يعقوب الشاروني دهشة القص

كثير من الكتب والمراجع يمكنها أن تعدد تلك السمات الواجب توافرها فيمن يكتب للطفل، وكثيرة هي الإرشادات التي تُبيِّن أيّ موضوعات تستحق اهتمام كتّاب الأطفال، وتلك الوصايا الموجهة لهم لكي ينتجوا أفضل ما يمكن، إلا أن الحديث مع يعقوب الشاروني أحد رواد هذا اللون الأدبي يمكنه أن يضيف المزيد على وقع تجربة عقود خمسة دأب طيلتها على الكتابة للطفل، وقدّمَ خلالها أكثر من أربعمئة عمل موضوعها الرئيس هو الطفل.

الجديد  حنان‭ ‬عقيل [نُشر في 01/07/2017، العدد: 30، ص(129)]

تعكس أعمال الشاروني شغفًا لا يفارق ذلك الكاتب الثمانيني، الذي فُتِن بالحكاية منذ طفولته فظلت دهشة القص عالقة بحياته مثلما هي حاضرة في كتاباته، ربما تلك الدهشة التي لا تفارقه وذلك الشغف بالمعرفة هو ما جعله دومًا مواكبًا لما يحتاجه كل طفل في أن يترك عنان خياله ليخوض المغامرات ويكتشف الخبايا.

في “موسوعة أعلام الفكر العربي” يحضر وصف لأعمال الكاتب المصري يعقوب الشاروني بأنها “تتميز بالحس الإنساني المرهف وقدرتها على جذب الصغار والكبار لمضمونها المعاصر المتصل بالمواقف الحياتية وما فيها من شخصيات نابضة بالحياة حتى يشعر القارئ بأنه يعرفها، بالإضافة إلى حيوية الحوار الذي يجيد الشاروني إبداعه للتعبير عن حقيقة الشخصيات وتجسيد المواقف”.

كيف احتفظ الشاروني بذلك الطفل في أعماقه طيلة تلك السنوات؟ وكيف نما معه شغف الكتابة للطفل منذ طفولته؟ يسترجع الشاروني في بداية حديثه مع “الجديد” سنوات النشأة وعوامل التكوين، يعود بذاكرته قبل ثمانين عامًا إلى ذلك الطفل الذي ترعرع وسط مناخ يحض على القراءة والتساؤل، وحكايات الجدة التي ظلت عالقة بذهنه حتى ألَّف منها كثيرًا من القصص، والقصص الأولى التي كتبها في مدرسته الابتدائية وتعلقه بالقراءة الذي جعله يقتفي أثر المكتبات أينما وجدت لينهل من المعارف كافة.

ومن الطفولة والمراهقة إلى سنوات الشباب التي قرّر فيها أن يترك عمله بالقضاء ليتفرغ للكتابة ولينال العديد من الجوائز عن أعمال حفرت اسمه بارزًا في مجال أدب الطفل، ورسخت بقوة لذلك اللون الأدبي، ثم لتترسخ خبرته كعميدٍ لأدب الطفل.. “الجديد” حاورت الشاروني في حديث عن راهن أدب الطفل في العالم العربي، والمشاكل التي تعتري ثقافة الكتابة للطفل وسبل إنتاج كتابات أكثر صلة بواقع الأطفال في العالم المعاصر الذي تحاصره التحديات من كل حدب وصوب.

قلم التحرير

الجديد: مؤخرًا صدر لك كتاب بعنوان “سينما الأطفال في مصر والوطن العربي” تعرضت من خلاله لأزمة إغفال الدول العربية لأهمية سينما الأطفال.. إلام تعزو ذلك الإهمال برأيك؟

الشاروني: هناك عدد من المعوقات التي تحول دون إنتاج أفلام عربية موجهة للطفل العربي، ومنها منافسة الإنتاج الأجنبي للإنتاج العربي في مجال أفلام الأطفال؛ فتكلفة الحصول على أفلام الأطفال المستوردة أقل بكثير من تكلفة إنتاج أفلام عربية، وعلى وجه خاص، أفلام الرسوم المتحركة. فضلًا عن قلة الكوادر الفنية العربية القادرة على تقديم أفلام أطفال جيدة؛ فلا يوجد في العالم العربي متخصصون في سينما الأطفال، إلا في مصر، وتحديدًا في مجال الرسوم المتحركة. هذا مع عدم وجود جهات معنية بإعداد الكوادر الفنية القادرة على تقديم أفلام أطفال ذات مستوى فني وتربوي جيد، وقلة الأماكن المخصصة لعرض أفلام الأطفال وصعوبات تسويق أفلام الأطفال العربية.

يستلزم ذلك التعاون والتنسيق بين الدول العربية لإعداد كوادر سينما الأطفال على المستوى العربي، وأن تكون أفلام الأطفال ضمن اتفاقيات التعاون المشترك العربي؛ فانتشار فيلم الطفل بين بلدان الوطن العربي هو أحد السُبل لتكوين رأي عام موحد بين الأطفال، مما يساعد على خلق أجيال تحمل سمات مميزة للشخصية العربية الموحدة، والتي تكون على عِلْم بقضايا بعضها البعض، وبمجريات الأمور في كلّ منها.

أخطار ثقافية

الجديد: كيف كان لذلك الغياب في مقابل حضور للأفلام الغربية تأثيرات سلبية على الطفل العربي؟

الشاروني: هناك أخطار ثقافية وتربوية عدة تحيط بعرض الأفلام الأجنبية على أطفالنا العرب، ما يجعلنا نؤكد على ضرورة قيام صناعة أفلام أطفال عربية لمواجهة احتياجات الأطفال وللحد من الآثار السلبية لعرض أفلام الأطفال الأجنبية على الطفل العربي. فرغم قلة الأفلام التي تم إنتاجها عربيًا إلا أنها عانت من مشاكل كثيرة؛ فلم يتم تقديمها بالأساليب المناسبة للطفل، وافتقدت للمواصفات التربوية التي تجعلها مناسبة للأطفال. لذا فهناك ضرورة تحتم وجود الخبراء التربويين بجوار الفنانين الذين يعملون في مجال إنتاج هذه الأفلام، ولا شك أن هناك نقصًا في العالم العربي في عدد التربويين المتخصصين في تقييم وترشيد أفلام الأطفال.

لا للتسلط

الجديد: بدأت باكرا في الكتابة للطفل، فقد نشرت أول أعمالك عام 1959.. هل يمكن القول بأن القصص التي كُتبت، سواء من قِبلك أو بشكل عام، في وقت سابق للطفل، لم تعد صالحة لطفل هذا اليوم الذي باتت التكنولوجيا هوسه الأول؟

الشاروني: الكتابة للأطفال قبل 1960 كانت تُركز على تأكيد القيم الأخلاقية والدينية والتربوية العامة، مثل الصدق والأمانة والتضحية والإخلاص والتعاون والإيمان، لكنها لم تتناول كثيرًا من القضايا والقيم التي اكتشفنا أهميتها البالغة؛ مثل الاهتمام بسلامة البيئة والحرص على حقوق الطفل مثل الحق في التعلم واللعب وإبداء الرأي، والتنبه إلى حقوق المرأة مثل حقها في التعليم والعمل وتحمل المسؤوليات خارج المنزل، كذلك لم يكن هناك تنبيه لمختلف قضايا الثقافة العلمية، فلم تكن هناك روايات خيال علمي أو أعمال أدبية لها خلفيات علمية، ولم يكن هناك تنبيه إلى قضايا الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، أو الطفل العامل وأطفال الشوارع.

لقد بدأت هذه القضايا تشغل المجتمع، وبالتالي تشغل من يكتبون للأطفال بعد عام 1960 أو حتى بعد 1970. قبل تلك الفترة لا بد أن نحافظ على ما قدمه أدب الأطفال من قيم يحتاجها المجتمع، مع استبعاد ما يتعارض مع ما يجب أن نقدمه حاليًّا للأطفال، مثلاً: لا بد من استبعاد ما يقلل من شأن المرأة، أو ما فيه سخرية من الطفل المعوق، أو ما يؤكد التربية التسلطية التي تقتل الإبداع، أو التي تقاوم التغيير إلى الأفضل في مختلف نواحي الحياة.

قيم الكتابة

الجديد: تكتب للطفل منذ ما يزيد عن خمسة عقود.. هل غيرت من طرق كتابتك للقصة باختلاف المرحلة التي كتبت فيها؟ وعلى أي أسس كان يتم التغيير، إن وجد؟

الشاروني: تنبهت مبكرًا إلى التغيرات الاجتماعية وعالجتها في خلفية عدد كبير من أعمالي، وأعتقد أنها ساهمت في تغيير وتصحيح كثير من توجهات الأطفال والناشئة. لا بد أن أذكر أنه في عام 1980 فازت روايتي “سر الاختفاء العجيب” بجائزة “أفضل كاتب للأطفال” 1979، وكان بطل الرواية صبيّا عمره 12 عامًا مُصابًا بشلل الأطفال في إحدى ساقيه، ومع ذلك استطاع أن يحقق ما لم يقدر عليه الكبار، عندما أنقذ صديقًا له سقط في بئر مقبرة فرعونية مجهولة. إنها قصة فيها الحبكة القوية والتشويق والمغامرة ودقة رسم الشخصيات، لكنها بطبيعة شخصياتها ومكان حدوثها تؤكد قدرات من نطلق عليهم ذوي الاحتياجات الخاصة، كما تؤكد قيم الانتماء للوطن وقيمة الآثار وضرورة المحافظة عليها، كما تقدم لأبناء المدن طبيعة الحياة في الريف، كل هذه قضايا لا نجد لها مكانًا في أدب الرواد قبل 1960 أو حتى قبل 1970.

كذلك فإنه في عام 2014 فازت روايتي “سفن الأشياء الممنوعة” بجائزة الدولة لأدب الأطفال على مستوى الوطن العربي من دولة قطر، وهي رواية خيال علمي. وفي عام 2016 فازت روايتي “ليلة النار” بجائزة المجلس العالمي لكتب الأطفال بسويسرا، وتدور كلها في منطقة عشوائية تكاتف أهلها لمواجهة كارثة احتراق السوق الذي يعتمدون عليه في معيشتهم. وقبل ذلك، كانت لي رواية “كنز جزيرة عروس البحر” المترجمة إلى الإيطالية والتي تدور حول أهمية تنمية القدرات الإبداعية للأطفال، وتبين عدم سلامة التربية التسلطية. كل هذه الموضوعات لم يسبق أن طرقها أدب الأطفال المصري والعربي قبل عام 1970.

هناك أخطار ثقافية وتربوية عدة تحيط بعرض الأفلام الأجنبية على أطفالنا العرب

المساواة بين الجنسين

الجديد: في قصصك الموجهة للطفل، ثمة اهتمام بتصحيح بعض المفاهيم المغلوطة عن أدوار المرأة في المجتمع.. برأيك، كيف يمكن أن يؤسس أدب الطفل لمحاربة التقاليد الاجتماعية البالية؟ وهل هناك سعي راهن لتحقيق ذلك؟

الشاروني: في كتابات الرواد الأوائل لأدب الأطفال العربي تواجهنا بصراحة ووضوح صــورة سلبية للمرأة الخاضعة المستسلمة التي لا رأي لها والتي يقتصر دورها على تلبية طلبات الرجل. ففي قصة “الفأرة البيضاء” لعادل الغضبان نجد القصة تؤكد على الطاعة العمياء باعتبارها فضيلة، كذلك عندما نعود إلى قصة “خسرو شاه” لكامل كيلاني يستوقفنا موقف المرأة الخانعة المستسلمة، وإذا عدنا إلى قصة “جبل العجائب” لنظمي لوقا نجد بطلة القصة فتاة لا تتمنى سوى أن تتزوج الملك.

في الكتب الحديثة والمعاصرة في مجال أدب الأطفال تغيرت إلى حد كبير هذه الصورة السلبية للفتاة والمرأة التي قابلتنا في كتابات الرواد الأوائل، هناك الكثير من القصص التي تركز على قيم إيجابية ودور الفتاة القوية التي تواجه مشاكلها والقادرة على الاختيار. تقدم القصص العربية الحديثة والمعاصرة للأطفال نماذج إنسانية حية لشخصيات من الفتيات والسيدات، إيجابيات، لهن مشاعر وأحاسيس وطموحات، وأدوار في الحياة لا تقل عن أدوار الرجل، وقد استفدن من قدراتهن إلى أقصى درجة لتحقيق نوع من المساواة بين المرأة والرجل.

معرفة الكاتب

الجديد: هناك اتجاه بارز لدى كتاب أدب الطفل نحو تعزيز القيمة المعرفية لدى الأطفال ما قد يراه البعض منفرا للطفل من تلك الكتابات التي تمارس دور المعلم.. هل ترى ذلك الدور إيجابيا أم سلبيا؟ وكيف يمكن تقنينه بشكل لا يفسد العمل الأدبي؟

الشاروني: مع اتساع مجالات المعرفة أصبحت النصيحة تؤكد على أنه “على الكاتب أن يعرف جيدًا ما يريد أن يكتب عنه” وهذا يتطلب أن يجمع المؤلف كل المعلومات التي لها صلة بخلفية الرواية التي يكتبها، سواء تعلقت هذه المعلومات بالمكان أو الزمان أو نماذج الشخصيات أو غير ذلك، لكي يعايش في خياله كل عناصر روايته وكأنه قضى حياته معها فعلاً.

وليس معنى هذا أن يستخدم المؤلف “كل” ما يحصل عليه من معلومات ويضعها في عمله الأدبي، بل يستخدم فقط ما يحتاجه ويكون ضروريًّا لعمله، على أن يدخل في صميم نسيج العمل الفني ولا يكون مُقْحَمًا عليه. لكنه يجب أن يعرف كل ما يمكن معرفته من معلومات تدور حول عمله الذي يكتبه، حتى إذا لم يستخدم إلا عددًا قليلاً من هذه المعلومات.

وعلى المؤلف أن يحاسب نفسه دائمًا لكي لا يضع في عمله الأدبي من المعلومات إلا ما هو مُرتبط ارتباطًا عضويًّا بهذا العمل. وإذا كانت هناك حاجة فنية لإدخال معلومات، فلا بد من إدخالها عن طريق حوار، أو في مقاطع صغيرة سهلة الفهم مختصرة تأتي وسط الأحداث، مع التجنب التام لأن تكون مفروضة على النص.

ولعل هذا هو أحد ملامح الربط بين الانفجار المعرفي والثورة التكنولوجية والعلمية وبين الأدب في السنوات الأخيرة. فإذا حاول المؤلف أن يجعل من روايته مصدرًا للمعلومات فهذا يُخرج العمل فورًا من مجال الفنون الأدبية، ويُدخله في مجال المقال الصحافي أو الدعاية أو كُتب المعلومات.

وفي هذا، فإن جوان آيكن الروائية الإنكليزية التي حصلت على عدد من أكبر الجوائز في أدب الأطفال، من أهمها جائزة الغارديان عن مُجمل أعمالها عام 1969، تقول “أعتقد أنه يجب تجنب الرسالة الأخلاقية الصريحة مثل تجنب الطاعون، سواء كنت تخاطب صغار الأطفال أو من هم في الثانية عشرة من عمرهم أو المراهقين، لن يشكرك أيّ منهم لأنك اغتصبت وظائف الآباء أو المدرسين الذين مِن وظيفتهم غرس المسؤوليات الأخلاقية والاجتماعية في الأذهان، فمن المفترض أن تكون الكتب من أجل المتعة”.

مضمون الكتابة

الجديد: ثمة منظومة قيمية لكل كاتب تظهر بشكل أو بآخر في عمله ويسعى لعرضها من خلال توجهه للطفل، وهو ما قد يساهم بشكل فعال في توجيه الطفل وتشكيل سلوكه.. هل هذا يستدعي إعادة النظر من قبل تربويين ومتخصصين بخصوص المحتوى المقدم للطفل؟

الشاروني: إننا في حاجة مؤكدة إلى حركة نقدية نشطة تتابع كل ما يصدر من أدب للأطفال، سواء في مجال القصة أو الرواية أو المسرح أو الشعر أو الأغاني أو الرسوم المقدمة للأطفال في كتبهم أو مجالاتهم، وكذلك برامجهم في الإذاعة والتلفزيون، نقاد على دراية عميقة شاملة بأدب الأطفال الموجّه إلى مختلف مراحل العمر، وعلى دراية وثيقة بالقيم التربوية التي يجب ألاّ يسيء إليها الأدب والفنون المقدمة للأطفال، ليس باعتبارها أعمالاً تربوية بل أعمالاً تلتزم بالقيم الأدبية الفنية أولاً قبل كل شيء، لكن لا يجب أن نسيء إلى القيم الأخلاقية والتربوية السليمة والإيجابية.

الخيال المنطلق

الجديد: كثيرًا ما يتردد الحديث حول صعوبة الكتابة للطفل مقارنة بغيرها من الكتابات.. هل تعتقد بذلك؟ ولماذا؟

الشاروني: الكتابة للأطفال بها صعوبات إضافية عن غيرها من الأشكال الإبداعية، تتمثل فيما يفرضه العُمر المتدرج للطفولة، وما تتطلبه كل مرحلة، كاستخدام المحصول اللغوي المفهوم لتلك المرحلة، وكذلك اختيار الموضوعات المناسبة لها، ومراعاة القدرة على الاستيعاب فيما يتعلق بطول العمل وعدد الشخصيات فيه وتناوله عقدة بسيطة أو عدة عقد أكثر تعقيدًا كلما تقدم العمر بالقارئ الصغير.

أدب الأطفال يتطلّب مُراعاة بعض الاعتبارات الخاصة بالإضافة إلى ما يتطلّبه الأدب الناجح بوجه عام، وفق الخصائص النفسية للطفولة، وحسن اختيار المواضيع الملائمة مثل التركيز على قصص الحيوانات للسن الصغيرة، وقصص الخيال للسن المُتوسط، وقصص البطولة للسن الأكبر، مع تجنب الموضوعات غير الملائمة للطفل مثل موضوعات العنف والجنس.

عند الكتابة للأطفال فإن الكاتب يتعامل مع عقول لم تتشبّع إلا بالخيال المُنطلق، وهنا تأتي الصعوبة في التعرّف على أسلوب الأطفال في التخيّل وكيفية إدراكهم للصور والكلمات التي نـُقدِّمها إليهم.

الكلمات والأعمار

الجديد: وما هي اللغة الأفضل في الكتابة للطفل؟ وهل تختلف باختلاف المرحلة العمرية؟

الشاروني: كثير من كتب الأطفال والقصص الموجهة إليهم كتبت بمستوى فوق مستوى الأطفال المكتوب لهم، ومن ثم أصيب الأطفال بالملل وعزفوا عن قراءة القصص، وربما هذا راجع إلى افتقاد كتاب الأطفال لمن يرشدهم إلى المُفردات والتراكيب التي يجب أن يُخاطبوا بها العُمر الذي يوجهون إليه كتاباتهم، فيما تزخر اللغات الأجنبية بقواميس لغوية للأطفال في أعمار مختلفة.

الكتابة للأطفال تقتضي مراعاة الكاتب لبعض الخصائص الأساسية في لغة الطفل العربي حتى يكون ما يكتبه سهلاً ومفهومًا للأطفال، ومنها الاهتمام بالمحسوسات لا المجردات، أما الأفعال والحروف فلا تظهر في لغة الطفل إلا بعد الأسماء المحسوسة. كذلك فإن الكلمات ذات المعاني المُجرّدة مثل الحرية والكرامة لا تعني شيئا بالنسبة لأطفال الصف الأول الابتدائـي، ومن العبث أن تشتمل المادة المقروءة لهم على شيء من ذلك.

يمكن أن نحكي الحكاية الشعبية الواحدة في صياغات مُختلفة، بما يناسب استعداد الأفراد في مختلف مراحل العمر لتقبلها

أيضًا، الطفل بطبيعته توّاق إلى استخدام طاقاته النامية، ولمّا كان المجال الذي يُمكنه أن يستخدم فيه هذه الطاقات محدود لضيق خبراته، فليس أمامه إلا أن يُعيد ما يألفه، ويُكرّره مرة بعد مرة. وتبدو نزعة الطفل إلى حُب التكرار أكثر وضوحًا في التعبير اللغوي. هذا، وللطفل طرائقه الخاصة في الاستفهام والتعجّب والاستغاثـة والأمــر والنهــي والرجاء والعِتاب والتهديد والاستنكار والقـَـسَم، وغير ذلك من المعاني، ولا بد من دراستها والاستفادة بها في أدب الأطفال، حتى يفهم الطفل ما نكتب، ويشغف به.

الجديد: ولماذا تغيب التصنيفات العمرية عن أغلب كتب الأطفال؟

الشاروني: لا يتبنى الناشرون العمر المحدد الذي يتوجه إليه كل كتاب موجه للأطفال لاختلاف المستوى القرائي بين أطفال دولة عربية ودولة عربية أخرى، وكذلك اختلاف المستوى القرائي بين منطقة وأخرى في الوطن الواحد. فمثلاً في مصر نجد أن أبناء العواصم مثل القاهرة والإسكندرية يبدأ التحاقهم بالمدرسة الابتدائية في حوالي السادسة من أعمارهم، بينما في المناطق الريفية وأطراف المدن يبدأ التحاقهم بالمدارس في السابعة أو الثامنة من أعمارهم، وبالتالي يتذبذب المستوى القرائي بين عمر وآخر كلما انتقلوا من صف دراسي إلى آخر.

ولحرص الناشرين على أن يتوجه الكتاب إلى من يستطيع مطالعته، حتى إذا اختلف العمر الزمني للقارئ، فإنهم بخبرتهم لا يكتبون على كتاب الطفل العمر الذي يتوجه إليه الكتاب. إنها إشكالية تتعلق بالواقع التعليمي في العالم العربي، وليست إهمالاً من المؤلف أو الناشر.

التراث الأدبي

الجديد: هل تعتقد بأن هناك حاجة ضرورية في الوقت الراهن للاستمرار في توظيف التراث العربي في الكتابة للطفل؟ أم أن الانطلاق من الواقع الراهن بات أولوية في الكتابة وأكثر جاذبية للطفل؟

الشاروني: لعل أول القضايا التي تواجهنا عند بحث قضية الاستفادة من مادة الحكايات الشعبية في كتابة قصص للأطفال هي مدى التزام كاتب الأطفال بكافة عناصر الحكاية الشعبية، وحقه بل وواجبه أحيانــًا، أن يغير فيها، تحقيقا لأهداف الكتابة للأطفال.

يقول عبدالحميد يونس أستاذ الأدب الشعبي في كتابه “الحكاية الشعبية”، “من خصائص الحكاية الشعبية أنهـا تتسـم بالمرونة، وأن هذه المرونة تجعلها قابلة للتطور، بحيث تُضاف إليها أو يُحذف منها أو تُعدّل عباراتها ومضامينها وعلاقاتها على لسان الراوي الجديد، تبعًا لمزاجه أو موقفه أو ظروف بيئته الاجتماعية”.

لهذا نرى أنه كما كان القاص يراعي وهو يروي قصصه شفاهة مستوى السامعين وبيئتهم واهتماماتهم وما يقبلونه وما يرفضونه، كذلك فإنه عندما نعيد رواية القصص الشعبي للأطفال فإنه من حق كاتب الأطفال أن يفعل ما فعله الراوي الشعبي من قبل، وذلك بأن يراعي الاعتبارات التربوية واهتمامات الأطفال وبيئتهم وقدراتهم على الاستيعاب.

ومن مقتضى هذا أيضا، يمكن أن نحكي الحكاية الشعبية الواحدة في صياغات مُختلفة، بما يناسب استعداد الأفراد في مختلف مراحل العمر لتقبلها، والاستفادة منها في تكوين شخصياتهم وممارسة حياتهم اليومية ومُعايشة القضايا والاهتمامات المُعاصرة.

وكما يقول دير لاين عن كتاب “حكايات الأطفال والبيوت” للأخوين جريم، وذلك في كتابه “الحكاية الخرافية”، “كان يعقوب جريم يطلب دائمًا لحكايته الخرافية أن تكون قدر الإمكان ذات معالم كاملة، وكم كان يودّ لو أنه استطاع أن ينشر الحكايات الخرافية في صورتها الأصلية لو كان ذلك مُيَسَّرًا. ذلك لأنه كثيرًا ما كان يجمع بين أجزاء كثيرة من الحكاية الخرافية، ثم يقارن بعضها ببعض، ويؤلّف بينها في شكل حكاية مكتملة، بعد أن يُسْقِط كلّ ما هو بعيد عن بنيتها العضوية، وبذلك يخلق من الصيغ العديدة غير الكاملة حكاية مكتملة”.

حب القراءة

الجديد: كيف يمكن التأسيس لحب القراءة لدى الطفل العربي؟ وكيف يمكن تأسيس ثقافة مستقبلية له في ظل طغيان ثقافة الصورة والنمط التكنولوجي لانتقال المعلومات؟

الشاروني: كل طفل يمكن أن يصبح قارئًا لا يشبع إذا استمتع في سن مبكرة بالإصغاء إلى من يقرأ له، فالقراءة بصوت مرتفع لصغار الأطفال توقظ خيالهم، وتعمل على نمو مهاراتهم اللغوية، بل تتضمن أكثر من ذلك، فهي تهيئ الأطفال لأن يقضوا مع المربين أوقاتا سعيدة يسودها الحب والمشاركة. الطفل الذي جعلناه يشترك معنا في الاستمتاع بالكتب قبل سن الرابعة، فإنه عندما يذهب إلى روضة الأطفال يكون قد شاهد عشرات الكتب ومئات الرسوم وآلاف الكلمات، وعندئذ لن يجد صعوبات في تعامله مع الكتب والقراءة بعدما أصبح لديه محصول لغويّ يساعده على فهم ما يسمعه، وبذلك يكون أكثر قدرة على الإصغاء والتركيز مع ما يسمع وما هو مطلوب منه، وبتعبير آخر سيكون طفلاً جاهزًا ليقرأ وراغبًا في القراءة.

الأدب المترجم

الجديد: هناك من يرى أن كثيرًا من الأدب المترجم للطفل يمثل اختراقًا ثقافيًّا وتعبيرًا عن أيديولوجية مغايرة للأيديولوجية العربية.. هل تتفق مع هذا الرأي؟ وهل تعتقد بأن المحتوى المترجم المقدم للطفل يجب إعادة التدقيق فيه؟

الشاروني: أصبحنا الآن، في القرن الحادي والعشرين، بالنسبة إلى أدب الأطفال في حاجة إلى اختيار روائع أدب الأطفال في الأدب العالمي لترجمتها إلى اللغة العربية، وإلى الدقة في الاختيار، وإلى أمانة الترجمة في حرص شديد، وجودة العبارة العربية المناسبة للطفل، بحيث تدخل الترجمة في إطار أدب الأطفال كما دخل النص الأصلي في إطار الأدب في لغته الأصلية، وهو ما بدأ فيه، باهتمام كبير، المركز القومي للترجمة التابع لوزارة الثقافة بمصر، وغيره من مراكز الترجمة في العالم العربي.

غياب النقد

الجديد: مع تزايد عدد الكتابات المقدمة للطفل في الوطن العربي.. هل ترى أن النمو الكمي تقابله جودة كيفية؟ وهل هناك اهتمام بنقد الأدب المقدم للطفل؟ ولماذا؟

الشاروني: يأتي على رأس الأولويات الهادفة لتحقيق تلك الجودة الكيفية الاهتمام بتنمية مواهب الأجيال الجديدة من الكتاب في مجال أدب الأطفال وزيادة الخبرة بأساليب تنمية علاقة الأطفال بأدب الأطفال، وذلك يتطلب مناقشات وحوارات حول الأعمال العالمية التي كتبت في مجال أدب الطفل، وتشجيع الكتاب على إعادة صياغتها في شكل أعمال مسرحية أو إذاعية أو تلفزيونية.

تنمية المهارات لدى الكتّاب في مجال أدب الطفل لا يمكن قصره على الدراسة فقط، بل هناك ضرورة لتنمية التذوق للرسوم والإخراج، فضلًا عن ضرورة تنشيط الحركة النقدية لأدب الأطفال التي تعطي صورة واضحة عما يقدم في مجال أدب وقصص الأطفال مع بيان أوجه الخلل أيضًا. فرغم وجود عدد من الأعمال النقدية إلا أنه لا يمكن الزعم بأن الحركة النقدية مواكبة للكمّ الكبير المقدّم من أدب الأطفال في العالم العربي.

الكتاب الإلكتروني

الجديد: هل يمكن الحديث عن أدب إلكتروني للأطفال قادر على إزاحة نظيره الورقي؟ ولماذا؟

الشاروني: أعتقد أنه في العالم العربي لم يحدث الاعتماد بشكل كامل على أجهزة الكمبيوتر في المدارس، ومن ثم أستطيع أن أؤكد أننا لا نستطيع في الوقت الحالي الاعتماد على مثل هذه الأجهزة في عملية التعليم، ولا في عملية القراءة الحرة، إذا قصدنا غالبية أطفالنا.

قبل عشرين سنة، في دول أوروبا وأميركا كانت هناك كتب قليلة جدًا تهدف التوجّه إلى سن ما قبل المدرسة، إذ كانت لدى المسؤولين عن تقديم كتب الأطفال مشكلة في الوصول إلى أفضل الوسائل في تقديم الكتاب لهذه المرحلة العمرية بما يضمن التفاعل مع الكتاب بمختلف الحواس عند الطفل. بعد أن تجاوز المؤلفون والمصممون تلك المشكلة فيما بعد بدأت ثورة حقيقية في تكنولوجيا كُتب صغار الأطفال، وهو ما زاد من الإقبال غير المسبوق على الكُتب الموجّهة لسن ما قبل المدرسة، نتيجة نجاح تلك الكتب من خلال الأساليب والأشكال الجديدة في التعامل مع مُختلف حواس الطفل مُنذ عامه الأول.

لوحة: محمد عرابي

في مواجهة الظلام

الجديد: برأيك.. هل أدب الطفل في العالم العربي قادر على أن يضطلع بدور ما في محاربة انتشار الفكر الغيبي والنكوصي في الدول العربية؟ وكيف يمكنه ذلك؟

الشاروني: كلما شغلنا خيال الطفل وعقله ووقته بالاهتمام بالكتاب والمسرح والشعر والأغنية المناسبة وبالألعاب الرياضية، وبالرحلات والزيارات للمتاحف والمناطق الأثرية والتاريخية والطبيعية، كلما ابتعد عن التفكير الغيبي والنكوصي.

إن الاهتمام بالأنشطة داخل المدرسة، التي لا يجب أن يقل الوقت المخصص لها عن 40 بالمئة من وقت اليوم الدراسي في المرحلة الابتدائية، وسيلة من أهم وسائل حماية الأبناء من أيّ أفكار أو تيارات غير مناسبة أو ضارة.

إن اهتمام المدرسة بتكوين فرق المسرح والموسيقى والألعاب الرياضية وجعل الرحلات جزءًا رئيسيًّا من المنهج المدرسي، والتركيز على دور المكتبة المدرسية وربط ما بها من كتب بالمناهج الدراسية، هي من أولويات وسائل حماية أطفالنا ووضعهم على الطريق السليم والصحيح.

الأطفال يبدعون

الجديد: هل يمكن الحديث عن إمكانية لغوية وتعبيرية وفكرية واستعدادات مجتمعية لجعل الأطفال يسهمون جديا في صناعة ثقافتهم بأنفسهم، أم أن هذا شيء متعذر ولا يجب أن يدخل في تفكيرنا الثقافي؟

الشاروني: ثقافة الأطفال كما تتضمن ما يقدمه الأدباء والفنانون للأطفال فإنها تتضمن أيضًا تحفيز الأطفال على أن يعبّروا عن أنفسهم بمختلف الوسائل، من كتابة وفنون. لكن بينما ما يقدمه الكبار للأطفال من كتب ومجلات ومسرح وأغنية، يتوجه دائمًا إلى جمهور الأطفال المتلقي، فإن ما يقدمه أيّ طفل لا يهدف إلا إلى التعبير عن نفسه، وليس من أهدافه أن يتوجه إلى متلقّ مُفْتَرَض.

لذلك يندر أن نجد أطفالاً يمكن أن يقدموا أدبًا مناسبًا لغيرهم من الأطفال. لكن هذا لا يمنع إقامة مسابقات للأطفال في كتابة القصة أو الشعر أو الرسم، لتنمية قدراتهم في مجال التعبير عن النفس، وهو ما يمهد إلى اكتشاف الموهوبين وتنمية مواهبهم.

استثناءات مغربية

الجديد: هل تظن أن تعلقنا بالتراث الماضي على نحو مرض وفي صور ثابتة هو ما يجعل من ثقافتنا الموجهة إلى الأطفال هي أيضا وعظية ماضوية بعيدة عن الخلق والابتكار ومولدة لشخصيات خاضعة للبعد الأبوي الطاغي في الثقافة العربية؟ وهل هناك استثناءات يمكن تمييزها عن هذا النسيج؟

الشاروني: تعلقنا بالماضي يحدّ من الإبداع بوجه عام، عندما يكون المناخ العام غير مشجع على الإبداع ومثقل بالتراث القديم فهناك مشكلة، لأن الإبداع ليس سوى تقديم شيء جديد مخالف للسائد. التربية التسلطية هي السائدة، ومن ثم فالأسئلة مجهضة دومًا وغير مشروعة. لا نستطيع إنكار أهمية الاهتمام بالقيم التربوية والأخلاقية لكن لا بد من الانتباه للمتغيرات العصرية الراهنة والتقدم العلمي والتكنولوجي وأوجه التغير المجتمعي الراهن.

للأسف كثير من الكتاب لا يقرأون بشكل جيد عما يكتبون عنه ولا يعايشونه بشكل جيد ويعاد اجترار القضايا القديمة دون وجود نظرة خاصة. الاستثناءات قليلة، أعتقد أنه في بلاد المغرب العربي هناك ثمة استثناءات من هذا النسيج، وأزعم أنني أحد هذه الاستثناءات في مصر لاهتمامي بقضايا العصر.

كامل كيلاني

الجديد: في الثقافات الأخرى الموجهة إلى الأطفال هناك علامات قديمة وحديثة؛ أسماء باهرة: الأخوان غريم، هانز كريستيان أندرسون، مارسيل إيميه، وغيرهم. من تنتخب لهذا المصاف في الثقافة العربية الموجهة إلى الأطفال؟

الشاروني: أعتقد أن كامل كيلاني هو الاسم العربي الوحيد الذي أستطيع أن أضعه على مستوى الكتّاب المذكورين في السؤال، فهو معروف على مستوى العالم العربي والأجنبي أيضًا، وله مكانته الكبيرة رغم العيوب التي تحدثت عنها في بعض كتاباته، لقد نجح كيلاني في خلق رأي عام يناصر ما يسمّى بأدب الأطفال.

لا علم لي

الجديد: مؤخرا كتب خلدون الشمعة في مجلة “الجديد” مقالاً مقارناً أثبت فيه أن قصة “الإمبراطور العاري” التي كتبها هانز كريستيان أندرسون هي حكاية مغربية ترجمت إلى الإنكليزية في القرون السالفة وضاع أثرها العربي.. هل لديك فكرة عن شيء مشابه انتقل من الثقافة العربية إلى ثقافة الأطفال في اللغات الأوروبية وغاب أصله العربي؟

الشاروني: هناك عدد من الأعمال الأجنبية التي اعتمدت على أصول عربية مثل “ألف ليلة وليلة” و”كليلة ودمنة”، و”السندباد البحري”. لكن لا علم عندي بأعمال انتقلت للثقافة الأوروبية وضاع أصلها العربي. هناك أعمال لكامل كيلاني ترجمها من الإنكليزية إلى العربية، وأضاف إليها نصائح وحكم مباشرة وتدريبات لغوية، وهنا كانت الإضافة منتقصة من قيمة العمل الأدبي الذي لا يجب أن يكون هدفه الأول هو تعليم اللغة أو توجيه نصائح مباشرة.

الكاتب أولا

الجديد: هل تظن أننا في حاجة إلى عقد ثقافي جديد أو (إعلان ثقافي) موجه إلى صناع ثقافة الأطفال العرب يحميهم من غائلة الوقوع في شرك التطرف والأفكار العنصرية والخرافية عن الآخر؟

الشاروني: المسألة كلها تعتمد على الكاتب وليس على المواثيق الثقافية، إذا لم يعايش الكاتب قضايا عصره بعمق لن يفعل أيّ شيء، لقد أخرجنا العديد من المواثيق الثقافية لكنها كانت غير مُفعّلة وبلا جدوى، ينبغي على الكاتب أن يكون مهمومًا بتلك القضايا. ومن ثم يجب التركيز على تنمية الكاتب وأن يركز اهتمامه على معايشة مشاكل وقضايا مجتمعه والعصر الذي يعيش فيه.