القهوة مرادفا للبطش والاستعمار

أدب الكولونيالية المعارضة في ثوب ساخر

الجديد  هالة صلاح الدين [نُشر في 01/07/2017، العدد: 30، ص(146)]

كتب كارل ماركس ذات يوم أن الفلاسفة أوَّلوا العالم بطرق عدة بيد أن المهم هو تغييره. لا شك أن هناك من الكتب تلك التي ساهمت في تبديل وجه العالم، هل بيَّضته أم سوَّدته، ذلك حديث آخر. نتذكر منها “جمهورية أفلاطون”، واحداً من أبرز الكتب الفلسفية والسياسية على مر التاريخ لما يحفل به من مبادئ الخير والشر وعدد من المفاهيم المحورية كالملك الفيلسوف وخلود الروح ونظرية الأشكال.

ميكافيلي كتب “الأمير” ليناصر الذرائعية في عبارته الشهيرة “الغاية تبرر الوسيلة” ويبعث برسائل استراتيجية تسدي النصح للأمير كيف يتبوأ العرش وكيف يحافظ عليه. ماركس أيضاً حفر علامته في التاريخ ببيان الحزب الشيوعي بما ضمه من دعوة للطبقة العاملة بالنهوض واستئصال الصراعات الطبقية.

ومن بين أمهات الكتب مثلَّت رواية “الحرب والسلام” لتولستوي ضميراً أدار بوصلة العالم. وكانت من فرط واقعيتها وتعمقها في الاستقصاء النفسي لشخوصها أن اعتبرها النقاد أفضل رواية في تاريخ البشرية.

أمَّا رواية الكاتب الهولندي ملتاتولي “ماكس هافلار: مزادات القهوة في شركة التجارة الهولندية” (1860)، فقد “قتلت الكولونيالية” -على الأقل في إندونيسيا- وفقاً لتقدير الروائي الإندونيسي براموديا أنانتا توير في جريدة “نيويورك تايمز″. وقد أصدر مشروع “كلمة” للترجمة التابع لهيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة هذه الرائعة الكلاسيكية في العام الجاري. وترجمها إلى اللغة العربية الأكاديمي السوري د. موسى الحالول.

ملتاتولي اسم مستعار باللغة اللاتينية، ويعني “تحملتُ كثيراً”. اسم الكاتب الحقيقي هو إدوارد داوس دكر (1820-1887). تُرجمت “ماكس هافلار” إلى أكثر من 40 لغة، وفي خاتمة نسختها الهولندية يعدها المؤلف الهولندي جيه جيه أوفرشتيجن أعظم رواية أنتجتها هولندا على الإطلاق.

قبضة المستعمر

يحْضر في صدر الرواية “ماكس هافلار” الموظف الحكومي العامل في جزيرة جاوا بإندونيسيا. وينصب السرد على تجاربه التي نستشف منها أنها سيرة ذاتية لملتاتولي نفسه. فالرواية تتمحور حول ما عايشه لمدة ثمانية عشر عاماً في جزر الهند الشرقية أثناء وقوعها تحت قبضة الهولنديين.

عقب تلك الخدمة الطويلة يرفض رفضاً باتاً أن تأتي راحته أو راحة الأوروبيين على حساب كرب المستعمرة. يخز ضميره حالُ المحليين المهين فيقف في وجه الإساءة، ولكن السلطة المطلقة تُفسِد بشكل مطلق والمعارِض لا يلقى أي صدى من المحتل.

يشْويه تاجر القهوة الأناني بَتافوس دروخستوﭘل بسياط النقد، ومعه يشتد وعينا ببراءة الكاتب وورطته. كما يعرقل دأبه المنتفعون مع أن السياسة الحكومية المعلنة هو أن عليه بحكم وظيفته أن يقي المواطنين شرور الاضطهاد.

ومثله مثل كل الشجعان يُسجِّل مصيره النهائي بيده على نحو تراجيدي. بعد شدّ وجذب مع حكومة الاستعمار يكابد حياة عارية من الاستقرار والهدوء ثم يضطر إلى الاستقالة ويعود إلى أوروبا عام 1856 رجلاً تحرر من خديعة الوهم السياسي.

في أوروبا لا يهاب هافلار بطش الاستعمار. وبقلم ساخر يميط اللثام عن أوضاع مقيتة تعيشها جاوا منتقماً خير انتقام من طرده من وظيفته. وهو لا يدخر جهداً لشجب قهر فرضه سادة الإندونيسيين وكذا الهولنديون على أهل البلد مستغلاً أدواته الأدبية لفضح نظام بلده.

معالجة سياسية واقتصادية

تتألق في الرواية قصة حب الشابين سيدجاه وأديندا وفي ذيلها اتهام مرير لنظام الاحتلال بالاستغلال، فيطالعنا الكاتب كشخصية لا تستسيغ القسوة قط، كرجل لا تمسه النقائص تعهد أن يحمي الأضعف والأقل حظاً. سوف يتوقف القارئ في “ماكس هافلار” أمام سيل من العبر عن التضحية والإيثار. الحق أن الكاتب يصور هافلار -أي نفسه- مثالياً معلناً أن ما يعيبه فقط هو “الكرم وشرود الذهن”!

لا يتقيد الكاتب بالقواعد السردية المألوفة حينذاك. إذ يحبك بنية تراتبية ويلجأ إلى عدد من الرواة على غير عادة كتَّاب عهده. نجده يكوّم طبقات من القص فوق بعضها بعضاً ضافراً نسخ معقدة من الحكي شبهها أحد النقاد بالبصلة!

تستند الحبكة إلى الأعمال الكاملة لماكس هافلار الذي يعمل مساعداً للمحافظ في جاوا. كان قد كتبها بالألمانية، ويترجمها الطالب شتيرن الذي حل ضيفاً على تاجر القهوة دروخستوﭘل في أمستردام. والتاجر هو من يسجل وجهة نظر مخالفة عن حال المستعمرة. يزوره يوماً زميله السابق سيالمان ليطلب منه نشر مخطوطة تتضمن التجارب الحقيقية لماكس هافلار.

كلها أحداث يَشِيها ملتاتولي بمسحة تهكمية تكسر قالب المرجعية الإنسانية في الكتاب. يصف الموظف الحكومي بهدوء وبطء وحذر يحسده عليها العَظائيات! غيْره من السواد الأعظم يعدّونها آية من آيات الدماثة وضبط النفس والحكمة. يردف أن ملامح وجهه رقيقة تشي بقدر من التدريب الفكري، ولكن نظرته تنمّ عن شيء بارد، شيء أشبه “بجدول اللوغارِثْمات”. يتابع الكاتب أن مظهره ليس كريهاً أو منفّراً، ولكنّ المرء لا يملك إلا أن يشك في أن “سأماً خالج أنفه الضخم في ذلك الوجه حيث لا شيء يجري!”.

القهوة البغيضة

يرمي ملتاتولي تجار القهوة بأقذع التهم قائلاً إنهم يتخفون وراء مهنتهم، وإنهم أفَّاقون يتكسبون من عمل لا يمتّ للشرف بصلة. تاجر القهوة البغيض دروخستوﭘل يعتبر نفسه من ملح الأرض على حين أنه مثال حي على البرجوازية التافهة.

يبرر بلسان معسول كل شر وكل خطيئة، من جبنه إلى عشقه للمال إلى شُحه البالغ. هو أيضاً راوٍ يمهد الطريق لمنعطفات الرواية مديناً نفسه بنفسه. يفتح لنا كذلك سبيلاً للكوميديا قد لا يتوفر لنا بدونه.

قيم برجوازية

يكتب ملتاتولي من منظور المحكوم لا الحاكم. ففيما عدا مراسلات رسمية كتبها لموظفين حكوميين نافدي الصبر وأبرزت تأثراً بالقيم البرجوازية، تفرَّد أسلوبه بتطويع لغة المواطن البسيط في مناجاته السياسية على عكس التقعر المنمق الطاغي على أغلب كتابات نظرائه في القرن التاسع عشر.

ومع ذلك وقع في فخ الرتابة وبطء الإيقاع المميزين للروايات في عهده. يترجى “القارئ العزيز″ أن يغفر له استطراداته الكثيرة ثم يقودنا في التو إلى انحراف آخر عن الموضوع! ما لنا نحن بما كان يقع في ولاية الملك وليام الفاتح!

التماس عاطفي

جاءت نهاية الكتاب مسرحيةً على عادة الكتب المغرقة في الفضيلة. يفرد المؤلف ذارعيه ويتفاخر بهدم منظوري عمله المتضادين. إذ يجيئنا صوته على بغتة وهو يُسقط قناعه مصرحاً بأن الشخصيات من وحي خياله ليس إلا. وبعدها يوجه التماساً عاطفياً إلى ملك هولندا، بصفته رئيس الدولة، راجياً إياه أن يتدخل لنصرة الحق وإنقاذ سكان جاوا.

سرعان ما خلق هذا الكتاب عاصفة هوجاء عند نشره، وجاءت للكاتب الشهرة من حيث لا يحتسب. وبمعالجته السياسية والاقتصادية الجريئة يطرح ثماره، فالاحتلال لا يصمد أمام شهادة واحد من أهلها. استاء منه وقتذاك جمع غفير من السياسيين ومعهم الرأي العام الهولندي مما تطلب إصلاحات فورية لرفع البؤس عن أهل البلد. كما استفز جدلاً أخلاقياً حول النهب الاقتصادي للمستعمرة الصغيرة، كان من إحدى تبعاته أن خسرت هولندا إندونيسيا خلال الحرب.

الضمير الغائب

نلمح بين سطور “ماكس هافلار” أصداء أخلاقية تدين الضمير القومي الغائب. كافح ملتاتولي نيابة عن الشعب الإندونيسي، وبقلم لم يهمل كبيرة أو صغيرة إلا ويحللها، لم يخلّف للمنافقين والانتهازيين من أبناء جلدته فسحةً لتبرير جرائمهم ليُخرج لنا إضافة نوعية لأدب الكولونيالية المُعارِضة.

وبروايته هذه صار ملتاتولي ممثلاً عن الضمير الإنساني في كافة أرجاء أوروبا. ألهم حركات التحرر كالمفكرين الأحرار والاشتراكيين والفوضويين. ولا ريب أن حركة “التجارة العادلة” كانت نتيجة لهذا الكتاب وغيره من الكتب التي حفرت الذنب في قلب المحتل وحضَّته على تعويض مستعمراته عما لحق بها من غبن وجور.


كاتبة من مصر مقيمة في ليدز