التاريخ بين نقد المُحدّثين ووعي “المؤرخين” المسلمين

استمتعت بقراءة المقال المعنون بـ”نقد الوعي التاريخي لدى المؤرخين المسلمين، قراءة إبستمولوجية” للكاتب القدير أحمد برقاوي في العدد 30 من “الجديد”، والذي تطرق إلى أمر حيوي من جهة موضوعه ومادته. وقد دفعني المقال إلى الإسهام في إيضاح بعض الجوانب المنهجية في كيفية تعاطي علماء المسلمين الأوائل مع “الخبر” بمختلف أشكاله وذلك بشيء من الإيجاز.

الجديد  محمد الشهري [نُشر في 01/09/2017، العدد: 32، ص(96)]

لوحة: زهير حسيب
لقد اهتم المسلمون بالأخبار التاريخية في بداية الإسلام، وميّزوا بين نوعين من الأخبار والروايات التاريخية تلك التي تروى عن النبي عليه السلام وسيرته وما صدر عنه من أحكام وأقوال وأفعال وغير ذلك، وأيضاً الروايات عن الصحابة والخلفاء الراشدين الأربعة، وبين تلك التي تحكي عن تاريخ الشعوب وسير الناس ووقائع تاريخية عامة سواء تلك التي حدثت في أمم سابقة أو بين المسلمين أنفسهم.

ولا شك أن هذا الاهتمام بدأ بتشكيل الوعي التاريخي لدى المسلمين عامة وخاصة العلماء المهتمين بالشريعة وأولئك المهتمين بالسيرة النبوية. وبسبب حوادث وقعت كان لها تأثير على وحدة الصف الإسلامي بعد وفاة الرسول عليه السلام وعلى مصداقية المنقول عنه بدأ المسلمون يهتمون بالرواية عنه ويتشدّدون في عمّن يأخذوا الأخبار، كما أوجدوا معايير عامة يجب انطباقها على الراوي من حيث الصدق والعدالة والضبط (ضبط صدر وكتاب) وعدم الجهالة (جهالة عين أو حال) وغير ذلك، وأخرى تخص كيفية سماع الخبر وكيفية أدائه، وهذا كان أساساً لما سُمّي لاحقاً بعلم الرواية.

وهذا أيضاً أسّس علما خاصاً بالمسلمين وهو علم الأسانيد التي هي الطرق التي وصل عن طريقها الخبر التاريخي نبوياً كان أو عاماً، وكل إسناد مكوّن من عدة أشخاص يبدأ من جامع الأخبار أو مدونها محدّثا بها عن شيخه أو ممّن سمع منه، وشيخه يروي عمّن سمع منه وهكذا كلٌ يروي عمّن سبقه حتى يصل إلى من شهد تلك الواقعة التاريخية سواء كانت في عصر النبوة أو في الفترة الزمنية التي تلته.

والاهتمام بسلسلة ناقلي الخبر والتمييز بينهم ونقدهم بدأ مبكّراً في القرن الأول خاصة بعد مقتل عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وكذلك خروج الخوارج وتكفيرهم لمعاوية وعلي وكثير من الصحابة. وبعد مقتل الحسين كثرت الروايات التاريخية المبنية على التحزب والتعصّب والهوى، فتحرّز كثيرٌ من علماء المسلمين في نقل ما يسمعونه حتى يتثبتوا من موثوقية الأشخاص الرواة.

ولعل هذا هو المقصود بمقولة ابن سيرين (ت. 110هـ) المشهورة “لم يكونوا يسألون عن الإسناد، حتى وقعت الفتنة، قالوا: سمّوا لنا رجالكم…”. فالرواة هم المصدر الوحيد للخبر التاريخي أو الديني آنذاك فالاهتمام بمرويّاتهم والتثبت منها أُعطى أولوية كبرى وخاصة في حال ندرة المكتوب.

وقد مارس علماء أو نقّاد الحديث (المحدّثون) أنواعاً من النقد ليس فقط فيما يخص رجال الأسانيد بل محتوى ما يروونه من أخبار وأجروا عليها بعض المقارنات والتحقيق والتدقيق والسبر، وقاموا بدراسة علل الرواية والأسانيد وما يحيط بها من أوهام وأغاليط وأطلقوا على ذلك عدة مصطلحات ومفاهيم سجلت فيما بعد في مصنفات تهتم بهذا الفن من النقد كمصطلح الحديث، والجرح والتعديل، والتراجم، وهذا سُمّي لاحقاً بعلم الدراية. وبالنسبة إلى التراجم فقد تمت كتابة ترجمة مفصلة أو موجزة لكل راوٍ روى ولو حديثاً واحداً وبلغ ذلك مجلدات عدة وضخمة.

وهذا قد أدهش المستشرق الألماني ألويس شبرنغر في مقدمة تحقيقه لكتاب “الإصابة في أسماء الصحابة” لابن حجر عام 1856 (الطبعة الهندية)، حيث قال “إن مجد المؤلفات الإسلامية يكمن في كتب سير الرواة، فليس هناك أمّة من الأمم السالفة، كما أنه لا يوجد الآن أمّة من الأمم المعاصرة، أتت في علم أسماء الرجال بمثل ما جاء به المسلمون في هذا العلم العظيم الخطير، الذي يتناول أحوال خمسمئة ألف رجل وشؤونهم”.

وبالنسبة إلى علماء الحديث فالاهتمام بالإسناد وروّاته كمصادر تاريخية كان الهدف منه معرفة ممن يوثق بكلامه ويتصف بشروط أداء الأحاديث ومعرفة الضابط والصادق من غيره، ولم يكن اهتماماً بذاته وإنما كان لمصلحة المتن ليكونوا أكثر اطمئنانا وقرباً إلى الحقيقة.

هذا ما كان في جانب الحديث والسيرة النبوية وسير الصحابة، أما ما يتعلق بالروايات التاريخية والسير العامة وقصص العرب فلم يكن هناك التشدد ذاته من قبل المؤرخين في نقد الأسانيد والأخبار كما يفعل المحدثون إلا نادراً، وإن كان تأثر كثير منهم بالمحدثين في طريقة إيرادهم للوقائع التاريخية بأسانيدها.

والتساهل في طريقة نقل المرويّات التاريخية ليس المقصود منه هو السماح بالنقل عمّن اشتهر بالكذب والتزوير أو كثير الخطأ والتحريف فيما ينقل، ولكن إمكانية إيراد مرويات يشوبها شيء من الوهم والغلط اليسير أو قليل من الضبط، وذلك من أجل تعضيد مرويات ثابتة أو مشهورة أو تسليط الضوء على تفاصيل أخرى ليست واردة في أخبار أخرى عن واقعة معينة.

لقد كان الهدف الأول للمؤرخين الأوائل في صدر الإسلام هو الجمع والاستقصاء وتدوين كل الأخبار التاريخية المختصة بسيرة النبي عليه السلام وأصحابه وما أعقب عصرهم إلى زمن المؤرخ، ولم يكن التدقيق والضبط في أول الأمر هو المقصد، فمنطقياً لا بد أن يتوفر أكبر قدر ممكن من المرويّات والنقولات عن حدث ما وبعد ذلك تأتي مرحلة النقد والتحقيق.

فمثلاً ابن قيم الجوزية في كتابه “زاد المعاد في هدي خير العباد” والمختص بتفاصيل حياة النبي محمد وأخلاقه وما جرى من حوادث ووقائع في زمنه انتقى ما صحّ لديه ورآه متوافقاً مع المعقول أو المنقول (القرآن وصحيح السنة)، وإن كان لا يخلو كتابه من مرويّات معلولة سنداً ومتناً ولكن حسبه الاجتهاد في ذلك.

وهذه العادة أي قيام المؤرخ بجمع كل الروايات التاريخية من مصادرها المسموعة والمكتوبة وتسجيلها في مؤلف واحد لا تدل على انعدام الوعي النقدي لدى هذا المؤرخ، بل قد يعلم بوجود أشياء مناقضة للعقل والمنطق بل حتى للدين فيما يدوّنه، ولكنه قد يرى أن جمع كل شيء في موضوع واحد هو الأهم تاركاً للقارئ الحكم بنفسه وللباحث الملاحظة والاستنتاج.

ومعرفة مثل هذا الصنيع المنهجي يتم التصريح به أحياناً من قبل المؤرخ نفسه. فمثلاً ابن جرير الطبري الذي أورد الكاتب برقاوي عينات من تاريخه المشهور “تاريخ الأمم والملوك”، ذكر في مقدمة كتابه ما يدلّ على ذلك. يقول “… فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين، مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا، وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدى إلينا …”.

الأساطير والعقل الإسلامي

ذكر الأستاذ برقاوي أن “المؤرخ الإسلامي تعامل مع الأساطير بوصفها وقائع لا يرقى لها الشك، وخاصة حينما يؤرخ المسلم لتاريخ ما قبل الإسلام”. حقيقةً في هذه العبارة نوع من الإجحاف في حق الوعي التاريخي المسلم (خاصة السني).

لا بد عند قياس مدى الوعي التاريخي والنقدي لدى المؤرخين المسلمين القيام بمحاولة استكشاف مناهج البحث والتدوين لديهم في كتبهم أولاً والتي بدورها سوف تقودنا إلى معرفة منهجية علم التاريخ عند المسلمين

فالأساطير وتداولها في المجتمع العربي والإسلامي بعد ذلك بدأت في الزوال بين الناس منذ نزول القرآن الذي راح يطوّح بالعقل الذي يؤمن بها، بل إن العربي حتى قبل الإسلام يدرك أن الأسطورة شيء غير موثوق به وليست له مصداقية حتى وإن تردّدت في قصصهم، فقضية أن الأساطير دالة على واقع تاريخي بالنسبة إليهم أمر قد يكون مستبعداً، ودليل ذلك أنه حينما اعترض بعض مشركي قريش على بعض ما جاء به رسول الله أرجعوا ذلك إلى كونها جزءا من الأساطير “وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا، لو نشاء لقلنا مثل هذا، إن هذا إلا أساطير الأولين” (سورة الأنفال، آية 31).

بل إنه عندما تمت ترجمة علوم الأمم السابقة خاصة اليونانية ركزوا على الفلسفات الطبيعية والمنطق والرياضة، واستبعدوا ما امتلأت به كتب التراث والآداب اليونانية والتي لا تنسجم مع الذائقة العربية الإسلامية والتي تعزّزت عبر الوعي القرآني والهدي النبوي.

أما بالنسبة إلى ذكر التاريخ السابق للأمم الغابرة التي قبل الإسلام وتاريخ البشرية منذ آدم فلا يمكن أن يعتبر أن مجرد الكتابة في ذلك دليل الإيمان والتصديق الكامل. فمع إيمان المؤرخين المسلمين بوجود أمم سابقة جاءها أنبياء ورسل كما أخبر به القرآن إلا أن التفاصيل وبعض الوقائع التاريخية التي يحوطها شيء من الخيال وتحفّها الأساطير المذكورة في كتب الأمم الأخرى وخاصة عن المسيحيين واليهود والتي في الغالب تم الاستناد عليها عند البدء في تدوين تاريخ البشرية في كتب التاريخ الإسلامي إنما كان من باب ملء الفراغ التاريخي منذ بداية الوجود البشري إلى مبعث النبي محمد عليه السلام، حيث أن العقل الإسلامي لا يقبل بوجود فراغ في التسلسل التاريخي للبشر ولذلك تمّ الالتفات إلى الإسرائيليات المسطرة في كتب اليهود والنصارى لملئه، وليس أخذه على شكل يقينيات وأنها تمثل واقعاً تاريخياً لا شك فيه، ولكن للاستئناس وسد الفراغ كما أشار الكاتب إلى ذلك بنفسه.

بل إن بعض المؤرخين المسلمين ناقش بعض القصص التلمودية والتي وردت في كتب التاريخ والتفسير وحدّد موقفه النقدي منها. فابن كثير مثلا، وهو مؤرخ ومفسر ومحدث مشهور، قال معلقاً بعد إيراده لبعض القصص الغريبة المروية عن بقرة بني إسرائيل المشهورة “… والظاهر أنها مأخوذة من كتب التراث ولكن لا نصدّق ولا نكذّب فلهذا لا يعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا” وقال عند تفسير سورة (ق) “وقد روى بعض السلف أنهم قالوا (ق) جبل محيط بجميع الأرض يقال له قاف والظاهر لنا ـوالله أعلم- أن هذا من خرافات بني إسرائيل التي أخذت عنهم…”.

أما في كتابه الشهير في التاريخ “البداية والنهاية” فقد خصّص جزءا لنقد الإسرائيليات والأساطير المتداولة عن الأمم السابقة والمدونة في بعض التصانيف التاريخية والدينية ومعياره في ذلك مدى موافقتها أو مخالفتها للنص القرآني والعقل. وقد كان يعرض كثيراً من تلك الخرافات والقصص لبيانها والردّ عليها، كما يدل عليه قوله في كتابه “لولا أنها [أي الأساطير والإسرائيليات] مسطرة في كثير من كتب التفسير وغيرها من التواريخ وأيام الناس، لما تعرضنا لسقطاتها وركاكتها ومخالفتها للمعقول والمنقول” (البداية والنهاية 1/114 و5/96 -97).

قد يميل الكاتب إلى أن القصص القرآني عن الأمم السابقة هو نوع من الأساطير أو الفن الأدبي للتأثير على السامع وقد يميل إلى ذلك بعض المؤرخين العرب المعاصرين، وهذا ليس مجال النقاش، ولكن نقطة ربط الإيمان المطلق بالأساطير عند المؤرخ المسلم -وإن كان هذا غير صحيح بالمجمل كما رأينا- بالوعي الديني فهو نوع من التشويش على الحقيقة.

ولعل من المناسب أن نذكر جهود الباحث العراقي-البريطاني د. لؤي فتوحي في هذا المجال ودراساته حول الشخصيات والقصص التاريخية المذكورة في التوراة والإنجيل والقرآن ومقارنتها ببعضها لمعرفة أيُّها أقرب للحقائق التاريخية متتبعاً بذلك مناهج النقد التاريخي المعاصر وعلم الأركيولوجيا. ولعلّي أشير أيضا إلى مناداة المؤرخ اللبناني أسد رستم (ت. 1965) باستخدام منهج المحدثين في نقدهم للأحاديث النبوية لنقد الروايات التاريخية الإسلامية وغيرها في كتابه “مصطلح التاريخ”.

ويختتم برقاوي مقالته بجزئيّتين حول “الوعي التاريخي والمعقولية” و”الوعي التاريخي في إهاب الوعي الأيديولوجي” وهما أهم وأنفع نقطتين في ظني تم تسليط الضوء عليهما. وأعتبرهما دعوة جادة لعمل مشروع حقيقي لإعادة النظر في التراث التاريخي الإسلامي وتحقيقه، وتبنّي منهجية علمية خالصة لإعادة قراءة السرديات الإسلامية الكبرى لنكون أكثر قربا من الحقيقة التاريخية.

وأختم بأنه لا بد عند قياس مدى الوعي التاريخي والنقدي لدى المؤرخين المسلمين القيام بمحاولة استكشاف مناهج البحث والتدوين لديهم في كتبهم أولاً والتي بدورها سوف تقودنا إلى معرفة منهجية علم التاريخ عند المسلمين.


كاتب وأكاديمي سعودي