الرفض العظيم وسيلة للخلاص

الحركات الاجتماعية المعاصرة انطلاقا من مفاهيم مدرسة فرانكفورت

الجديد  عمار المأمون [نُشر في 01/07/2017، العدد: 30، ص(148)]

باريس- شهد القرن الحادي والعشرون حركات احتجاج عالميّة بدأت بالربيع العربي وامتدت لتشمل عواصم العالم كباريس ونيويورك وغيرها، حركات الاحتجاج هذه ترفض أنظمة الهيمنة الدكتاتورية من جهة إلى جانب رفضها العميق للبنى الرأسمالية الحاليّة، وهي دعوات لإعادة تشكيل الطبقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في سبيل تحرير الإنسان، لا فقط على صعيد الأفكار، بل على صعيد تقنيات توليد هذه الأفكار والتي يتم تكريسها سياسياً لخدمة رأس المال، عبر جعل الهيمنة النيوليبرالية تبدو “طبيعيّة” بوصفها جزءا من “التطور المنطقي للتاريخ”، نافية أي فرصة للتغيير أو البدائل، فحركات الاحتجاج هذه لا تدعو لتعديل الأشكال القائمة أو الاندماج ضمن النظام، بل ترفض حتى الصراع الحالي الزائف، بوصفه نتاج هذه الأنظمة ووليد تقنيات التلاعب المرتبطة بها.

صدر هذا العام عن جامعة تيمبل في الولايات المتحدة كتاب “الرفض العظيم-هيربيرت ماركوز والحركات الاجتماعية المعاصرة” تقديم الناشطة والكاتبة الأميركية الشهيرة أنجيلا دايفس، الكتاب المؤلف من خمسة أقسام يحوي إحدى وعشرين ورقة بحثيّة كتبها أبرز المفكرين الناشطين السياسيين والأكاديميين الذين ينتمون لأجيال مختلفة، هذه الأوراق تتمحور حول الحركات الاجتماعية والسياسية التي شهدها العالم منذ عام 2011 في ضوء أفكار المفكر الألماني هيربيرت ماركوز، الذي صاغ مفهوم الرفض العظيم ونظّر لمفاهيم اليسار الجديد، شارحاً تقنيات التغيير الاجتماعي والسياسي ضد الهيمنة السياسية في المجتمعات الصناعية المتطورة والرأسمالية.

الخلاص الإنساني

هاجر ماركوز إلى أميركا كحال الكثيرين من رواد مدرسة فرانكفورت كثيودور أدورنو ووالتر بينجامين إبان صعود النازيّة، ويعتبر من المجددين للماركسيّة، إذ تدور أفكاره حول انتقاد الهيمنة الصناعية والرأسمالية على حياة الأفراد وتحوليهم إلى أدوات للإنتاج وفي ذات الوقت للاستهلاك، وتتضح أفكاره هذه في أشهر كتبه “إيروس والحضارة” الذي يرى فيه أن العقلانية التي تهيمن على حياة الفرد تكبّله وتنفي حريته، بوصفها تنتمي للمنطق الأداتي الذي يخدم رأس المال ويهيمن على أفكار الفرد بحجة التنوير مستعيراً بذلك مفاهيم أدورنو، ليطور هذه الفكرة في كتابه “إنسان البعد الواحد”، الذي يرى فيه أن المجتمعات الرأسمالية تلغي التفكير الجدلي لتجعل الإنسان ذا اتجاه واحد، فاقداً الأمل بالتغير، أشبه بنهاية التاريخ التي تتمثل بالشكل الرأسمالي الذي لا يمكن تغييره، هذه الأفكار يمكن الخلاص منها عبر “الرفض العظيم”، بوصفه تقنيات للانعتاق من “البعد الواحد” والفكاك من النظام الرأسمالي وآثاره السياسية والاجتماعية، مؤكداً على قيمة الفن الذي يرى فيه وسيلة لتحرير الإنسان وتكسير القيود عن مخيّلته وبناء احتمالات لحياة أفضل للجميع.

الرفض الآن

الكتاب في البداية يناقش تغيير المفاهيم عن الوقت الذي عاصره ماركوز، فالرأسمالية أصبحت تلبّي الرغبات الأساسية للأفراد ومفاهيم الحراك الاجتماعي والسياسي لم تعد لأسباب تتعلق بمقومات البقاء كما كانت في ظل المجتمع الصناعي، فرغبات الفضاء الخاص تبنتها النيوليبراليّة وأصبحت مسؤولة عنها، إلى جانب تطور تقنيات الهيمنة الأيديولوجية وأنظمة التلاعب المرتبطة بالإعلام والصناعة الثقافيّة، فالبحوث في الكتاب تقترح استراتيجيات وتطور أخرى في سبيل خلق التغيير الجذري في المجتمع، في ظل المتغيرات الجديدة كوسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت وتقنيات احتلال الفضاء العام جسدياً، وخصوصاً أن حركات الاحتجاج الحالية لم تتطوّر لتقديم سياسات للتغيير بل كانت رفضاً غير ممنهج، عبر إثبات وجود جسديّ وخلخلة للأمن وعلاقات السيطرة التي تمارسها الدولة للحفاظ على الاتزان.

الإطار المنهجي

تحاول الأبحاث مساءلة مفاهيم ماركوز السابقة وإعادة تعريف النقاط المنهجية المرتبطة بها، وذلك عبر طرح ثلاث تساؤلات جوهرية تشكل الإطار المنهجي للأبحاث، هذه التساؤلات هي، هل يفضل ماركوز الساخطين والمبعدين على أولئك المقموعين والمحرومين، بوصف الفئة الأولى هي الفاعلة في عملية التحرر في حين أن الثانية تحمل خصائص عرقيّة لا خصائص ثقافيّة تمنعها من الحراك؟ وهل يرى ماركوز أن عفوية وطواعية المشاركة هي أساس عملية التغيير؟ وأخيراً هل نظرية ماركوز القائمة على أساس العفوية تحتوي القاعدة النظرية الكافية لتحويل عمليات الاحتجاج هذه إلى حركات منظمة تتحول من مجرد رفض إلى مطالب جمعية؟

هذه التساؤلات تعكس طبيعة القائمين بفعل الرفض وخصائصهم والآليات التي اتبعوها، إذ لا يتم التركيز فقط على الطبقة العاملة بوصفها لم تعد تحمل ذات التعريف التقليدي بالمفهوم الماركسي، فالرفض يمتد ليشمل الجماعات الفرعيّة والمهمّشة والفئات التي يتم رفضها من الفضاء العام وتقنين عمليات حجبها، لتأتي الأبحاث في محاولة لجعل “الرفض” يتجاوز “الصرخة” نحو بنى متماسكة قادرة على الإطاحة بما هو قائم وطرح تصورات مغايرة.

الربيع العربي

مقدمة الكتاب تبدأ بحادثة البوعزيزي بوصفه الشرارة التي أشعلت الاحتجاجات في المنطقة العربيّة، إلا أننا نلاحظ غياب العمق في تحليل ما يحدث، وخصوصاً أن “الرفض العظيم” والاحتجاج في المنطقة ناشئ عن صراع ضد الدكتاتوريّة لا ضد الرأسمالية فقط، بل ضد أنظمة قمع وهيمنة متكاملة بشكلها الأشد وضوحاً وفجاجة، إذ لا يمكن مقارنة الاحتجاجات في سوريا بتلك التي شهدتها الولايات المتحدة المتمثلة باحتلال وول ستريت، أو ما حصل في باريس في ساحة الجمهورية، وخصوصاً أن مفاهيم الدولة والانتماء والمواطنة ليست متماسكة في المنطقة العربيّة كحالتها في أوروبا أو الولايات المتحدة، وهذا ما يترك الكتاب مفتوحاً على تساؤلات ترتبط بطبيعة النظر إلى الاحتجاجات في المنطقة العربيّة، وخصوصاً أن العنف الذي تمارسه فيها الدولة ممنهج والضحايا بأعداد هائلة.


كاتب من سوريا مقيم في باريس