دينيس جونسون ديفز ترجمة الأدب العربي

عندما التقيته للمرة الأولى كان ذلك سنة 2007 وكان قد تجاوز عامه الرابع والثمانين، وتعليقًا على سؤالي الفضولي حول السر في طول العمر والصحة قال لي بابتسامة متسامحة “أخطط لأن أعيش 95 سنة” ثم أضاف “أنت أيضًا يمكنك أن تفعل ذلك، خلق الله أجسامنا لتعيش أكثر من 100 سنة ولكننا نستهلكها سريعًا”. كان عمري وقتها 34 سنة، وجدت أن الرحلة طويلة إلى حد مذهل فسألته “ماذا في عمرك الطويل تنظر إليه الآن بعين الرضا؟” فابتسم بخجله المعتاد، وقال “كل شيء” ثم صمت قليلًا وأضاف “تقريبًا”. ومنعني خجلي وقتها من اختبار ما تخفيه هذه الكلمة شديدة الدلالة من أسرار.

الجديد  وليد‭ ‬علاء‭ ‬الدين [نُشر في 01/07/2017، العدد: 30، ص(67)]

لا شك في أن رحيل “زعيم حركة الترجمة من العربية إلى الإنكليزية” دينيس جونسون ديفز في عمر مقارب لما حدده لنفسه قبل 10 سنوات، ليس أكثر من مصادفة، إلا أن حديثه كان نابعًا عن قناعة شديدة بمنطق الفكرة، هذه القناعة أظنها انعكست في أدق تفاصيل حياته، على ما يبدو، وقد لاحظت وقتها أنه في عز حر مدينة خليجية كأبوظبي، يرتدي قميصًا فوقه بلوفر صوف وفوقهما جاكت صوف كذلك، بينما أشعر بالحر تحت قميصي الكتاني “النص كم”، وفي ظني أن الرجل -رحمه الله- كان يخطط للعيش طويلًا ويطبق قناعته بدقة.

والواقع أن البريطاني دينيس جونسون ديفز المولود عام 1922 هو صاحب أول ترجمة إنكليزية للقصة العربية في تاريخنا الحديث، وقد كان ذلك عام 1946، عندما ترجم مجموعة صغيرة تضم مختارات من أعمال محمود تيمور، ونشرها على نفقته الخاصة في القاهرة، في وقت لم يكن أحد يعرف فيه شيئاً عن العربية، إلى حد أن المستشرقين أنفسهم كانوا يعدّونها واحدة من اللغات الميتة!

وينسب لدينيس الفضل في تعريف العالم بالأدب العربي الحديث عبر ترجمته للمرة الأولى مختارات من أعمال رواد النهضة الأدبية أمثال محمود تيمور وتوفيق الحكيم ويحيى حقي ثم الطيّب صالح ونجيب محفوظ وتوفيق يوسف عوّاد وغسان كنفاني وغيرهم الكثير.

وقد قدم دينيس خلال الستين عامًا الماضية إلى قراء الإنكليزية أكثر من 25 مجلدًا عن العربية شملت الأدب روايةً وشعرًا وقصة، إضافة إلى نصوص ودراسات إسلامية. كما انشغل خلال سنواته الأخيرة بإنشاء مكتبة قصص للأطفال بالإنكليزية، يستقيها من مصادر عربية في محاولة لسد النقص الكبير الذي كان يراه في هذا الجانب.

قلم التحرير

الجديد: دينيس، أنت بريطاني الجنسية كندي المولد، ما الذي قادك إلى عالم اللغة العربية وآدابها لتنتمي من ثم بصورة جارفة إلى هذا العالم؟

دينيس: هناك مجموعة من المصادفات قادتني إلى دراسة اللغة العربية، فرغم أنني بريطاني الجنسية، إلا أنني ولدت في كندا، وعشت طوال سنوات طفولتي وصباي خارج إنكلترا التي زرتها للمرة الأولى وعمري 12 سنة، قضيت سنوات الطفولة الأولي في القاهرة، ومنها انتقلت إلى وادي حلفا بالسودان، ثم شرق أفريقيا، وهناك أصبت بمرض الدوسنتاريا ورحلت إلى لندن التي لم أحبها ولم أرغب في العيش فيها بسبب البرد الشديد، وهرباً من مدينة الضباب قررت دراسة اللغة العربية.

الجديد: لماذا اخترت العربية تحديدا للهروب من ضباب لندن؟

دينيس: مصادفة أخرى.. على أن اختياري هذه المرة كان فيه قدرٌ من التحدي، سوف أشرحه لك، كنت أعرف العربية وأنا في السودان أفضل من الإنكليزية، رغم أنني كنت قد درست اللاتينية واليونانية في المدرسة، إلا أنهما كانتا بالنسبة إليّ من اللغات الميتة، ولم أكن أرغب في دراسة لغة ميتة أخرى.

عندما عاد والدي إلى لندن عمل سكرتيراً لمنظّمة السيارات، وكان عليّ أن أدرس وأواصل دراستي لدخول جامعة كامبردج، وقد حاولت ذلك في سن مبكرة، فرفضت الجامعة، قالوا إن عليّ أن أبلغ 18 سنة حتى يُسمح لي بدخول الجامعة، وقد توصّلت والدتي معهم إلى تسوية، فدخلت في سن 16 سنة، وخلال ذلك الوقت الفاصل، دخلت مدة سنة في مدرسة اللغات الشرقية في لندن ودرست العربية، وذلك في سنة 1937، وهكذا اخترت العربية، ودرستها في جامعة كامبريدج.

الجديد: هذه بمثابة مصادفات أيضا، ولكن أين يكمن التحدي؟

دينيس: واجهتني صعوبات شديدة في التعلم، عانيت الأمرّين في التعامل مع قواعد النحو والصرف وخلافه، وكرهت أسلوب دراسة اللغة العربية في كامبريدج فتركت الجامعة والتحقت بهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” على اعتبار أنني ملمّ باللغة العربية، وهو ما ثبت عدم صحته، فمن أول يوم دخلت أستوديو الأخبار سنة 1940 لم أفهم كلمة واحدة من النشرة العربية.

والحقيقة أن الفضل في قدرتي على استكمال التحدّي وتجاوز الأمر وصولاً إلى تحسن علاقتي باللغة العربية وقدرتي على الفهم والتعبير بها يعود إلى زملائي في الإذاعة وقتها، وكان معظمهم من المصريين، فقد احتضنوني وشعرت أنني دخلت جامعة ثالثة كانت أشبه بكوخ فيه أكثر من عشرين عربياً وأنا البريطاني الوحيد بينهم.

هل تريد مزيدًا من التحدي؟ كنت أعيش وسط عشرين عربيًا لا يكفّون عن الكلام باللغة العربية، فقررت التعلم منهم مباشرة، كنت أكتب كل كلمة جديدة في نوتة، وخصصت أخرى لكتابة الشعر والزجل، وثالثة للأقوال المأثورة والحكم والأمثال باللغة العامية المصرية، كل ليلة كنت أنصت وأسأل عن معاني الكلمات، ومع الوقت أصبحت أكثر فهمًا للغة العربية، فأصبحت لأول مرة قادرًا على نطق جمل كاملة، ثم بحثت عن روايات أو قصص قصيرة مكتوبة باللغة العربية، وتعرّفت على أفضل من كتب القصة القصيرة­ من وجهة نظري­ وهو محمود تيمور الذي ترجمت بعض أعماله ونشرتها لاحقًا.

الجديد: وصفتَ منذ قليل اللغتين اليونانية واللاتينية بأنهما من اللغات الميتة، عندي فضول لمعرفة صورة اللغة العربية في الغرب وقتذاك؟

دينيس: كان ذلك الوقت وقت فوران الاستشراق، وكان المستشرقون يعتبرون العربية لغة ميتة وكانوا لا يتكلمون بها. أذكر أن المستشرق نيكلسون وهو أحد أكبر المستشرقين في تلك الأيام وله كتب كثيرة عن التصوف الإسلامي، لم يكن يتقن العربية ولم يكن يلقي السلام باللغة العربية على أحد منّا، وكان الإقبال على تعلم اللغة العربية ضعيفاً جداً، أذكر أن عدد الطلبة الذين كانوا يتعلمون اللغة العربية في الجامعة وقتها لم يزد على 3 أفراد أنا أولهم، ومواطن إنكليزي آخر، ثم “أبا أبيان” الذي تولى وزارة الخارجية الإسرائيلية بعد ذلك.

الجديد: وكيف دلفت إلى عالم الترجمة؟

دينيس: مجموعة مصادفات أخرى قادتني إلى هذا العالم.. (شاركني الابتسام ثم قال) “لم يكن يومًا من ضمن مخططاتي أن أكون مترجمًا، والذي حدث أنني خلال فترة عملي بالإذاعة البريطانية التي صادفت أيام الحرب العالمية الثانية اطّلعت على نماذج من الأدب العربي، وقرأت قصصًا لمحمود تيمور وروايات لتوفيق الحكيم، والحقيقة أدركت أن ثمة نهضة في هذا المجال وصدمتني هذه الحقيقة، وأدهشني أن كل المستشرقين لا يهتمون سوى بالماضي وكأن لا حاضر في هذا المكان.

بعد انتهاء الحرب سنة 1945 سافرت إلى مصر، وكان لصديقي لويس عوض الذي تعرفت إليه في جامعة كامبردج دور في اندماجي بالوسط الأدبي والحياة الثقافية حيث تعرفت على الأدباء الكبار من أمثال طه حسين ويحيى حقي ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم وغيرهم.

وبدافع من رغبتي في عمل شيء جديد بخلاف معظم المستشرقين الذين يديرون وجههم للحقيقة، قمت بترجمة مجموعة قصصية لمحمود تيمور ونشرتها على نفقتي الخاصة، وصدرت عن دار النهضة في مصر عام 1947. منذ ذلك التاريخ بدأت علاقتي الجادة بالأدب العربي، وبدأت أفكّر بشكل منهجي تجاه الأمر، وراودتني أفكار مشاريع نفّذتُ بعضها مثل ترجمة مجموعة قصصية لكتّاب من شتى البلدان العربية، فترجمت لعبدالملك نوري وفؤاد التكرلي من العراق، ومن لبنان ليلى بعلبكي، ومن سوريا عبدالسلام العجيلي، ومن السودان الطيب صالح، وعدد أكبر من الأدباء المصريين بحكم معيشتي بينهم، وتوالت الترجمات بعد ذلك.

الناشرون الإنكليز

الجديد: لا تخلو علاقتك بنجيب محفوظ من مصادفات وطرائف، فأنت أول من ترجم أدبه إلى اللغة الإنكليزية، وقد لازمك اعتقاد لفترة طويلة أن أول قصة ترجمتها لمحفوظ هي قصة “زعبلاوي” ولك في ستينات القرن العشرين. لكن الأمر لم يكن كذلك؟

دينيس: نعم، كان ذلك سهواً عجيباً، فقد ذكرني نجيب محفوظ من خلال أن أول قصة ترجمتها له كانت خلال عام 1946 من مجموعته “همس الجنون”. بعد ذلك قمت بترجمة مجموعة كاملة من قصصه، وبعد حصوله على نوبل ترجمت له قصصاً أخرى.

الطريف أن نجيب محفوظ كان كلما التقاني يقول لي “ترجم لي رواية، أنت ترجمت لي بعض القصص وحسب.”. وكنت أقول له يا نجيب يا حبيبي، لو ترجمت لك رواية من سينشرها لي؟

والواقع أن رواية “زقاق المدقّ” لنجيب محفوظ هي أول رواية عربية حديثة. هي الرواية الأولى التي قرأتها لمحفوظ، كان ذلك في بداية أربعينيات القرن العشرين، وشرعت بالفعل في ترجمتها ولكني لم أتممها، ترجمت ثلثها وتوقّفت عن العمل، لأنني كنت متأكّداً أن لا أحد سينشرها لي. الناشرون الإنكليز كانوا كالغنم، لا أحد يريد أن يجازف مع الأدب العربي، ولم يكن أيّ من الناشرين هؤلاء على علم بوجود نهضة أدبية وثقافيّة عربية. يعرفون القرآن، وألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة، وهكذا.

الجديد: ما الذي شجعك على استكمال ترجمة الرواية إذن؟

دينيس: ترجمت “زقاق المدقّ” بدافع الحب، ونُشرت أول الأمر في بيروت، ثم أخذتها سلسلة “أراب أوثر” (Arab author) التي اضطلع بها تريڤور ليجاسيك. ثم نُشرت بعد ذلك في العالم. لم تكن مشكلة ترجمة الأدب العربي الحديث أنه مجهول بالنسبة إلى الغرب فحسب، لكنهم هناك لم يكونوا راغبين في معرفة أشياء أخرى عن هذا العالم. حتى أن بعض مشاهير المستشرقين كان يصف اللغة العربية بالميتة، فهي لغة دراسة وليست لغة أدب وحياة.

طفلتان في مروي - السودان (نادر سرور)

حياة مفعمة بالحرية طفولتي في وادي حلفا

* دينيس جونسون ديفز

وصلت إلى إنكلترا قادما من أفريقيا وعمري 11 سنة، فأنا مولود في كندا سنة 1922، ورحلت مع عائلتي طفلا إلى القاهرة، فإلى وادي حلفا في السودان، ثم إلى أوغندا، بعد ذلك إلى إنكلترا التي لم أحبذ العيش فيها أبدا.. عندما جئت إلى ما كان ينبغي أن يكون وطني في الأحوال الطبيعية.. لندن كانت مشاعري وحواسي وتصوراتي وما أحب وأفضّل وأرفض، قد تشكلت وانتهى الأمر.. والسبب أنني عشت طفولة في بيئة مختلفة.. كانت طفولتي غريبة ففي وادي حلفا ومصر مثلا كنت وحيدا لم يكن هناك أطفال إنكليز غيري.. وفي السودان كان كل أصدقائي من العرب، وكنت أتقن العربية في ذلك الوقت أكثر من إتقاني الإنكليزية.. لكن الذي لا يعرف أن يقرأ ويكتب العربية ينساها.

لم أسعد بهذا الانتقال.. في إنكلترا يتحدثون عن المسرح والفن والحضارة.. وفي السودان كان عندي حمار وفي أوغندا كان عندي بسكليت.. في السودان كنت أركب الحمار بفرح كبير.. وكانت لي صور في النيل على ظهر مركب.. حياة بسيطة، بدائية، لكنها رائعة الجمال، فهي حياة مفعمة بالحرية. في إنكلترا حشرت في مدرسة كلها أوامر وضوابط ونواه صارمة.. وكان الضرب ينزل بنا.. كانوا يضربوننا بقسوة في ذلك الوقت. لذلك كرهت المدرسة واشتقت إلى الحياة الحرّة والعفوية في أفريقيا.. ولك أن تتخيل المصاعب النفسية التي تحلّ بالطفل والناشئ في المدرسة الداخلية.. من الصباح إلى الليل، وهكذا.. واستطعت أن أهرب بمعجزة.. ففي تلك الفترة من حياتي، لم أكن شاطرا في الألعاب الرائجة بين الأقران.. كنت أجيد السكواش.. مع أن جميع الذين يلعبونها كانوا أكبر سنّا منّي.. لكن الناظر حرمني من اللعبة لأنني دون سن الـ16 سنة. والدي الذي لم يكن يهتم بالرياضة.. زعل.. وقال للناظر: إذا لم تترك ابني يلعب السكواش سأخرجه من المدرسة. فقال له الناظر: لن أسمح له بممارسة اللعبة ما دام صغيرا.. وهذا مخالف للقواعد، ولا نستطيع تغيير القوانين من أجل ابنك! كانت معجزة ووقعت، فقد كنت أحلم لليال طويلة بالخلاص من هذه المدرسة.. فإذا بوالدي الذي كان محاميا يومها يتسبب بخلاصي من تلك المدرسة.

***

جاء والدي إلى لندن ليعمل سكرتيرا لمنظمة السيارات. أما والدتي فكانت تهتم بالكتابة.. وقد كتبت ونشرت بعض الأعمال الأدبية. وقد اهتمت هي بدراستي، فقد كان عليّ أن أدرس وأواصل دراستي لدخول جامعة كامبردج.. وقد حاولت ذلك في سن مبكرة.. فرفضت الجامعة.. قالوا إن علي أن أبلغ 18 سنة حتى يُسمح لي بدخول الجامعة… وقد توصلت والدتي معهم إلى تسوية فدخلت في سن 16 سنة.. وخلال ذلك الوقت الفاصل دخلت لسنة في مدرسة اللغات الشرقية في لندن ودرست العربية، وذلك سنة 1937.

عندما كنت ما أزال في إنكلترا أذكر أننا كنا نسافر أمي وأبي وأنا بالسيارة ونمضي أسبوعين في فرنسا مثلا.. نشاهد الكنائس.. وكان هذا مملا بالنسبة إليّ.. قلت لهم مرة أعطوني الفلوس وأنا أسافر إلى مصر. وذات مرة فوجئت بأمي وأبي يوافقان، وكان عمري 14 سنة فقط.. وها هما يسمحان لي بالسفر إلى مصر في تلك السن.. رحت وسكنت في منطقة السكاكيني، ولما رجعت وجدت لي أماً جديدة.. والغريب أن أمي قالت مرة لأبي أن الصديقة الفلانية مسكينة، فلنأخذها معنا في رحلة.. وهو ما حصل.. وخلال تلك الرحلة بدأت علاقة بينها وبين أبي.. كانت أمي طيبة القلب، ولم تفكر أن شيئا من هذا القبيل يمكن أن يحدث. دخلت في العائلة ونسفتها، عدت إلى مصر.. كما قلت.. ولم أجد عائلتي!

***

في أفريقيا لم تكن هناك أيّ عنصرية من الناس نحو المختلفين عنهم لونا أو ثقافة أو تكوينا. عدت إلى وادي حلفا مرات كثيرة لكنني لم أذهب إلى كامبالا حيث عشت سنوات.. أيضاً.. إنما زرت زنجبار.. ومن زنجبار سافرت إلى كينيا حيث كنت مرة في مدرسة داخلية، وهناك التقيت الناظر.. وسألني: أنت كنت هنا؟ قلت نعم.. كنت هنا من سنة 1926 إلى 1932، فاستغرب كثيرا.. لكنني سعدت، وكنت أعتقد أن مدرستي كبيرة جدا.. كانت لها ضخامتها في ذاكرتي ومخيلتي.. ولما دخلت إليها وجدتها أصغر بكثير مما كنت أتصور. تلك كانت السنوات السعيدة في حياتي.

المصادفة والتحدي

الجديد: يعيدني هذا التصور إلى ثنائية المصادفة والتحدي في حياتك. إذن، كان نوعًا من التحدي أن تكون المهتم الوحيد -في ذلك الوقت- بترجمة أدب لا يرغب أحد في معرفة شيء عنه؟

دينيس: لم تكن المشكلة في الغرب فقط، فالحكومات العربية لم تكن مستعدة لدفع مليم واحد لترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأوروبية. ولأعترف الآن أن أول مجموعة قصص عربية ترجمتها ونشرت سنة 1966 عن أوكسفورد يونڤرستي برس (oxford university press)، هذه الترجمة وتلك الفرصة للنشر حصلا بالصدفة.

الجديد: أنك صاحب منظومة المصادفة والتحدي بلا منازع.

دينيس: لحسن الحظ تعرفت إلى مسؤول كبير كان صديقاً لموظف كبير في مطبعة جامعة أوكسفورد، أعجبته فكرة المجموعة، على اعتبار أنها جديدة ولم يسبقني إليها أحد، هذه المجموعة ضمت قصة “زعبلاوي” لنجيب محفوظ وهي قصة ممتازة جداً، وقصصاً ليحيى حقي. وقد ساهم نشر هذه المجموعة في فتح الباب قليلاً على الأدب العربي، فبعد صدورها اتفقت مع دار نشر لندنية شهيرة (Heinemann) على إعداد سلسلة تحت اسم “مؤلفون عرب”، وتحملت على مسؤوليتي الخاصة الأمر، حيث لم يكن أحد يعرف شيئاً عن اللغة العربية. في هذه السلسلة ترجمتُ للطيب صالح ويوسف إدريس ونجيب محفوظ، وترجمت مجموعة شعرية لمحمود درويش. وبعد عامين أغلقت الدار بسبب الإفلاس.

بشكل عام كان مستحيلاً في الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن الماضي أن تجد أحدا ينشر أيّ شيء مترجم عن اللغة العربية، أضف إلى ذلك أنه في ذلك الوقت لم يكن هناك مترجمون، فأنا أول من قام بترجمة الأدب العربي الحديث إلى اللغة الإنكليزية.

الجديد: لك رأي في موضوع استخدام العامية والفصحى في الحوار الروائي من خلال النماذج التي اطلعت عليها، هل لك أن تتحدث في هذا؟

دينيس: كان نجيب محفوظ يبرّر استخدامه الفصحى في الحوار الروائي بكونها اللغة التي يتكلم بها ويقرأها العرب كافة، ويرى أن استخدام العامية المصرية إن كان يسهّل على المصريين معالجة وتخيل الحوار بلغتهم اليومية المألوفة، فإنه يمكن أن يكون سببًا في نفور بعض القراء من الجنسيات العربية الأخرى.

أعتقد أن العامية يمكنها أن تضيف الكثير للرواية إذا ما تمت باحتراف، رغم أنني مثلاً لم أتمكن من استكمال رواية للكاتب العراقي فؤاد التكرلي بسبب استخدامه للعامية العراقية التي لا أجيدها، إلا أن ذلك لم يغيّر من قناعتي بأن تلك العامية قد أضافت إلى العمل.

وثائق اجتماعية

الجديد: أنت حقيقة الرائد الأول بلا منازع لحركة ترجمة الأدب العربي الحديث إلى اللغة الإنكليزية. من هذه الزاوية وددت لو عرفت منك أمرين؛ الأول رأيك في حال الترجمة من العربية إلى الإنكليزية واللغات الأخرى الآن، والآخر رأيك في مستوى الأدب العربي وموقعه بين الآداب الأخرى؟

دينيس: بالطبع الأوضاع تغيّرت، ولكن أعتقد أن الأعمال المترجمة حالياً إلى اللغة الإنكليزية هي في مجملها قائمة على رغبات وأهواء ومعارف شخصية، بمعنى أنه لا يوجد اهتمام حكومي بالأمر ولا يوجد تصور له. فمثلاً لا أظنّ أن وزارة الثقافة المصرية لديها برنامج لترجمة الأدب المصري، وإذا حدث وأن ذهبت إليهم -كما ينصحني الأصدقاء- لكي أحصل على ترشيحات بأعمال للترجمة سأخرج من هناك بأسماء أصدقاء المسؤولين في الوزارة، وبدون أن يدفع لي أحدٌ شيئاً!

في ما يتعلق بالأدب وقيمته الجمالية فرأيي أن كل الإنتاج من القصص القصيرة والروايات والمسرحيات في اللغة العربية مقيّد بمجال وتقاليد العالم العربي، ولذلك فهو عند ترجمته للغات أخرى يصبح لافتًا للانتباه كوثيقة اجتماعية أكثر منه إنجازًا أدبيا.

الجديد: هل ينطبق هذا الحكم القاسي على أدب نجيب محفوظ الحائز على نوبل؟

دينيس: أعتقد أن أبرز ما تميز به نجيب محفوظ هو اهتمامه بالعنصر الاجتماعي بصورة كبيرة.

البساطي وعبدالله

الجديد: لكنك ترجمت لروائيين وكتّاب قصة عرب كثيرين، من منهم لفت انتباهك شخصيًا؟

دينيس: في الأجيال الأحدث تعرفت على يحيى الطاهر عبدالله، وأحببته كشخص وككاتب، وترجمت له مجموعة قصصية. كان يحيى الطاهر عبدالله شخصية عذبة وموهوبة، وإنساناً طيّباً وكريم الخلق، ولا يمكن لك إلا أن تحترمه وتحبّه رغم عدم حصوله على ما يستحق من شهرة. وأذكر أنّني طلبت من توفيق الحكيم أن يساعدني في إصدار ترجمة لمجموعة قصصية ليحي الطاهر عبدالله عن طريق أصدقائه في المؤسسات الثقافية المصرية، وبالفعل أرسلني إلى وكيل وزارة وقتها، وعندما أخبرته برغبتي قال ساخراً: يحيي الطاهر الصعلوك؟ فأجبته: نعم هو صعلوك لكنه موهوب، وهذا هو المهمّ في نظري. ولم تُطبع المجموعة.

هناك أسماء أدبية عديدة في مصر لافتة للانتباه، لكنّني أخص بالذكر محمد البساطي فهو كاتب القصة القصيرة الموهوب، وإبراهيم أصلان، وقد ترجمت لهما ولغيرهما من الأدباء العرب الكثير. أحببت معظم من ترجمت لهم فأنا أترجم ما أحب، ولديّ ترجمات لقصص أكثر من 80 كاتباً عربياً معظمهم من مصر، وتجد بعض من أحب في ترجمتي الأخيرة التي ضمت مختارات قصصية لثلاثين كاتبا عربيا، من المحيط إلى الخليج، من نجيب محفوظ إلي أمينة زيدان، وبينهما يوسف إدريس، خيري شلبي، إدوار الخراط، جمال الغيطاني، إبراهيم أصلان، محمد البساطي ، محمود الورداني، محمد المخزنجي، سلوى بكر، يوسف أبورية، عبده جبير، سعيد الكفراوي، هناء عطية، عبدالعزيز المسدي، عبدالله باخشوين، إبراهيم الكوني، فؤاد التكرلي، بثينة الناصري، محمد خضير، عاليه ممدوح، زكريا تامر، إبراهيم صموئيل، إبراهيم دارغوثي، محمد زفزاف، سلمي مطر سيف، حنان الشيخ، وغالب هلسا.

عين المترجم

الجديد: عرفت عنك دقتك الشديدة في التعامل مع النصوص التي تختار ترجمتها بدءًا من مرحلة الانتقاء مرورًا بعملية الترجمة، وهو الأمر الذي تسبّب لك في عدد من المواقف الطريفة مع روائيين في قامة محفوظ والعجيلي. مثلاً من أبرز تلك المواقف ما رويته عن اكتشافك تغير اسم البطل في واحدة من قصص نجيب محفوظ؟

دينيس: أذكر أنني خلال ترجمتي لواحدة من قصص نجيب محفوظ، انتبهت إلى أن اسم البطل قد تغير في منتصف القصة وظل كذلك إلى نهايتها، والغريب أن هذا الأمر حدث في قصة مطبوعة أكثر من طبعة، وحين نقلتُ الأمر لنجيب، ضحك وطلب مني أن أعتمد اسم البطل كما ورد في بداية القصة.

ومرة أرسلت خطاباً لصديقي الدكتور عبدالسلام العجيلي نبهته فيه إلى أن السورة القرآنية التي تضمنتها قصته هي سورة (النصر)، وليست سورة (الفتح) كما ذكر العجيلي في سياق القصة.

ما يشبه ذلك أمور كثيرة، وما يثير غيظي هو كيف لم يفطن إلى مثل هذه الأخطاء أصحاب الأعمال أو أحد ممن سمعوا أو اطلعوا على القصة، أو تعرضوا لها بالنقد والتحليل، أعتقد أن في الأمر ما يشبه التساهل، وهو في رأيي عائد إلى غياب التقدير المادي لحركة الإبداع.

ترجمة الأحاديث

الجديد: سبق لك أن شاركت مع الباحث عزالدين إبراهيم في مشروع ترجمات من المكتبة الإسلامية، هل لك أن تعطي بعض التفاصيل في هذا الصدد؟

دينيس: جمعتني علاقة صداقة مع عزالدين إبراهيم الذي التقيته ذات مرة مصادفة على متن طائرة حين كان يعمل في قطر، وكنت وقتها ممثلاً لبعض الشركات هناك، تعارفنا وأبدى إعجابه بترجمة لي لمسرحية توفيق الحكيم.

بعد ذلك بفترة، وعندما زرته في الإمارات وكان قد صار مستشاراً ثقافياً للراحل الشيخ زايد، أثيرت في الجلسة فكرة ترجمة نصوص من المكتبة الإسلامية، والحقيقة أنني كنت دائماً ضد فكرة الترجمة المشتركة، ولكنّي تعاملت بشكل أكثر مرونة مع هذه القناعة لأن ترجمة الأحاديث النبوية تحتاج إلى دقة متناهية ودراية كبيرة باللغتين، والدكتور عزالدين متمكن من اللغة الإنكليزية إضافة إلى ثقافته ودرايته الإسلامية.

وبالفعل أنجزنا معاً “الأربعون القدسية” و”الأربعون النووية” و«الكلم الطيب» لابن تيمية ويتضمن مشروعنا عددًا من المختارات التي من المنتظر أن تثري المكتبة في هذا المجال.

الجديد: هل تعتقد أن مثل هذه الترجمات إلى الإنكليزية يمكن أن تسهم في الخطاب الحضاري بين العرب والعالم؟

دينيس: الحقيقة، لم يأت هذا الاختيار من جانبي تلبية لتلك الحاجة، ففي اعتقادي أن قارئ اللغة الإنكليزية ليست لديه أيّ رغبة في توسيع نطاق معرفته عن الإسلام، فهو بالأساس غير مهتم بالإسلام. وما حدث بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 هو مجرد تنامي الرغبة في معرفة “التطرف الإسلامي”. والحادث كما أراه أن العالمين الغربي والإسلامي يتبادلان الجهل بالآخر فيما بينهما، وفي اعتقادي أن مشكلة البلاد العربية أنها لا تملك تصوراً لما تريد أن تفعله، وربما لا تعرف بالأساس ماذا تريد أن تفعل.

واقع صادم

الجديد: انطلاقاً من تركيبتك الفريدة وخبرتك الطويلة في معرفة الثقافتين، هل لديك أيّ مقترحات تساعد في علاج هذا الأمر؟

دينيس: ما أعرفه هو أن هذا الجهل يزداد يومًا بعد يوم. في الأربعينات من القرن العشرين مثلاً عندما ذهبت إلى مصر لم يكن الأمر بهذا السوء، وكان هناك أناس متنوّرون، أمثال لويس عوض ويحيى حقي ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم وطه حسين. اليوم لا يوجد أمثال هؤلاء، وقد اختفى نظام البعثات، ولا توجد صدقية في مكافأة المبدعين. لا أحد يقرأ، والإقبال على معارض الكتب لمجرد الزيارة وتزجية الوقت، الكتّاب يدفعون لنشر أعمالهم ولا أحد يشتريها، مستوى التعليم متدنّ كثيراً، ومن النادر أن تجد أديباً يتكلم ارتجالاً باللغة العربية الفصحى، حتى أساتذة الجامعات، إضافة إلى أنهم لا يتقنون النطق باللغة الإنكليزية. كما أن غالبية الأدباء المحدثين لا يعرفون اللغة الإنجليزية عكس القدامى. وأظن أن الحل يكمن في الحوار، على أن يكون هذا الحوار بين أناس من لحم ودم، لأن القنوات الفضائية ووسائل الإعلام الأخرى على الرغم من دورها المهم في متابعة أخبار العالم، فإنها فيما يبدو غير منتبهة إلى أهمية أن يكون لها دور في علاج هذا الجهل.

مشروع للأطفال

الجديد: يبدو أن إحباطك الشديد من عالم الكبار هو دافعك وراء الاهتمام بأدب الطفل في الفترة الأخيرة، ولعلّه السبب في إطلاقك مشروعًا قصصيًا خاصًا بالطفل العربي باللغتين العربية والإنكليزية يستمد مادته من التراث العربي؟

دينيس: ربما كان في هذا بعض الصواب. وفي كل الأحوال قمت بوضع كتاب للأطفال بالإنكليزية عن الغزوات والخلفاء الراشدين، واستكملت البحث في التراث العربي الحكائي مختارًا من مصادره المتعددة قصصًا أعدت صياغتها لعدم إيماني بجدوى الترجمة الحرفية. كما أنّ لديّ قناعة أن الكتاب أهم من وسائل الإعلام الأخرى، رغم كل التطورات الحديثة، وأعتقد أن جمهور هذه الكتب ربما يضم طلاب مدارس اللغات والسياح فضلاً عن السوق الأميركية التي يتعين عليها البحث في تحسين جوهر العلاقة بين العرب والعالم من خلال الثقافة.

على خلفية قناعتي تلك أنجزت مجموعة من الكتب الموجهة للأطفال استقيتها من مصادر عربية مثل “حكايات ألف ليلة وليلة” و”نوادر جحا” و”رحلات ابن بطوطة”، كما أنجزت نصاً آخر للأطفال عن ابن بطوطة نفسه كرحالة وهو كتاب طويل نسبيا، وكتاب آخر من التراث السوري، وكتباً أخرى.


شاعر من مصر مقيم في الإمارات