مررت برجلٍ راكبٍ ثم ذاهبٍ – مررت برجلٍ راكعٍ أو ساجدٍ (بمنزلة إما وإما…) -مررت برجلٍ راكعٍ لا ساجد (إما غلط فاستدرك وإما نسي فتذكر)…الخ. فينطلقون في ذلك من أبسطها وهي التي تتكون من عنصرين؛ “عمر منطلق”، فيحملون عليها جملا أخرى تكون فيها زيادة بالنسبة إلى الجملة البسيطة، بحيث تظهر بذلك كيفية تحوّل النواة بالزوائد، وهي في الحقيقة مقارنة بنيوية أساسها تطبيق مجموعة على مجموعات أخرى طردا وعكسا. فالمذكر مثلا أصل والمؤنث فرع، والمفرد أصل والمثنى والجمع فرع عليه، والمكبّر أصل والمصغّر فرع عليه، والجملة المبنية للفاعل أصل للجملة المبنية للمفعول. قال الخليل يوما وسأل أصحابه “كيف تقولون إذا أردتم أن تلفظوا الكاف التي في لك، والكاف التي في مالك، والباء التي في ضرب؟ فقيل له: نقول باءْ، كافْ، فقال لهم: إنما جئتم بالاسم ولم تلفظوا بالحرف. وقال: أقول كَهْ، وبَهْ، فقلنا: لِمَ ألحقت الهاء، فقال: رأيتهم قالوا: عَهْ فألحقوا هاء حتى صيّروها يستطاع الكلام بها».

لم يقتصر الفكر النحوي الخليلي في تحليلاته للغة وتفسير ظواهرها على الجوانب الشكلية (اللفظية) فحسب، حسب دراسة الدكتور محمد صاري بهذا الشأن، بل تجاوز ذلك إلى الجوانب الوظيفية الإبلاغية، فتحدث النحاة عن الكلام الذي تحصل به الفائدة، وعن معاني النحو وما يتيحه لصاحب الخطاب من طرق متنوعة للتعبير عن المعاني المقصودة. فمادة الدراسة النحوية عندهم هي الحديث (لا الحكم) من حيث هو تبادل لفظي ذو فائدة، يتم بين قطبين أساسيين هما المتحدث والمتحدث إليه. ولقد ربط “سيبويه” والنحاة الأوائل، عند وصفهم للغة، بين كل ظاهرة من الظواهر الصرفية والنحوية (الإفرادية والتركيبية) بما يمكن أن تؤديه من معنى، لا من حيث اللغة، ولكن من حيث البلاغة والفائدة. وأوضح دليل على ذلك هو اهتمامهم (أي النحاة) بمفهوم الجملة، وتمييزهم الصريح والحاسم بين الكلام كبنية والكلام كخطاب، ومن الجوانب التي اهتمت بها النظرية الخليلية الحديثة تنبيه الباحثين إلى مفهوم الجملة وما يقتضيه التصور العربي لها. إذ يخطئ، في رأيه من يعتقد أن “الكتاب” الذي اشتمل على أمهات المسائل اللغوية، والذي شهد له العلماء بالنضج والاكتمال خال من مفهوم الجملة. فخلوّ الكتاب من المصطلح لا يعني بالضرورة خلوّه من المفهوم كما أن خلوّ كتاب سوسير من كلمة بنية لا يعني أبدا إهماله لمفهوم البناء، فاستعماله لمصطلح نظام يتضمن مفهوم البنية.

حقيقة إن سيبويه لم يستعمل مصطلح جملة، ولكن العلماء لاحظوا أنه يسميها كلاما، وإذا دقق القول استعمل مصطلح “الكلام المستغنى” ويقصد به: قطعة الكلام المستقلة لفظا ومعنى، والتي يحسن بالمتكلم أن يسكت عند انتهائها لأنها تشكل وحدة تبليغية يستفيد بها المخاطب علما معينا، فمقياس الجملة المفيدة أو علامتها عند سيبويه هو الفائدة (الإفادة).

اللغة الأدبية

اللغة الأدبية من ناحيتها تساعدنا على تشكيل صور خيالية في أذهاننا وصور جميلة بغض النظر عن المعنى، اللقطة قد تكون بالغة العنف أو مثيرة للشجن أو حتى مذهلة للحواس، بيد أن الجمال هو الغاية التي نرتئيها كوسيلة لغاية أعلى هي الانسجام مع مفردات الكون ذاته. ويرى المفكر الإنكليزي رامان سيلدن أن الشكليين الروس كانوا أكثر اهتماماً بالجوانب الشكلية، وأكثر إمعاناً في مسألة وضع أساس علمي لنظرية الأدب، أما النقاد في العصر الحديث قد جمعوا إلى الاهتمام بالتنظيم اللغوي المتألق للنص الأدبي تأكيداً واضحاً للانفصال بين المعنى الأدبي والتصورات العقلية المنطقية، إذ أن التركيب المتشابك المعقد للنص بمثابة تجسيد لاستجابة إبداعية إلى الحياة ذاتها، هذه الاستجابة لا يمكن اختصارها في عبارات منطقية أو تلخيصات واضحة على سبيل أن خير الكلام ما قلّ ودلّ، أما الشكليون الروس الرواد فقد نظروا إلى المضمون الإنساني نظرة واقعية تسقط في أيّ مهمة أدبية وتجعل منه مجرد سياق تفرضه نتيجة عمل الوسائل الأدبية، فكل نص ينطوي على اختلاف، وهذا الاختلاف لا يكون من قبيل التفرد وإنما نتيجة حتمية للخاصية النصية نفسها، فكل نص يرجع بطريقة ما إلى البحر اللانهائي المتمثل في النص المكتوب من قبل بواسطة الإلحاح على إشارة معينة أو معنى بعينه، ذات الشيء تقوم به الرواية الواقعية، فهي تقدم نصاً منغلقاً على معنى محدد، ولكنّ هناك نصوصاً أخرى تدفع القارئ دفعاً على إنتاج المعاني، لأن الأنا القارئة هي ليست إلا “حشد من نصوص”، فلا نختلف في التفسير إلا لاختلاف أساليبنا في القراءة، فأنا كقارئ أترجم الشفرة التي بها كتب النص، فيتحقق المعنى، وإلا ظل غامضاً مستغلقاً على الفهم. وينطوي اتجاه الفينومينولوجيا (فلسفة الظواهر) إلى التركيز على الدور الأساسي للقارئ في تحديد المعنى، والاسم مشتق من الكلمة الإغريقية التي تعني ظهور الأشياء، هذا الظهور يتبدّى في صفات الأشياء وجوهرها، من خلال انعكاسها على محتويات وعينا، هذا الوعي الذي لا بد هو واع بشيء، وهذا الشيء لا بد هو واقع. وهكذا يكون العقل الإنساني (على المستوى الفردي) هو مركز كل معنى ومصدره ومعجم تفسيره وعليه فإن الكلمات التي تنضمّ إلى بعضها لتنظر إلينا من فوق الصفحات المطبوعة، هذه الكلمات لا تمثل الموضوعات الفعلية، بل الكلام الإنساني في تناسق أدبي.

ثمة أساس للاعتقاد بأن تأثير الخط بوصفه خطا في التصوير هو أنه صورة بديلة للمس، كما أنه بديل عن العاطفة. وبعض فلاسفة الجمال يميلون إلى استخدام تعبير تسرُّب الانفعال (Empathy) في وصف مصدر المتعة التي يحسها الناظر إلى الخطوط في فن التصوير، إنه ذلك الميل من النفس لتمارس في توتراتها العصبية وحركاتها الابتدائية ما تلحظه من أشكال خارجية. وهكذا جاء الأدب! فنحن نكاد نتحرك في الواقع مع الخطوط المرسومة في الصور الأدبية، أقول صورا لأن الأدب قد اتخذ لنفسه عدة طرائق منها الرواية والشعر والقصة القصيرة والمسرحية. فالإيقاع المكسور من الصورة الأدبية يكسر فيض إدراكنا الحسيّ وتدفق شعورنا كما يكسر استجابتنا الدفعية الحركية. والخط المسرحي السلس المتماوج يفك التوتر وييسّر إدراكنا وردود أفعالنا التي لا تستبين لنا تماماً كما أنه يجلب لنا السرور والبهجة، كما يقول أروين أدمان في كتابه “عن الفنون والإنسان”؛ “كما أننا في الأدب نعيش في صفحات القصة نفس حياة شخصياتها المتخيلة، هكذا في فن التصوير ربما أمكن القول بأننا نعيش حياة الخطوط المرسومة في اللوحة أو المحفورة على الرخام”.


كاتب من مصر