الإرهاب يطارد حملة الأقلام

الجديد  حسونة المصباحي [نُشر في 01/09/2017، العدد: 32، ص(30)]

لوحة: أحمد كليج
قبل أن يستهدف الجموع البريئة في الفضاءات الاجتماعية، وفي الساحات وفي الشوارع مثلما كان الحال مؤخرا في برلين ونيس ولندن وبرشلونة، كان الإرهاب سواء كان إرهاب دولة أو مؤسسة دينية أو أيديولوجية أو حزبية يسلط عقابه على المفكرين والمبدعين.

وكان سقراط أول ضحية لإرهاب جمهورية أثينا التي لم تستسغ أفكاره الفلسفية فاتهمته بـ”إفساد الشبيبة” وأجبرته على تجرّع السمّ أمام مريديه وأصدقائه.

وكان أوفيد صاحب كتاب

“التحولات” قد تجاوز سنّ الخمسين لما قرر الإمبراطور أوغست نفيه إلى البحر الأسود. وقد رَوّجت سلطات روما آنذاك بأن قرار نفي الشاعر كان بسبب كتابه “فن الحب“. إلاّ أن التهمة الحقيقية ظلت مجهولة. وقد قام أوفيد برفع شيء من اللبس عنها قائلا “لم أقلْ شيئا. ولساني لم يتَلَفّظ بأيّ قذيعة أو شتيمة. وأبدا لم تنطلق من لساني كلمة نابية وسط دخان الشراب. فقط لأن نظراتي شاهدت جريمة، عوقبت. خطئي هو أن لي عينان“.

وفي فترات مختلفة من التاريخ العربي بعد الإسلام استشهد مفكرون وشعراء بسبب أفكارهم وسجنوا وعذبوا ونفوا من أوطانهم وتعرضوا لمظالم أخرى كثيرة

. وكذا كان مصير أعظمهم أمثال الحلاج وابن المقفع وابن رشد والسهروردي وابن خلدون وبشار بن برد الذي مات تحت ضربات السوط.

وفي القرون الوسطى ظهر ما سوف يسمى بـ”محاكم التفتيش“. وقد قامت تلك المحاكم التي أشرف عليها رجال الدين المتشددون المدعومون من حكام طغاة ومستبدون بإنزال أفظع العقوبات على مفكرين وشعراء كانوا معارضين لسلطة الكنيسة المطلقة أو منتقدين لسياسة الأنظمة الحاكمة. وبأمر من محاكم التفتيش وبتحريض منها أحرقت مؤلفات أو منعت من التداول. وفي سجن الباستيل الرهيب زجّ بفلاسفة ومفكرين كبار بسبب أفكارهم التي أغضبت السلطات الدينية والسياسية.

وفي القرن العشرين شهدت مختلف البلدان المتقدمة والمتخلفة الديمقراطية منها والمحكومة بأنظمة فاشية واستبدادية أشكالا من المظالم التي سلطت على مفكّرين وفنانين وكتاب وعلماء بسبب مواقفهم وآرائهم في الدين أو في السياسة أو في غير ذلك من القضايا. ففي ما كان يسمى بالاتحاد السوفييتي أعدم عشرات من كبار المبدعين والمفكرين بسبب عدائهم للنظام الشيوعي وانتقاداتهم لزعماء الكرملين. وكثيرون منهم أرسلوا إلى معسكرات سيبيريا ليعيشوا القمع اليومي، بل ماتوا جوعا وبردا مثلما حدث للشاعر الكبير عوسيب ماندالشتام الذي أرسل إلى هناك بسبب قصيدة هجا فيه ستالين.

وفي بلدان أوروبا الشرقية التي كانت تحكمها أنظمة شيوعية موالية لما كان يسمى بالاتحاد السوفييتي عرف “المثقفون المنشقون” هم أيضا السجون والمنافي والإقصاء.

وكذا كان حال فاتيسلاف هافل الذي سيكون رئيسا لجمهورية تشيكيا بعد انهيار جدار برلين. وعندما أطلق الزعيم الصيني ماو تسي تونغ ما سماه بـ”الثورة الثقافية“ رفع العمال والطلبة الراديكاليون “كتابه الأحمر” وراحوا يقتلون ويسحلون ويعذّبون مثقفين وأكاديميين وعلماء بتهمة “العداء للثورة وللبروليتاريا“. وأفرغ “الخمير الحمر” العاصمة الكمبودية من سكانها مرسلين كبار الأكاديميين والكتاب والفنانين ليقوموا بأعمال مهينة ومذلة في الأرياف. ومن كان يتجرأ على معارضة مثل تلك القرارات كان يعدم في الحين.

وقامت الأنظمة العسكرية التي حكمت بلدان أميركا اللاتينية بخنق الحريات العامة والخاصة مرسلة المئات من المثقفين والكتاب والشعراء إلى السجون أو مجبرة إياهم على الرحيل إلى المنافي.

ولم تسلم البلدان العربية من مختلف أشكال الإرهاب سواء ذلك التي تمارسه الدول أو المؤسسات الدينية أو الحزبية. فسبب كتابيه “في الشعر الجاهلي“ و“مستقبل الثقافة في مصر“ حوكم طه حسين وتمّ فصله من الجامعة ليعيش فترة قاتمة عرف فيها الإقصاء والتهميش والحرمان من لقمة العيش. ولاقى المصريّ الآخر علي عبدالرازق نفس المصير بسبب كتابه “الإسلام وأصول الحكم” الذي طالب فيه بضرورة فصل الدين عن الدولة. ولما أصدر الشيخ عبدالعزيز الثعالبي كتابه “روح التحرر في القرآن” الذي انتصر فيه لحرية المرأة ومحرّضا العرب على ضرورة الانفتاح على الغرب وحضارته للخروج من عصور التخلف والظلمات ثارت ثائرة شيوخ جامع الزيتونة فاتهموه بـ”مخالفة الشرف“ و”الانحراف عن القرآن والسنة“. مع ذلك صمد الشيخ عبدالعزيز الثعالبي الذي كان يحلم بتوحيد أمة المسلمين وظل يدافع عن موقفه باستماتة رغم السجن، ورغم التهديدات الخطيرة التي تلقاها من الرافضين لأفكاره التحررية. وما إن رفع الشابي صوته ليتغنى بـ”تونس الجميلة“ مُستحثّا التونسيين على النهوض ببلادهم حتى انبرى له أشباه الشعراء والمحافظون من داخل جامع الزيتونة ومن خارجه ليهاجموه بشدة، متهمينه هو أيضا بـ”التطاول على المقدسات“ و”الكفر والإلحاد“. وقد ضاعفت تلك الهجومات العنيفة من أوجاع الشاعر الذي كان يعاني منذ الطفولة من مرض القلب ليموت وهو في سن الخامسة والعشرين. وبسبب كتابه “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” الذي نادى فيه بضرورة تحرير المرأة من قيود الماضي نكّل بالطاهر الحداد ليموت هو أيضا وهو في ريعان الشباب.

وخلال السبعينات من القرن الماضي دبرت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية عمليّات اغتيال ذهب ضحيتها مثقفون وكتاب مرموقون أمثال غسان كنفاني ووائل زعيتر ومحمد الهمشري وعزالدين قلق وماجد أبو شرار وآخرون. وفي الثامن عشر من شهر فبراير 1978 قامت منظمة فلسطينية متطرفة بقتل الكاتب المصري الكبير يوسف السباعي الذي كان آنذاك وزيرا للثقافة في نظام أنور السادات. وخلال الحرب الأهلية اللبنانية اغتالت منظمات متطرفة المفكر اللامع مهدي عامل المعروف بأطروحاته الماركسية والعلمانية والذي كان يقول “لستَ مهزوما ما دمت تقاوم“. كما اغتالت المنظمات المتطرفة المفكر الكبير الآخر حسين مروة صاحب كتاب “النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية“. وفي ظروف لا تزال غامضة إلى حدّ هذه الساعة، اغتيل الشاعر السوري كمال خير بك في شوارع بيروت في الخامس من شهر نوفمبر 1980. وفي التسعينات من القرن الماضين حصد إرهاب الجماعات الإسلامية المتطرفة في الجزائر أرواح عشرات من الكتاب والشعراء والصحافيين والجامعيين أمثال الروائي والصحافي الطاهر جاعوت والشاعر يوسف سبتي والمسرحي عبدالقادر علولة والمثقف بختي بن عودة المعروف بميله إلى الفلاسفة الحداثيين.

وفي مصر اغتالت الجماعات الإسلامية المفكر المصري التقدمي فرج فودة في الثامن من شهر يونيو

1992. وفي الثاني من شهر نوفمبر 2004 قام شاب مغربي يدعى محمد بويري يحمل الجنسية الهولندية بإطلاق النار على المخرج ثيو فان كوخ بدعوى أنه أنتج فليما “مسيئا للإسلام“ ثم طعنه في الصدر وقطع رقبته. وفي السابع من شهر يناير 2015 هاجم شبان ملثمون بأسلحة نارية مقر الأسبوعية الفرنسية الساخرة “شارلي إيبدو” وقتلوا صحافيين وكتابا ورسامين يعملون فيها. فعلوا ذلك بدعوى أن الأسبوعية المذكورة دأبت على نشر صور مسيئة للرسول. وفي تصريحاتهم أعلن أولئك الشبان، وهم من أصول مغاربية، أنهم ينتمون إلى تنظيم “القاعدة” الذي أصبح يتزعمه المصري أيمن الظواهري بعد قتل بن لادن. ولا تزال المنظمات الأصولية المتطرفة تخطط لقتل مثقفين وفنانين وكتاب ومفكرين عرب وأجانب بدعوى أنهم “أعداء للإسلام والمسلمين“.


كاتب من تونس