المياهُ مُعتمة والغرقى كثيرون

الجديد  علي نوير [نُشر في 01/09/2017، العدد: 32، ص(26)]

لوحة: زهير حسيب
من أجل سيزيف

(1)

سيزيف

أيّها المُكابِر

تمسّكْ بصخرتِكَ جيّداً

اجعلْ منها وسادةَ أيّامِكَ الباقية

لا شيءَ

لا شيءَ هناكَ سوى السَديم،

يُجلّلُهُ أُفُقٌ،

من غُبارٍ قديمٍ،

تُخلّفهُ الأسئلة

(2)

عليكَ أنْ تعرفَ يا صاحبي

أنّ سَفحَكَ غيرُ آمِن

وصخرتَكَ الملعونةَ لا معنى لها

آنَ لَكَ الآن

أنَ تعقدَ آصرةً أخرى معَ الريح

ضَعْ صخرتَكَ تحتَ أيّ شجرةٍ

أو على أيِّ مُنحدَر

كما تضعُ الخاطِئَةُ وليدَها على عَتبَةٍ ما

اتركْ كلَّ شَيءٍ، وأيَّ شيء

تعالَ معي

لترى

أيّ رغبةٍ مَجنونةٍ تدفعُكَ للطيران

ثَمَّةَ دائماً

سفوحٌ أُخرى لم تَطأْها قدماك

وقِممٌ أُخرى لم ترَها عيناك

تعالَ يا صاحبي

ارمِ قِناعَكَ الأخير

أفردْ يديك

انشرْ ساقيكَ هكذا

هكذا مَعَ الريح

لنْ تخسرَ شيئاً

سوى فائضِ الوقت

ولن تسمعَ

سوى رعشةِ النَسغِ الصاعدِ،

وخَفْقِ الأجنحة.

نوح بلا طوفان

ماذا يمكنُ أن يحدثَ بينَ اثنينْ

في هذي الصحراء الممتدّةِ ما بين المائيَنْ؟

ماذا يمكنُ أنْ يحدثَ

لو أنَّ الأوّلَ يحملُ كأساً مُترَعةً

والثاني أعزلَ إلّا من حجرٍ يتلاصفُ بينَ الكفّيَنْ؟

ماذا يحدثُ يا الله؟

خذْ نَعماءكَ وارحمنا

وابحثْ عن أرضٍ أخرى تحميها

خذْ ما شئتَ:

حقولاً، نِفطاً، ذهباً، تُحَفاً، آثاراً،

وأكملْ ألطافكَ خذْ هذيَنِ النهريَنِ

فهما ما عادا نَهريَنْ

وأبونا نوحٌ لا يعرف غيرَهما

من أينَ سيأتي الطوفانْ؟

خذْ ما شِئتْ

واتركْ للناس الليلَ وهذي الصحراء

تأويهم من نَكَدٍ

أو يُحيونَ عليها رقصتَهم

اتركْ للناسِ الرملَ يواري قتلاهم

هذي الأسباخْ

لا ترحم أحداً

والأرضُ بلا رملٍ ما عادتْ أرضاً

يا الله

الرملُّ حضارتنا

منهُّ انبعثَتْ أوّلُ مَنقبَةٍ

للذبحِ وباسمكَ يا الله

باركْ هذي الأمّةَ

أضحى قتلاها عددَ الرملِ

وما من أحدٍ لم يذكر اسمَكَ

حينَ التمعَ النصلُ

يحزُّ الرأسَ

فيشخبُ ما بينَ الكتفيَنْ

يا الله

قتلانا في الجنّةِ أم في النار؟

الأعداءُ-الأخوةُ

والأعداءُ الأعداء

تبارَوا واختلفوا في كلّ زقاقٍ

واتفقوا -جَمعاً- في زَرع شوارعنا حَسَكاً

يقطرُ موتاً

باركهُ السادةُ والأشياخُ

لوحة: حسين جمعان

لتنشرهُ أبعدَ أبعدَ هذي الذؤبانُ وتلكَ الذؤبانْ

خَتموا بالشمعِ الأحمرِ

أحلاماً، ودناناً، وأغانيَ

كنّا خبّأْناها

تحتَ وسائدِ ذاكَ الليلِ وهذا الليل

حتّى اختمرَتْ،

وانبعثَتْ منها ريحُ شواءٍ،

ذابَ الشمعُ الأحمرُ

وانسابتْ كلُّ عفاريتِ الأرضِ

اصطبغتْ جدرانُ مدينتنا

بالأسودِ والأسودِ والأسودْ

يا الله

كم قَرناً يكفي

كي تشرقَ ثانيةً شمسُ الأوطانْ؟

كم قرناً يكفي

كي نغسلَ أرواحاً

يعلوها الصَدأُ الآن؟

يا الله

ثَمّةَ خاتمةٌ أبلغُ من هذي

لو أنّكَ أبقيتَ الآنَ لنا قِطَعاً من ذاك الليلْ

سنةً أخرى أو سنتينْ

لاتّسعتْ كلُّ مقابر هذي الأرضِ

مُسوّرةً بالأسماء الحسنى

ولَهاجرَ مَنْ كانَ عليها

حتّى الأشجارُ ودودُ الأرضِ

ولن يبقى فوقَ التَلِّ سوى “الليثيَن”

لا بأسَ الآنْ

ثَمّةَ أشباهٌ وليوثٌ

يختالونَ كما الريح الصفراء

ولكلِّ فصيلِ ذئابٍ ليثٌ،

يحكمُ باسم اللهِ،

ويسرقُ باسم اللهِ،

وينكحُ باسم اللهِ،

ويذبحُ باسم اللهْ

ويعودُ يُبسملُ

كي يفتحَ مدرسةً، أو مأوىً للأيتامِ ومسجد

يُذكَرُ فيهِ اسمُ الله

ياااااااااااااااالله

المحنةُ أكبرُ من بلدٍ

ياااااااالله

ماذا نصنعُ بالأموات؟

موتى الحربِ وموتى الدَهسْ؟

موتى الروحِ وموتى الحسّ؟

ماذا نصنعُ بالأمواتْ؟

امنحْنا صحراءً أكبر

من أجل جموعِ الآتينْ

امنحْنا وقتاً آخر

نُحصي قتلانا

بينَ الحينِ.. وبينَ الحينْ

امنحْنا رَفشاً ورمالاً

كي ندفنَ موتانا الباقينْ.

في الأماكن العامّة

في الأماكنِ العامّةِ تحديداً

عندما تجدُ أنّ مَقعدَكَ الذي تركتهُ قبلَ قليل

لأمرٍ ما

قد احتلّهُ غيرُك

تكتفي بالصمت

لتغادرَ بعدها، دونَ أنْ تقولَ وَداعاً لأحد

لا لشيءٍ

سوى أنّها أماكنُ عامّة

لا تنتظرُ فيها أحداً

لا ينتظركَ فيها أحدٌ

تماماً كما لو كُنتَ في محطّةٍ نائيةٍ

لا يجمعكَ فيها والآخرين

سوى الصدفةِ لا أكثر

في الأماكنِ العامّةِ تحديداً

ستجدُ يدَكَ عاطلةً عَنِ التلويح

وقلبَكَ فارغاً من الأغاني

في الأماكنِ العامّة

تَعلَّمْ كيفَ تأتي خَفيفاً

وأنْ تبقى كذلك

كي يسهلَ عليكَ تركها

في الأماكنِ العامّةِ

لا تنسَ

ثَمَّةَ ما ينتظرُكَ الآن

في مكانٍ ما، ليسَ بعيداً من هنا

مَعنيّ بهِ أنت

دُونَ سواك.

المياهُ مُعتمةٌ والغرقى كثيرون

أَيُّها البحر

لا جدوى من إغوائي بنشيدكَ اليوميِّ، بأمواهكَ التي تأتي إليَّ

مُحمَّلةً بالقواقعِ، والعُلبِ الفارغةِ، والنذورِ، ورسائلِ الغرقى التي

لم تصل.. ولن…

لا جدوى من إغوائي أيّتها المياهُ الضحلةُ، ما عُدتُ أصلحُ

للرحلاتِ القصيرةِ، أنا ابنُ الصحراءِ الأزليّةِ، لا أُفقَ يحدّني،

أنا ابنُ المياهِ العميقةِ، لا ساحلَ أنتظر، ولا فنارَ أهتدي إليه،

خُذْ هداياك أَيُّها البحر، وارمِ بها بعيداً، لن أحتاجها بعد الآن.

ها هيَ ذي يدي، مازالتْ تُلوّحُ بفسفورها المُشعِّ،

للذينَ سيأتونَ من وراءِ هذا الأفق،

للهابطينَ من تلكَ التلال

أنا الجامحُ كنزوةٍ عابرةٍ، والجارحُ مثلَ شَظيّةٍ طائشةٍ،

أعرفُ كيف أضيءُ في اللحظةِ الحاسمة.

لم أكُ يوماً مِئذنةً لأحد،

ولا عهدَ لي بالهُتافِ أمامَ حَشْد

بَيدَ أنَّ رقبتي مازالتْ طويلةً بما يكفي

كي أرى من وراءِ هذهِ الأكتاف ما لم ترهُ عينان

وثمّةَ احتياطيٌّ هائلٌ من الغناءِ الجميلِ مازالَ مُحتبساً في حُنجرتي.

أَيُّها البحر

ها أنذا أمامك الآن

تركتُ ورائي مُدناً تتقاذفها الأعاصيرُ، وتلتاثُ إليها الطُرق

لم يبقَ منها سوى استغاثاتٍ، صُراخ مكتوم، وآخرَ مدوّ

مازلتُ أسمعهُ مُخترقاً الغُبارَ والرماد

سوى أجسادٍ مُزرقَّةٍ بفعلِ آلاتٍ للتخدير

بُكاءٌ ساخنٌ ومُرٌّ يقاطعهُ على الدوامِ ضحكٌ خليع،

شُرُفاتٌ ومُتّكآتٌ وثيرةٌ تطلُّ على خرائبَ وقُرىً مُغبَرّةٍ،

جدرانٌ وأعمدةٌ من الرُّخامِ، وأُخرى من الصفيح

صولجانٌ هنا عُكّازٌ هناك

سوطٌ هنا ظهورٌ مَحنيّةٌ هناك

صُلبانّ معقوفةٌ هنا منارةٌ مُتداعيةٌ هناك

نِفطٌ هنا مياهٌ آسنةٌ هناك

ساحلٌ ممتدٌ هنا طُرقٌ مُلتويةٌ هناك

أيّها البحر

خُذْ بيدي إلى الأزرقِ البعيد

كن هادئاً

زوارقُ الصيّادينَ لا عهدَ لها بأمواجكَ المُتواثبةِ، بصخبكَ العالي،

ما هِيَ إلّا زوارقَ خشبٍ خاوٍ من بقايا سفينةِ نوح،

نوح الذي لم يتركْ وصيّةً لأحد

سوى حكايةٍ تشظّتْ على ألسنةِ الرواة

أَيُّها البحر

ها هو ذا شراعي الأخير

خُذْ بأطرافهِ الآن

المياهُ مُعتمةٌ والغرقى كثيرون

ولا أحد ينتظرني هنا

وأنتِ أيّتها الغيمةُ اهبطي

لنرى أيّ أرضٍ ستزهرُ قبلَ غيرها

في هذا الربيعِ العدميِّ الأخير.


شاعر من العراق

مقالات أخرى للكاتب:

  • ترميم‭ ‬وجدان‭ ‬الأمة