الكتاب والقارئ العربي 'سيلفي'

في أواخر الخمسينات من القرن الماضي زار إسرائيل صاحب ورئيس تحرير مجلة “بليتز″ الهندية ويدعى ر. ك. كارانجيا، وأجرى حديثًا مطولاً مع موشي دايان وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، وشرح دايان للصحافي الهندي أن إسرائيل ستدمر الطائرات العربية في مرابضها بضربة سريعة ثم تصبح السماء ملكًا لها، وتحسم الحرب لصالحها، (وهذا ما حدث بالفعل في يونيو 1967) وحينها تساءل كارانجيا باستغراب “كيف تكشفون خططكم بهذه الطريقة؟”، فردّ عليه دايان ببرود “لا عليك فالعرب لا يقرأون، وإذا قرأوا لا يفهمون، وإذا فهموا لا يطبقون”.

الجديد  أشرف صالح محمد [نُشر في 01/09/2017، العدد: 32، ص(92)]

لوحة: جورج بيلوني
لقد ترعرعت عدة أجيال عربية على هذه العبارة، وعلى شعار “أمة تقرأ لا تقرأ”، وعلى إحصائيات صدّرها لنا الغرب ونقلها لنا الإعلام العربي بمختلف وسائله على أنها من المسلّمات، بدايةً من العربي يقرأ صفحة، وصولاً إلى خرافة نصيب العربي من القراءة ست دقائق على مدار العام. حتى أن النخبة العربية قليل منها مَنْ خرج من هذا التيه، فارتفع صوت طه حسين (1889-1973) “إن القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ”، لم يكن بالطبع يعني أن بغداد لا تنشر ولا تكتب، أو بيروت لا تكتب ولا تقرأ، أو أن القاهرة لا تنشر ولا تقرأ، وإنما كان يعبّر عن التكامل بين الأطراف الثلاثة “الكتابة والنشر والقراءة”، والتكامل بين العواصم الثلاث للثقافة العربية في بلاد نهر النيل وبلاد الشام وبلاد النهرين دجلة والفرات.

الصورة الآن ليست وردية، لكن الإصرار على النظر إلى النصف الفارغ من الكوب يذهب بنا بعيدًا عن المأمول، قد تكون نسب القراءة في الوطن العربي متدنية عن الآخر، لكن بدلاً من العويل، هل بحثنا عن الأسباب داخل المجتمع؟

إن العزوف عن القراءة ظاهرة عالمية لا تقتصر على بلداننا، وربما يظن بعضهم أن قراءة الكتب في البلدان الغربية هي اليوم في أوج ذروتها وازدهارها، وهذا أمر يثير الاستغراب حقًا، وينمّ عن عدم الإحاطة بمدى تراجع قراءة الكتب في تلك البلدان.

صحيح أن الإقبال على قراءة الكتب في الغرب لا يزال كبيرًا، لكنه انخفض كثيرًا منذ ظهور الإنترنت، فالجيل الجديد في كل أنحاء العالم يبحث عن بدائل أخرى للكتاب عبر المدونات والمنتديات ومواقع التواصل الاجتماعي.

إن مؤشر القراءة العربي الذي أطلقته “قمة المعرفة 2016″ بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ليسلط الضوء على واقع القراءة في العالم العربي، وذلك بهدف تحديد المفاهيم الخاصة بالقراءة وقياس الوضع الثقافي العربي على خريطة القراءة ومستويات التنمية الثقافية في المنطقة؛ أوضح أن العرب يقرأون بمتوسط 35 ساعة سنويًا. والحق أن الجيل العربي الجديد لم يعد يقرأ الكتب، إلا نادرًا، لأسباب عدة، في مقدمتها أساليب التعليم والنشأة، ووسائل الإعلام المتعددة، وضيق الوقت، ومشاغل الحياة اليومية، وارتفاع أسعار الكتب، حتى أن ركاب المترو والقطارات في الدول الأوروبية باتوا منشغلين بهواتفهم الذكية أكثر من انشغالهم بقراءة الكتب أو الصحف، كما كان الأمر خلال العقود الماضية، مما يقدم دلائل مخيفة على أن القراءة أصبحت ضحية لضريبة العصر.

صحيح أن القرّاء العرب ازدادوا ولم ينقصوا، ولكن بالنسبة إلى القراءة الجادة فهي قليلة منذ زمن قديم، فالقرّاء الجدد يميلون إلى المواد الخفيفة، وهناك فئة من القرّاء لا سيما الشباب، فبحكم مغريات هذا العصر أصبحت تجذبهم الكتب ذات الطابع الخفيف والمباشر، وأغلبها باللغة العامية، واللهجات المحلية، لأننا نشهد اليوم تراجعًا كبيرًا في الإقبال على اللغة العربية، لأن الطلاب ينشأون على النفور منها، وقد يُقْبِلون بدلاً منها على غيرها من اللغات، وذلك تبعًا لنوعيّات المدارس الابتدائية وطرائق التعليم داخلها في بلداننا العربية، وما يصحُّ على المراحل الابتدائية لا بدَّ له من الانعكاس على المراحل اللاحقة المتوسطة والثانوية والجامعية.

في زمن مضى كُنا نسير في الشوارع فنرى الأرصفة وقد زُينت بالعناوين المتعددة ابتداءً من الشعر إلى القصة والرواية وبعض القواميس وكتب التاريخ والجغرافيا، بل قد نجد في كثير من الأحيان أمهات الكتب مستلقية في ركن ركين جنبًا إلى جنب مع الكتيبات والدوريات، فأين كتابنا العربي الآن؟!

الكتاب قبل أن يصل إلى يد القارئ يمرّ بمراحل عديدة من التأليف إلى الطباعة إلى النشر، أقصد الكتاب المتميّز، فما زالت مشكلات عديدة تواجه صناعة الكتاب في الوطن العربي وتفرض عليه قيودًا كثيرة مثل الرقابة السياسية، والعزوف عن القراءة، والسرقات الأدبية، والكتب الرديئة التي تسيء إلى الكتاب الجيد، وعدم الاهتمام من المؤسسات الثقافية حكومية ومدنية، إلى جانب عدم وجود دار وطنية تُعنى بالنشر وتعمل على تسويق الإبداعات المحلية والتعريف بالكُتَّاب والعمل على ترجمة نتاجهم إلى لغات عالمية، كل هذه العوائق وغيرها تساهم بل تقف حاجزًا أمام صناعة الكتاب.

علينا أن نضع نصب أعيننا أن الحصول على جيل من المثقفين القرَاء في المستقبل القريب (البعيد) يحتاج إلى جهد جهيد، ووضع تنظيم وتخطيط مدروس لتنمية عادة القراءة والمطالعة عند الأطفال، وأن يكون هناك تشجيع دائم لأولياء الأمور على شراء الكتب غير المقرّرة في المناهج، كما يجب أن تكون كتب الأطفال على درجة عالية من الإخراج الجيد والمشوق حتى بالنسبة إلى الكتب المقرّرة في المدارس، فإذا صح الغرس طاب الثمر، فالقراءة المتنوعة والحرّة هي المنقذ من الظلام والظلاميين، وهي التي تشكل وعيًا مستقلاً لمواجهة أصحاب الفكر الأحادي المتطرف.

إن توحيد التشريعات والقوانين العربية المتصلة بشؤون النشر والطباعة والتداول والتسويق سوف يكون خطوة ممتازة من شأنها أن تزيل العقبات التي تعترض طريق الكتاب العربي، فتوحيد الجهود هو السبيل للنهوض بالكتابة والنشر والقراءة، حتى لا يأتي السائح إلى بلداننا ليأخذ “سيلفي” مع الكتاب والقارئ العربي وهما في النزع الأخير


كاتب من مصر