الطفولة العربية في مصحات المستقبل

من “خرافات أيسوب” وحتى اليوم مرت قرونٌ على ما يسمى نقدياً أو اصطلاحياً بـ”أدب الطفل” حينما كان مثل هذا الأدب وليداً غير مكتمل المعالم ولا يتوفر على صورة أساسية لهيكليته الفنية؛ ومن تلك الخرافات الأيسوبية حتى هذا الزمن الإلكتروني المتطور يكون الزمن طويلاً وكفيلاً ببلورة الكثير من المفاهيم والمقترحات لتطوير هذا النوع العالمي الذي يهتم بالطفولة أداءً شعرياً ونثرياً تعليمياً وتربوياً، ومن ثم صناعةً تفرّقه عن أدب الكبار في سردياته وشعرياته العميقة الأكثر صلةً بالحياة.

الجديد  وارد بدر السالم [نُشر في 01/07/2017، العدد: 30، ص(86)]

لوحة: محمد عرابي
وعبر هذه الفترة الزمنية المتداخلة، كثيرة المتغيرات التي تطورت مفاهيمها الأدبية والثقافية والصناعية ورؤيتها الجديدة للحياة بعد الثورتين الزراعية والصناعية وصولاً الى الثورة الإلكترونية فائقة الخيال، لن يبقى أدب الطفل بمعزل عن كل هذه المتغيرات الحاسمة تأليفاً وتوثيقاً وصناعة كُتبية شهدها العالم منذ تلك البواكير الابتدائية وحتى هذا الزمن المنشغل بثورات تقنية وصناعية وتأليفية على مستويات أكثر نضجاً وأهمية.

لذلك يبدو مثل هذا الأدب، الذي ما يزال البعض يعتقده هامشياً، ذا أهمية كبيرة في رصف أرضية ثقافية رصينة له بكل متفرعاتها التربوية والتعليمية والعلمية، فالموضوع الجيلي بهذه التسمية موضوع حساس لِما له أهمية في إعداد أجيال تغذيها الثقافة بمعناها العلمي الشامل وتؤسس لها قاعدة جبارة في الحياة وترصيف العوامل الإيجابية في روح الطفولة بحكمة ومسؤولية، وهو نشاط تعليمي يندرج ضمن الأسس التربوية الصحيحة لتنشئة جيل قادر على أن يتحول في مستقبله إلى قاعدة بناء وتأسيس منطلقات فكرية عظيمة الشأن.

حتى الثلاثينات من القرن العشرين لم يكن أدب الطفل العربي شائعاً بهذا المفهوم الاصطلاحي بل كانت الكتابة التعليمية هي التي يمكن أن نؤشرها عبر الترجمة وهي السائدة في صحافة الثلاثينات العربية كما تظهر حكايات لافونتين كإحدى الارتكازات التطبيقية لأدب الطفل العالمي والتي نهل الأدب العربي منها كثيراً ترجمةً وتأثراً في محاولة لتجريب هذا النوع الأدبي الجديد وإطلاع القارئ العربي في تلك الفترة التأسيسية على هذا النمط الغربي الذي اهتم بثقافة الطفل وإن بشكله التعليمي-التربوي المبسّط وهو ما درجت عليه بعض الأدبيات السائدة في تلك الفترات على يد مبدعيها الكبار وهم قلة قليلة توزعت اهتماماتها على تعددية الأجناس الأدبية إلى حدّ ما.

وحتى الحرب العالمية الثانية ومع إعلان حقوق الطفل عن الجمعية العامة للأمم المتحدة دخل مصطلح أدب الطفل إلى حيز القراءة والاهتمام، وهو أمر فيه تفصيلات كثيرة لا نعتقد أن الأدب العربي مع نهضته الأولى كان بعيداً عنه بالرغم من خروجه (الوطن العربي) مقسّماً سياسياً وتداخلت فيه أهواء السياسة على نحوٍ صريح وخضع لسلطات استعمارية احتلالية متعاقبة، غير أن الثابت هو أن مجمل الأدب العربي تفاعل مع مستحدثات الآداب العالمية بعد الحرب تلك التي أثْرَت الأدب العربي بالترجمات وأغنت حيويته بالكثير من المدارس الأدبية ومنهجيات النقد وشيوع الثقافة الشعرية والبحثية والسردية العدمية الوجودية بطريقة كبيرة ولا شك أن من بينها وضوح أدب الطفل كمصطلح له رسمته الشخصية التي تُعنى بالطفل والذي يُعنى بدوره بسيكولوجية الطفولة وتنميتها الاجتماعية والتربوية والثقافية بعيداً عن خضوعها لأيديولوجيات فكرية وسياسية وحزبية ضيقة الأفق.

المسرد في هذا الموضوع شائك وفيه من التفصيلات الشيء الكثير لا سيما ونحن في قرن العولمة والثورة الثالثة بحسب تعبير توفلر التي جاءت بمتغيرات لا حصر لها على الأصعدة كلها، ومن بينها المتغيرات التي طرأت على الثقافة اليومية والعامة، لكن يبقى أدب الطفل العربي على وجه الخصوص مرهوناً بسياسات ثقافية كثيرة لا تفترق من بعيد أو من قريب عن السياسات الدولية، مثلما لا تفترق عن جملة العوامل المتعلقة بالميديا وآفاقها الكبيرة والإنفوميديا والمعلوماتية، إلى الإعلام التفاعلي والثقافة التفاعلية والأدب التفاعلي الذي استثمر كل هذه المعطيات الجبارة لصناعة الحياة بثقافاتها المتعددة ونزوعها إلى الحركة المثالية للتجديد واجتراح طرائقها الأسلوبية والفنية مستفيدة من كل هذه الآليات المتفاعلة التي تديم نبض الثقافة.

ففي عصر الصورة مثلا أمكن اختزال الكثير من معاناة الكتابة وتحشيدها الذي لا طائل من ورائه في كثير من الأحيان، فالصورة التلفزيونية وما شابهها هي الأكثر تأثيراً في عصر متسارع النبض والخطوات، ولقطة الفوتوغراف حكاية كاملة عن فيضٍ من الدموع وركامٍ من الأسى، ومعطيات التواصل الاجتماعي ثبت أنها الأكثر التصاقاً بالحياة اليومية والأسرع في التأثير ونقل الحقيقة مهما اختلفنا في تفسير الكثير منها بانجذاباتنا السياسية والدينية والفكرية، وهكذا سنجد في أدب الطفل العربي ومع هذه الآفاق الجديدة وما رافقها -عربياً- من هيجان عاصف تحت مسمّيات الثورات العربية في الربيع الأسود المعروف وتداخل الأهداف وامتزاج الحِراب والبنادق بطريقة فوضوية، سنجد فوضى المقاييس الأدبية بانزواء هذا اللون الأدبي فلا يمكن استشفاف حتى الآن ما يمكّننا من استشراف انطلاقات جدية في ثقافة الطفل العربي بالرغم من توفر المادة الخام لهذا الأدب الذي يعنى بالأجيال الجديدة على مختلف فئاتها العمرية.

فأزمة الحاضر العربي بصراعاته المستفحلة مذهبياً وطائفياً وقومياً وعسكرياً أنتجت وتنتج أجيالاً خائفة يلفّها الرعب وتسودها الأمية والجهل بسبب الهجرة الداخلية والخارجية واليتم والفقر وغموض المستقبل، ما يشكّل خرقاً نفسياً فظيعاً في هذه الشرائح الغضّة التي رأت وترى سيول الدماء أمامها وحولها وفيها، وهي الأجيال التي انتبهت قبل هذا الغزو الأيديولوجي الصعب إلى أفكار التكنولوجيا والعقل الإلكتروني ومدارس الكومبيوتر، لكن “الصورة” الفذة الرهيبة قلبت كل معطيات الواقع ووضعته أمام همجية القرن الحادي والعشرين الجديد بطريقة معكوسة غير قابلة للهضم في كثير من التفسيرات المتاحة.

أدب الطفل العربي الذي يعاني من هذا الشرخ لا يمكن أن يعود إلا بعودة الحياة المدنية، وكتّاب الطفولة مدعوون لمعالجة الحالة المريضة في أوصال المجتمع الذي خضع إلى تغيير كبير في مناهجه الدراسية بتلقين ديني متطرف كما يحصل الآن في العراق بإشاعة صورة عن غيرها واستبدال القديم بالجديد الموجّه إلى قديم أيضاً لكن بطريقة احترافية مقصودة، وهذا المحو سينتج بدوره أجيالاً تتمرس في الكراهية والحقد ولا ترى غير صورة القديم المتجدد بآليات أكثر عصرية وأكثر تصميماً على زرع أفكار من دون غيرها.

هذا الأمر الذي نخشاه أن ينتشر في سوريا واليمن وليبيا بوصفها دولاً تعاني من الضغط العسكري متعدد الاتجاهات والنوايا، فتغيير المناهج الدراسية للصغار والفتيان وكل ما يقع في باب الطفولة تحت بند التغيير المشكوك بصحته أمر خطير سيذهب بقوافل الطفولة إلى مصحات نفسية مستقبلية لا يمكن السيطرة عليها وتقييم نتائجها ما لم تسعَ عناصر كثيرة ينبغي لها أن تشترك في تأسيس مرجعيات توجيهية وكتابية يضطلع فيها أكاديميون وجامعات ومراكز بحث نفسية ومنظمات مجتمع مدني وناشطون في مجالات ثقافية مختصة ليقفوا على حجم الأهوال الكبيرة المنتظرة أمام أطفال المستقبل.

وهذا يعني أن كتّاب الأطفال عليهم أن يستوعبوا قبل غيرهم دروس الحاضر بتأسيس ردّات فعل عربية وعالمية لإنقاذ الحياة من دعوات المتطرفين والتكفيريين والدعوة إلى محاربة الجهل والفكر السلفي والغيبي والانطلاق بالطفولة إلى آفاق أكثر جمالاً وخيالاً وبراءة.

في موضوعة أدب الطفل العربي يجب أن تأخذ اتحادات الأدباء والكتّاب في الوطن العربي أدوارها التاريخية في الندوات والمحاضرات وتشجيع التآليف الأدبية في القصة والشعر والرواية والمسرح وإنشاء قواعد إعلامية ضخمة تربوية وتثقيفية وشعبية وإنشاء صروح ثقافية من المجلات والصحف والبرامج التلفزيونية والإذاعية وكل ما له صلة بتنمية حياة الطفولة العربية في هذا الواقع الذي استشرت فيه روح العداء والكراهية إلى حد لا نجهل نتائجه المستقبلية.


كاتب من العراق مقيم في بغداد