صورة رقيقة من الإسلام في عداء الطائرة الورقية

الجديد  هالة صلاح الدين [نُشر في 01/09/2017، العدد: 32، ص(88)]

نالت رواية “عداء الطائرة الورقية” (2003) للأميركي من أصل أفغاني خالد حسيني شهرة تستحقها عن جدارة بعد أن تُرجمت إلى ستين لغة وبِيع منها ما يزيد على 32 مليون نسخة ثم تحولت إلى فيلم ترشح للأوسكار عام 2007. وأخيراً تخْرج علينا في قالب مسرحي على مسرح بلايهاوس اللندني من إعداد الأميركي ماثيو سبانجلر وإخراج البريطاني جايلز كروفت.

وتُعتبر النسخة المسرحية أفضل عمل مقتبس عن رواية على المسارح اللندنية في عام 2017. وقد كان الطيف المهيمن على البيئة الأفغانية وتراثها هو العازف حنيف خان القارع للطبول والسلطانيات الموسيقية على خشبة المسرح.

يتألف الديكور المتقشف من أعمدة خشبية تظْهر كفناء أفغاني ثم توحي بناطحات سحاب في ولاية نيويورك فيما تتوسط سقف المسرح طائرة ورقية هائلة على شكل مروحة. تنسدل ويتفرق جانباها فنبصر ستارة تحْجب عن أعيننا جريمة نكراء، كذلك تُقوم مقام شاشة عرض تتحكم في الظل والضوء وتُبرز مشاهد تنتمي إلى الثقافتين الأفغانية والأميركية.

سرديات بطولية

في قرار كسول وجَد في المباشَرة، لا التحليل، غايته، التصق النص بمتن الرواية متأثراً برؤاها وتراتبية انعطافاتها بالرغم من صعوبة تحويل أيّ رواية إلى نص مسرحي. ففي لغة مسرحية مقتضبة تلقي بظلالها على نماذج إنسانية واقعية تمتد على نحو ثلاثة عقود وتترامى بين قارتين، يتعذر تغليف السرديات البطولية المخترِقة للقارات في كبسولة تخْنقها خشبة المسرح مكانياً وزمانياً. لذا جاءت مشاهد المسرحية وكأنها منظومة من الأحداث الكرونولوجية التي تنْقل الرواية في أمانة شديدة.

كما أن طبيعة المسرح الحكائية الأقرب إلى الوعظ والتكثيف الزمني الواجب في الفن الدراماتورجي سمحا للمسرحية بأن تكون أخلص للرواية من الفيلم السينمائي بكل ما فيه من مد وتطويل ومؤثرات بصرية تشوِّش على البعد الإنساني. وهو ما يرْجعنا إلى سمة بسيطة الطابع في مسرح يضم راوياً وجمهوراً باعتبارهما علامة على حكي موغل في القدم يتكشف في أعتق صوره بجمل أقرب ما تكون إلى الشعرية.

دوغما الدين

سوف نقف على سمات شكسبيرية في كيفية أسر المسرحية لكل عاطفة بدائية قد نتخيلها على مدى ساعتين وأربعين دقيقة. خداع، خيانة، حب، قتل، تشرد، تيتم، اغتراب، عار، تنمر، تقاليد القبيلة ودوغما الدين، بل وألعاب الطفولة وبراءتها. وكلها اقترنت بأفغانستان المتأرجحة على شفا الحرب. ومهما كان لون بشرتك، سوف تتماهى مع أنسجة ثقافية وشعائرية تتفتق عن أجواء الحرب والأسلمة. والمفارقة أنها لا تُنتج في قاعة عرض أوروبية أيّ أنساق من إجزوتيكية الاستشراق.

تستهل المسرحية بسماء عاجة بالطائرات الورقية بكابول في منتصف السبعينات من القرن العشرين. الخاسر هو من تسقط طائرته، ورغم خسارته قد يجني آخر فوزاً، وهو العداء إليها ليلتقطها قبل الهاوية. نبس الطفلان أمير وحسان بكلماتهما الأولى معاً ولم يفترقا إلا في لحظة الشدة. ينهض بدور أمير ديفيد أحمد باكستاني الأصل بينما يتقمص أندري كوستن دور حسان صديق طفولته.

وفي بطولة الطائرات الورقية يتوقع حسان الخبير في فن الالتقاط طائرة أمير حين تهبط من الأعالي “لتتطهر روحه”. يقول لأمير بنبرة المخْلص، “سأفعلها من أجلك ألف مرة” وهما يلعبان ألعاباً إيمائية في تشبثهما بخيوط الطائرات الوهمية.

الواحد منهما نقيض الآخر. أمير ابن تاجر ثري من قبائل البشتون المتمتعة بامتيازات كاسحة، والآخر خادمه حسان المنتمي إلى أقلية هزارة. نال أمير حظاً من التعليم فيما لم تسعف الحياة حسان بهذا الشرف. وقد كان على حسان أن يخْضع لصديقه الأناني الطافح غلاّ والذي يعلِّمه كذباً أن كلمة “عبيط” تعني “ذكياً”.

خناق ديني وسياسي

ما يفوق فداحة الهوة الاجتماعية بينهما كانت خيانة أمير لحسان عندما يرى المتنمر أسيف -وهو أحد محبي هتلر والقائم بدور متأسلم من طالبان- يغتصبه دون أن يحرك قيد أنملة للدفاع عنه في مشهد بدا لنا غامضاً على استحياء شديد. هل كانت الغيرة تأكل أمير من حسان لمهارته في العدو أم أنه على تمرده انتصر لانتمائه الديني المتأصل ووقع أسيراً للتحامل الطبقي المحْدق به؟

وعلى حلبة تؤطر المضامين النفسية والعرقية لبلد اختبر انقلابات اجتماعية وزلازل سياسية، نستخلص أن اغتصاب طفل ما هو إلا رمز لنهب بلد بأكمله على يد السوفييت. فالمسرحية تتتبع مصير الطفلين حتى عقدهما الرابع بدءاً من الحكم المعتدل نسبياً في السبعينيات من القرن الماضي وعلى امتداد هيمنة طالبان على أفغانستان والشتات الناجم عن حالة الخناق السياسي عقب الاجتياح السوفييتي حين أُرغم أمير وأبوه على الهرب إلى كاليفورنيا ومعاناة الأسرة الصغيرة في “هجرتها المقدسة إلى أرض الحرية”. وبعدها تسِّجل المسرحية بمشاهد مفرطة الصراحة حيوات المسلمين المهاجرين عقب أحداث 11 سبتمبر.

انقلاب على الأعراف

مع ذلك يهضم العرض تيارات الأحداث في باطنه دون ادعاء صحافي إلا أن المؤسف هو اتكال المخرج على شابين بدلاً من طفلين خلال الفصل الأول مما أطاح بواقعية العرض. ففي عصر يقدِّر الواقعية المجردة، يصير هذا التشوش في الأدوار انقلاباً غير حميد على الأعراف الدرامية المتعارف عليها.

وعلى ذكر الإخفاقات، لا تصمد مهمة الراوي ثقيلة الوطأة أمام مونولوجات ملِحة بأسلوب الفلاش-باك يلعن فيها أمير نفسه، مصحوبةً بتعليقات تبْزغ على هامش كل حوار فلا تخلف فرصة لمعاول الإيحاء أن تحْفر خيالاً في النص. ومع أن تكنيك الذاكرة حضَر ليبث حياة في النوستالجيا والبحث عن الذات، يضيع في الطريق كثيرٌ من التشويق فيما يتعلق بمصير أمير الذي يواجه ذات يوم الموت.

وحين يقرر المؤلف أن يترك الحوار ليتكفل بهواجس الشخصيات، يتطرق إلى علاقة الأب بابنه في إطار من الطموح البطريركي الذي لا يلقى إلا الإحباط من جانب الأب والتحدي من جانب الابن. لطالما بغض الأب موهبة ابنه الشعرية وشغفه بأبيات القدامى معتبراً إياها دليلاً على الضعف وعدم الرجولة.

براثن طالبان

في النهاية يؤوب أمير إلى أفغانستان شاباً بضمير هصرته المواجع. إنها تيمة أهلكتها الأقلام لا تنْقصها التناصات الأدبية المبتذلة: العودة إلى الوطن من المنفى بعين النقد أو الحنين. ولكن أمير يذهب بقلب ملكوم يُسلِّم بتلقي العقاب أياً كان فيجد خلاصاً بعد عقود من أشباح حامت حول فعلته، “ثمة طريقة لكي نكون صالحين مرة أخرى”. وفي منعطف درامي مبالغ فيه، يكتشف أن حساناً هو في الحقيقة أخوه غير الشقيق بعدما استباح أبوه أمّ حسان.

اللافت للنظر هو أنه بالرغم من الاستقطاب الظاهري المتمثل في انتماء المغتصب لقبائل البشتون، نتقصى في حكمة الأب وبراءة الطفلين نسخةً غاية في الرقة من الإسلام لا نراها عادةً في الأدبيات الأجنبية. فالأب يمنح كل كسرة خبز وكل نتفة لحم إلى الفقراء في عيد الفطر ويتصدى بدافع الإيمان الحق لجندي روسي مصمم على اغتصاب امرأة. ويقول عن طالبان، “فليعاوننا الله إن وقعت أفغانستان بين أيديهم”.

ومع تسلح التاجر بالمفاهيم الليبرالية وعثوره على القيم المدينية ملاذاً قبل أن تستحيل بلده منطقة حرب بالوكالة، يجري على لسانه ما ينتقد شيخ ابنه، “افهم هذا وافهمه الآن. لن تتعلم قط أي شيء ذي قيمة من أولئك البلهاء الملتحين”.

إشارات مطمورة

في تحليل المسرحية لواقعة تختبر شجاعتنا في خضم النكبة، تستشرف حيثيات المستقبل لتُؤذِن بِـالاحتلال الأميركي لأفغانستان في إشارات مطمورة عن العلاقة “المريبة” بين البلدين. لن تستقبل أميركا المهاجرين فحسب، وإنما ستحل هي نفسها ضيفاً ثقيلاً عليهم ذات يوم.

إن حياة واحدة قد تمثِّل تاريخاً مكتملاً في عالم من الفتن الدينية والسياسية. وقد تمكن هذا البورتريه التاريخي من التسلل بأقدام بطيئة من الخاص حيث تنقلب حياة ولدين رأساً على عقب إلى العام الملحمي حينما يطير أحدهما عبر الحدود لينشد حياة اللاجئين بين أحضان الغرباء.

ومع تلخيص “عداء الطائرة الورقية” للجَيَشَان الحربي الذي التهم منطقة موبوءة بالهلاك على مدى ربع قرن، بمقدورنا أن نتلمس في المسرحية بعداً معاصراً لما يعانيه العالم الآن من أزمة إنسانية كبرى ضحيتها هم المهاجرون المقهورون من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.


كاتبة من مصر مقيمة في ليدز