احكِ لصغارك حكاية شعبية

كنا صغارا، وكنا نتحلق حول خالتي بعد العشاء لتحكي لنا عن السندريلا العمانية التي شحذت أخواتها أقدامهن بالسكين ليلائمهن الحذاء السحري، وعن نبوءة النبي سليمان للطير العجيب، وعن قلب الأم الذي خرج من جسدها ودق الباب لإنقاذ طفلها، وعن البنت التي تنكرت في زيّ كلبة هروبا من السحرة، ولما كبرت اكتشفت أن ما كان يسحرني في هذه الحكايات ليس بعدها الغرائبي وحسب، وإنما أيضا إيقاعها اللغوي المنغم.

الجديد  جوخة الحارثي [نُشر في 01/07/2017، العدد: 30، ص(94)]

لوحة: محمد عرابي
تعالت أصوات كثر للتحذير من تقديم الحكايات الشعبية للطفل باعتبارها مليئة بالعنف والإشارات الجنسية ولا تلائم العصر، ولكن من الضروري التمييز بدقة بين مدى استهداف الحكاية الشعبية للأطفال ومدى ملاءئمتها لهم، فالحكايات الشعبية ليست موجهة أساسا للأطفال، لكنها تنوقلت -جيلا بعد آخر- عن طريق النساء في البيوت ولا شك في أن الأطفال كانوا من المتلقين الرئيسيين لها، وإن لم يكونوا المتلقين الوحيدين، أو الجمهور المستهدف بالضرورة.

وهكذا نجد الأخوين جريم يطلقان على كتابهما الذي جمعا فيه القصص الشعبية ونشراه للمرة الأولى عام 1812 عنوان “حكايات البيوت والأطفال”، فالأسرة هي أهم عامل في نقل الحكايات الشعبية إلى الطفل.

الحكاية الشعبية في غاية الغنى وهي تفتح الآفاق وتوسع الخيال، وحرمان الأطفال المعاصرين من هذا الثراء هو حرمان من جزء أصيل من تراثهم. في معظمِ الحكايات الشعبية تشتركُ الحيواناتُ مع البشر في دفعِ أحداث الحكاية، وتغيير مصائرِ أبطالها، بل إن الشخصيات المانحةَ ذوات القدراتِ الخارقة تكون من الحيوانات مثل الثعبان في قصةِ البنت والثعبان، والسمكة والديك المتكلم والحصان في سندريلا العمانية، والبقرة في قصة بقرة اليتامى، والأحصنة والطيور والنمل في قصة الطحان.

ولكن على الرغمِ من وجودِ هذه الحيوانات السحرية والكائناتِ الأخرى في هذه القصص، فإنه من غير الدقيقِ أن نقول بأنها تغرقُ الطفلَ في عالم عفا عليه الزمنُ من السحر والجان والتنانين، إذ يجب أن نتبيَّن أن أبطالَ الحكايات الشعبية هم البشر أساسا، وغالبا الصبية والفتيات الصغيرات، وهؤلاء يقدمون تجربَة الوجودِ البشري حين يُواجَه هذا الوجودُ بالتهديد والتحدي، وما الجنياتُ والحيواناتُ الناطقةُ سوى شخصياتٍ مساعدة لوصول الأبطال من البشر إلى حظهم من الإنسانية.

يوضح تولكين أن حكايات الجنيات لا تحتوي فقط على الأقزام والجنيات والسحرة والعمالقة والتنانين؛ إنها تحتوي كذلك البحار والشمس والقمر الطعام والشراب، ونحن البشر الفانين.

معظم الحكايات الجيدة تكون عن مغامرات الناس في عالم محفوف بالمخاطر.. فلا تعتمد أيّ حكاية على رواية تاريخية للأقزام نفسها مثلا، بل على رؤية خاصة للممالك المثيرة والمليئة بالمغامرة، وأحد خواص هذه الحكايا أنها غير قابلة للوصف والاصطياد في شبكة الكلمات.

فهذه الطبيعةُ اللاواقعية أو السحرية للحكايات هي ما يحثّ خيالَ الطفل، ويساعده على تنميةِ قدرته الذاتيةِ في التخيل، فالحكايةُ الشعبية لا تستند بشكل واضح إلى العالم الخارجي بالرغم من أنها تبدأ أحيانا بشكل واقعي منسوجٍ من الأحداث اليومية.

ومن المعروف أن الخيال -حين يتم إحرازه في الأدب- يقدم الشكل الأكثر صفاء وقوة لهذا الأدب. فإطلاق الخيال لا يعني الافتقار إلى التحكم والنظام، بل يدفع الطفل إلى التفكير واستخدام المهارات العقلية فالتخيل مهارة إنسانية طبيعية، ومن العبث اتهام إذكاء التخيل في الطفل بإبعاده عن العقلانية، فالطفل يتعرف الحقائق ولكنه لا يكون محصورا بما يستطيع فقط أن يراه. ولذلك أرى أن موقف عبد التواب يوسف من هذه القضية غاية في الإجحاف إذ يقول مُستنكرا الخيال في الحكايات الشعبية “ثم يصدّق الأطفال هذه الخزعبلات حين نلقيها في آذانهم، ما جدواها وهم يكذبونها ويرونها مختلفة لم تحدث ولن تحدث”[1]، بينما ارتكاز الحكاية الشعبية على الغرابة والسحر هو الجزء الأصيل والجوهري فيها، الطفل يدرك بالضرورة أن الفتاة لا يمكن أن تتزوج ثعبانا ويتحول إلى أمير، ولكن هذا الإدراك بالذات هو الذي يعطي للقصة قيمتها الغرائبية والسحرية. أو كما يقول تولكين “إذا كان الناس لا يستطيعون التفريق بين البشر والضفادع، فإن حكايات الضفادع-الملوك لن تنشأ أساسا”[2].

من ناحية أخرى فإن الحيوانات والطيور “الناطقة” في الحكايات الشعبية تكشف عن رغبة الإنسان في التواصل مع الكائنات الأخرى، ونلاحظ أنه من النادر أن تكون الحيوانات والكائنات الأخرى هي الأبطال في الحكاية، بل هناك البشر الأبطال، والتفاعل قائم بينهم وبين هذه الحيوانات الناطقة.

وفي معظم الحكايات الشعبية يبدأ البطل مغامراته من الواقع، من البيت تحديدا، ثم ما يلبث أن يجتذبه العالم المجهول، يخوض مغامراته ثم يعود إلى الواقع، إلى البيت غالبا، إنها رحلة باتجاه الخارج، باتجاه نمو الوعي.

وإذا اتخذنا قصةَ سندريلا، أو “بديحتي” كما تُعرف في عمان، فإننا نلاحظ تقديمَهَا لجملة من الرسائلِ الخفية المبثوثة في النص، فهذ القصة -مثل معظم القصص الشعبية- تركز على النموِ الذاتي للبطل أو البطلة، وعلى خوضه تجاربَ أليمة في سبيل الوصول إلى النضج والسعادة، ولنتأمل مثلا مسألةَ موت الأم في الحكاية، فموت الأم دالٌ على انفصالِ الفتاة عنها، وعدم تشبّهها بها على الرغم من الصلةِ الروحية بينهما، تلك الصلة المتمثلة في تقمصِ روح الأم ظاهرات طبيعية أخرى ذوات قدرات خارقة، أي أن موتَ الأم يعني انتفاءَ شخصيتها الإنسانيةِ الإيجابية لتحلّ محلَّها شخصيةً غيبية تؤدي دورها تجاه ابنتها. فقد تذهب الأمُّ الإنسان وتبقى روحُها لمساعدة ابنتها، وتفوق قدرات الأم الرّوحُ إمكاناتها الواقعيةَ بكثير، بامتلاكها بعد موتها قدرات سحرية. فالسمكة “البديحة” تساعدُ سندريلا العمانية وتعتني بغذائها ونظافتها كما تصنعُ لها الحظَّ الحسن بلقائها بابن الوالي أو السلطان.

أما سوءُ معاملة زوجةِ الأب لسندريلا فتكون سببا في النهاية لتحقيقِ السعادة للثانية، فهي تتعلم ممّا يُسند إليها من أعمال وتعتمد على قوتها الذاتيةِ التي يرمز لها بمساعدات قوى مانحة من الكائنات التي تعينها. بينما يكون موقفُ زوجةِ الأب المتسامح مع ابنتها ذا أثر سلبي فتعتاد الكسلَ والخمولَ ولا تستمع إلى صوتِ دوافعها الذاتية فينتهي الأمرُ بكارثة.

إن قوى الشر والعنف التي تواجه البطل تجسد الصراع الداخلي الذي يتحتم على الفرد أن ينتصر عليه في سبيل تحقيق ذاتيته وشخصيته المتكاملة، وإن كانت الحكايات الشعبية تبدأ بالفقر والقسوة والموت، فإنها كلها تقريبا تنتهي بالغنى والحبّ والحياة، فهي تقدم العزاء والمواساة والتعاطف، وتكشف للطفل أن الظروف السيئة ليست حتمية ولا دائمة. فجميع الحكايات الشعبية تنتهي نهايات سعيدة، ولولا الشر والعنف في سير الأحداث لما كان للخير والفرح قيمة في نهايتها، هكذا تقدم هذه القصص الأمل للطفل، فهي لا تنكر وجود الألم والقسوة والحزن، بل إن إمكانية هذه الأشياء ضرورية لإمكانية نقيضها.

كما أن هذه الحكايات تقدم صورا للشر والسحر الذي يتحول إلى خير عن طريق الحب الصادق والرعاية؛ ففي حكاية البنت والثعبان يبدو عرض الثعبان للبنت أن تتزوجه شيئا مرعبا، ولكن البنت تثق بروح الخير في هذا الثعبان الناطق، فما تلبث الثقة والمحبة أن تحوّله إلى أمير جميل يغمرها بالحب والهدايا، وكذلك في قصة الأميرة والضفدع فانتصار الأميرة على نفسها وتجاوزها لغرورها ووفاؤها بالوعد يحوّل الضفدع القبيح إلى أمير وسيم.

والخلاصة أن تقديم الحكاية الشعبية للطفل يفتحُ له آفاقَ التعلم بقدر ما يسمحُ به نموه، فهي تخاطب الطفلَ بشكل رمزي ولا تفرضُ واقعا ذا بعدٍ واحد بل تثير خيالَه تاركة له حريةَ الاختيار. إنها تتركُ الطفلَ يستنتج بنفسه ما يجب أن يفعله أو يختاره، وتساعده على تخطي عقبةِ عدم نضجه دون الخضوعِ للبالغين على شكل أوامر ونواه مباشرة.


روائية وأكاديمية من سلطنة عُمان