التجارة والعبادة في الإسلام: الدلالات اللغوية

فتح الله باب التوبة أمام عباده لكي يغفر لهم الذنوب والمعاصي التي ارتكبوها. لكن غفران الذنوب لا يأتي مجانا، بل يتطلب ثمنا وجهدا من البشر. وكثيرا ما يكون هذا المقابل ماديا ويتّخذ شكل دفع النقود من قبل المؤمن. وتعتبر الزكاة والصدقات من أهم وسائل التوبة والغفران، كما يؤكد على ذلك القرآن في الآيتين 103 و104 من سورة التوبة “خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ”. هنا تكتسي العلاقة بين الخالق والمخلوق طابعا ماليا واضحا من خلال الربط المباشر بين دفع الزكاة وبين قبول التوبة. ولا يقل هذا الدور التطهيري للزكاة عن أهميتها كأداة لتحقيق التكافل الاجتماعي.

الجديد  ناجح العبيدي [نُشر في 01/09/2017، العدد: 32، ص(102)]

لوحة: عبداللاح عليبي
ضمن هذه العلاقة يوحي النص الديني في كثير من المواضع وكأنّ تكفير الذنوب عمليات بيع وشراء في سوق رائجة تشمل الأرض والسماء معا. مثل هذه الأفكار موجودة أيضا في الأديان الكتابية الأخرى، ولعل أكثر أشكالها ابتذالا هي بيع صكوك الغفران من قبل الكنيسة الكاثوليكية في القرون الوسطى والتي كانت أحد أسباب انطلاق حركة الإصلاح الديني بقيادة مارتن لوثر قبل 500 عام.

لكن تحقيق مبدأ التوبة يحتاج إلى توثيق ورصد للذنوب ووسائل تكفيرها في “حساب” خاص بكل إنسان. مثل هذه الفكرة ترد في عدة نصوص قرآنية ومنها الآيات 19 إلى 26 من سورة الحاقة المكية ” فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26)”.

منْ يقرأ هذه الآيات يتصور نفسه وكأنه يطالع مرجعا في المحاسبة المالية. هنا يتحدث القرآن عن كتابين (أو دفترين) كما هو الحال في مسك الدفاتر المزدوج. وما يتعلمه دارس الاقتصاد عن القواعد العامة للمحاسبة ومنها مبدأ التسجيل المنتظم والدائم لكل العمليات المالية دون استثناء يجده أيضا في الآية 49 من سورة الكهف ” وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا” وبهذا المعنى يستحق الله بالفعل اثنين من أسمائه “الحسنى”، هما الحسيب والمُحصي لأنه يحسب كل شيء ويسجّل كل شاردة وواردة.

وكلاهما من أهم صفات التاجر ورجل الأعمال الناجح. غير أن هذه الصور المعبرة عن المحاسبة بمفهومها المالي (الدنيوي) لم تنفع المسلمين في اكتشاف مبدأ القيد المزدوج الذي شكل نقطة فاصلة في تطور علم الاقتصاد واقتصاد السوق ومهّد للثورة الصناعية، وإنما تركوا هذا الاكتشاف الهام لقس كاثوليكي هو الراهب الإيطالي لوكا باشيولي من مدينة البندقية الذي دخل التاريخ باعتباره أول من قدم عرضا متكاملا عن نظام القيد المزدوج في عام 1494.

تأتي مثل هذه الاستعارات المقتبسة من المحاسبة السائدة في عالم المال والأعمال ضمن ظاهرة أشمل تتمثل في استعمال المصطلحات التجارية في القرآن بطريقة لفتت أنظار الكثير من المؤرخين المسلمين والمستشرقين. وهو ما يؤكد أيضا الأهمية الكبيرة لبحث العلاقة بين النص الديني والنشاط الاقتصادي. ويعتبر المؤرخ وعالم اللغويات الأميركي تشارلز توري أول من قدم بحثا مستقلا في هذا الموضوع عندما دافع في عام 1892 عن رسالة دكتوراه بعنوان “المفاهيم التجارية-الدينية في القرآن” قارن فيها أيضا مع ما ورد في التوراة والإنجيل في هذا الشأن.

كما أثار هذا الموضوع منذ البداية انتباه مفسّري القرآن من المسلمين. غير أن كتب التفسير ركزت على كلمة التجارة والآيات التسع التي وردت فيها ومعنى كلّ منها، ولكن دون أن تعطي اهتماما كافيا لألفاظ أخرى مثل: وفى، جزى، خسرَ، قرضَ، أجرَ، باع، ربحَ، كسب، رزق، وزنَ، كتب، حصى، حسبَ وغيرها.

تتكرر كلمة “حساب” في عشرات الآيات المكية والمدنية بمعانٍ مختلفة. صحيح أن المعنى الأكثر تداولا هو العقاب والثواب والجزاء كما هو وارد في عبارة “الله سريع الحساب” التي تنتهي بها العديد من الآيات. ولكن هذه المفردة تُعبّر في مواضع كثيرة عن معنى مقارب للمحاسبة المالية بمفهومها المعاصر. ومنها مثلا وصف الله بالحسيب في عدة آيات “وكفى بالله حسيبا” والتي فسّرها المفسرون بأنها تعني المحاسب والشاهد والرقيب.

لا توجد خلافات كثيرة حول سبب لجوء القرآن لاستعارة الصور التجارية في سياق الدعاية للدين الجديد، إذ يرى كثيرون بأن القرآن خاطب العرب حينذاك بلغة يفهمونها، لا سيما وأن التجارة كانت محور النشاط الاقتصادي في مكة وكانت من الأشياء التي اعتاد أهل مكة مزاولتها منذ قرون

وكل ذلك يعتبر من وظائف المحاسبة في أيّ مؤسسة اقتصادية في يومنا هذا لأنها لا تكتفي بتسجيل العمليات المالية فقط وإنما تقوم أيضا بحفظ الشهادات (أي السندات) وتوفير البيانات اللازمة للرقابة. كما تتضح العلاقة بين المحاسبة والرقابة في مفهوم ديوان “الحسبة” في الإسلام وموظّفيها الذين يطلق عليه لقب “المُحتسب” والذين يتولون مراقبة التجار والأسواق والأسعار وغيرها.

يرتبط “الحساب” في النص القرآني بمفهوم آخر ذي دلالة اقتصادية ومالية واضحة هو “الإحصاء”. ويستخدم هنا بمعنى العدّ وحصر الأحداث وتسجيلها في كتاب: “وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا” (النبأ، 29) أو “وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا” (الجن، 28). وينطلق النص القرآني من أن الرب لا يستطيع أن يطبّق مبدأ العقاب والثواب بطريقة عادلة دون أن يستند إلى تفاصيل مدوّنة في دفاتر.

مثل هذه الدلالة نجدها أيضا في استعمال لفظ “كتب” الذي يرد في القرآن أيضا بمعنى “وثّقَ” من منطلق الحرص على توثيق الديون والقروض التجارية منعا للنزاع: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ” (البقرة، 282).

ومن اللافت للنظر أن القرآن خصص أطول آية على الإطلاق (الآية رقم 282 من سورة البقرة) ليؤكد على أهمية وجود كاتب عدل لتوثيق عمليات البيع بالآجل في ذلك العهد في مؤشر واضح على تطور القطاع التجاري والائتماني في المجتمع المكّي في فترة نشوء الإسلام. من هنا يمكن تأييد استنتاج المستشرق الأميركي تيري في بحثه المذكور “بأن فكرة محمد عن الله وكما تظهر في القرآن تُعبّر في سماتها الأساسية عن الصورة المثالية والمبجّلة للتاجر المكّي”.

أما أكثر المفردات التجارية انتشارا في القرآن فهو لفظ “الأجر” الذي ورد في أكثر من مائة موضع في القرآن. صحيح أنه يستخدم كثيرا بالمعنى الديني أي الثواب والجزاء في السماء أو بمعنى الصداق (المهر) للزوجة، ولكن حتى هذا التفسير مشتق من المعنى المتعارف عليه للأجر في التعاملات التجارية اليومية، أي المردود المادي مقابل خدمة أو عمل ما.

لهذا تصف الكثير من الآيات الأجر في الآخرة بطريقة تجعل المؤمن يفهم بأن هناك عملية تبادل مادية لا تختلف كثيرا عن عمليات التبادل المألوفة في الدنيا الفانية، وهي في نفس الوقت مجزية ومضمونة النتائج. وبهذا يُطمأن المسلم إلى “َأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ” (آل عمران، 171). وزيادة في التوضيح فإن هذا المردود المنتظر سيُقدم على شكل “سلع″ مادية متداولة حينها وهي في نفس الوقت مغرية بالنسبة إلى مجتمع يعاني شظف العيش: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا (30) أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31)” (الكهف).

كما يتضمن القرآن نصوصا توحي وكأن تفاصيل العلاقة بين الرب والإنسان منذ ولادته وحتى مماته مثبتة في حساب (أو كتاب). مثل هذه العلاقة التي تشبه إلى حد بعيد علاقة العميل بالتاجر أو المدين بالدائن نجدها مثلا في الآيتين 13 و14 من سورة الإسراء “وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا”.

تقوم هذه العلاقة بين الخالق والمخلوق على أساس تجاري صارم حيث تلعب حسابات الربح والخسارة دورا لا يقل شأنا عن دورها في المعاملات التجارية العادية. وبطبيعة الحال فإن النص القرآني يعُد المسلم بالربح ويتوعّد الكافر بالخسارة: “وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ” (آل عمران، 85).

مثل هذه النصوص تجعل من اعتناق الدين ما يشبه صفقة تجارية بين طرفين. وفي إطار هذه الصفقة يمكن للمسلم أن يبيع بضاعته بالآجل على أمل أن يحصل لاحقا على ما يعادلها أو أكثر. لذا تدعو عدة آيات المسلم للإنفاق في “سبيل الله” وتغريه مقابل ذلك بأجر مضاعف: “مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ” (الحديد، 11).

ومن اللافت للنظر هنا أن الله الذي يحرّم على عباده التعامل بالربا، يبيح لنفسه دفع الربا لأنه لا يكتفي بردّ القرض وإنما يدفع أضعاف قيمته. لكن هذه الشبهة لم تمنع البنوك الإسلامية من اعتماد تسمية “القروض الحسنة” والتبشير بها كبديل لما يدعى بالقروض الربوية.

وكما هو حال الميزانية الختامية التي تُظهر النتيجة النهائية (الربح أو الخسارة) في نهاية العام المالي من خلال المقارنة بين كفّتي الأصول والخصوم فإن القرآن أيضا يتحدث عن “وزن”، أي ميزان له كفّتان بحسب الحديث النبوي، ويكون الحكم يوم القيامة: “وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ” (الأعراف 8 و9). هنا يظهر الله وكأنه يوازن بين الحسنات والسيئات مثله مثل التاجر الذي يوازن بين الأرصدة المدينة والدائنة لكل عميل.

من الواضح أن جميع الصور المجازية المتعلقة بالحساب والأجر والربح والخسارة الواردة في القرآن اقتبست من عالم التجارة السائد تلك الأيام. غير أن العلاقة بين التجارة والدين لا تسير في اتجاه واحد وإنما تنطوي على تناقضات. من جهة هناك آيات تحاول أن تجعل من الإيمان بمثابة تجارة رابحة دوما ولن تتعرض للكساد أبدا: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ” (الصف، 10) أو “إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ” (فاطر، 29). هنا تبدو هذه الآيات وكأنها إعلان تجاري يحاول الترويج لمشروع معين أو سلعة معينة عبر مخاطبة عقلية المستهلك وتحفيز رغباته الدفينة.

لا يستبعد أن تغلغل الطابع التجاري إلى النص المقدس للمسلمين وهذا الاختلاط بين الجوانب التجارية والدينية يُسهّل على أحزاب الإسلام السياسي المتاجرة بالدين. فقد اتهم القرآن أصحاب الكتاب من اليهود والمسيحيين في عدة مواضع بالمتاجرة بالإيمان

من جهة أخرى تُحذّر بعض الآيات في سور مدنية من تفضيل التجارة على العبادة: “رِجَالٌ لّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ” (النور، 37) أو “وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا” (الجمعة، 11). هنا يعرض النص المقدس نوعا من المنافسة بين الدنيوي والديني في ظاهرة لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا.

غير أن هذه التحذيرات لا تنتقص من الموقف الإيجابي لمحمد من التجارة والذي تجسّد خصوصا في الإبقاء على الأشهر الحرم وعلى جواز ممارسة التجارة أثناء موسم الحج. ولهذا فرض القرآن على المسلمين الحج إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا “لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ” (الحج، 28)، الأمر الذي يعني عمليا تقديم التجارة على العبادة وبما ينسجم مع مصالح قبيلة قريش باعتبارها المستفيدة الأولى من الكعبة. ويظهر هذا الترابط بين الجانبين في صيغة الدعاء الذي يتكرر منذ قرون لكل حاج “حج مبرور وسعي مشكور وذنب مغفور وتجارة لن تبور”.

توقّف مفسرو القرآن ومنظرو الاقتصاد الإسلامي أمام توظيف القرآن لمزايا التجارة وفوائدها كوسيلة للترغيب في الدين الجديد والدعاية له ولاحظوا في نفس الوقت الإشكاليات التي يثيرها هذا الأسلوب. للخروج من هذا المأزق توصّل الرأي السائد إلى أن القرآن استعمل لفظ التجارة بالمعنى الحقيقي (التجارة بين البشر) وبالمعنى المجازي (التجارة مع الله) وأن لكلا النوعين مقوّماته ورأسماله وأرباحه.

فعندما يقول القرآن “رِجَالٌ لّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ” يقصد النوع الأول، بينما يكون المعني مجازيا عندما يقول “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ”. من دون شك يعكس هذا الموقف نوعا من الحيرة لأن تشبيه العبادة بالتجارة هو انتقاص واضح للجانب الروحي للدين ويشير إلى سطحية وابتذال.

كما أن القول حرفيا أو مجازا بأن الله تاجر يدخل في مساومات وعمليات بيع وشراء مع عباده يحطّ من قدر العقيدة الدينية نفسها. غير أن هذه الاعتراضات لا تقلل من صحة مبدأ التمييز بين المعنى الحرفي والمعنى المجازي للنص المقدس. ولو طبق المجاز في إعادة تأويل النصوص الإشكالية في القرآن مثل الآيات التي تحض على قتل الكفار وتلعن أتباع الديانات الأخرى والتمييز بين الناس بحسب العقيدة والجنس وغيرها، فإن هذا الأسلوب يمكن أن يفتح بابا واسعا أمام محاولات تجديد الخطاب الديني.

في المقابل لا توجد خلافات كثيرة حول سبب لجوء القرآن لاستعارة الصور التجارية في سياق الدعاية للدين الجديد، إذ يرى كثيرون بأن القرآن خاطب العرب حينذاك بلغة يفهمونها، لا سيما وأن التجارة كانت محور النشاط الاقتصادي في مكة وكانت من الأشياء التي اعتاد أهل مكة مزاولتها منذ قرون ويفعلونها عمليا كل يوم في حياتهم. وبالتالي فإن القول بأن المؤمن يُقدّم من خلال أعماله الخيرة قرضا إلى الله وسيستعيده لاحقا على شكل جنات تجري من تحتها الأنهار، لن يكون غريبا على مسامعهم وقد يساعد في تقريب تعاليم الجديد إلى أذهانهم.

وكثيرا ما يشار في هذا الخصوص أيضا إلى حقيقة أن محمد نفسه وعددا من أصحابه المقربين كانوا تجارا ويعرفون مزايا التجارة وأسرارها. وقد لعبت أحداث معينة دورا كبيرا في تطور محمد التاجر ومحمد النبي على حدّ سواء. وتجدر الإشارة هنا إلى سفراته قبل نبوّته إلى الشام بهدف تعلم التجارة. وتتحدث كتب السيرة عن سفرتين على الأقل، الأولى مع عمّه أبي طالب عندما كان طفلا والثانية لصالح التاجرة الثرية خديجة قبل أن يتزوّجها.

وبغض النظر عن الأساطير التي تحيكها كتب السيرة عن هاتين السفرتين، فإن من المؤكد أنهما شكلتا منعطفا هاما في حياته وساهمتا في اكتسابه خبرة عملية في التجارة وفي التعامل مع التجار وكذلك في التعرّف على التعاليم الدينية السائدة عبر لقاء رهبان ورجال دين مسيحيين ويهود في فترة كانت المنطقة تضطرم بتحولات عميقة.

هذا التشابك بين الطابع التجاري والديني يتجسد أيضا في لقب الأمين الذي ينسبه المسلمون لنبيهم محمد والذي يرجعونه لأمانته في التجارة وحرصه على ردّ الأمانات إلى أهلها. وكما اختلطت التجارة بالنبوّة لدى محمد فإن النبي أضفى على الله صفات التاجر الناجح من خلال وصفه بالحسيب والمحصي والرزاق والقابض والرقيب والغني والديان.

ولا يستبعد أن تغلغل الطابع التجاري إلى النص المقدس للمسلمين وهذا الاختلاط بين الجوانب التجارية والدينية يُسهّل على أحزاب الإسلام السياسي المتاجرة بالدين. فقد اتهم القرآن أصحاب الكتاب من اليهود والمسيحيين في عدة مواضع بالمتاجرة بالإيمان: “وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ” (آل عمران، 199). لكن هذه الصفة تنطبق حاليا أكثر على الإسلاميين. وتتجلى المتاجرة بالدين بأشكال عديدة منها الاستغلال السياسي للدين من أجل القفز إلى السلطة والاستغلال الاقتصادي للدين من خلال الترويج لأنشطة معينة بهدف تحقيق الربح السريع بدعوى أنها تتماشى مع الشريعة.

لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه بقوة عند الحديث عن الطابع التجاري للقرآن هو: لماذا لم ينجح الإسلام حتى الآن في إنجاز تجربة متميزة في مجال التنمية الاقتصادية رغم كل هذا الترويج لمزايا التجارة في القرآن، بينما استطاعت الحضارات الأخرى القائمة على التعاليم والقيم المسيحية واليهودية والبوذية ومؤخرا الهندوسية في تقديم نماذجها الخاصة؟ فهل يقف الإسلام عائقا على طريق التنمية والتقدم والحداثة؟ أم أن تعاليم القرآن التجارية التي تحض على الوفاء بالكيل والميزان والالتزام بالعقود والتكافل الاجتماعي والعدالة وتنهي عن أكل المال بالباطل وعن الاحتكار وغيرها يمكن أن تشكل أساسا لنهضة اقتصادية حقيقية في المجتمعات الإسلامية؟

أحد مفاتيح الحل يكمن في الإصلاح الديني. غير أن النجاح في ذلك لا يتطلب تجديد الخطاب الديني فحسب وإنما أيضا إصلاح أنماط التدين السائدة في المجتمع وعلاقتها بالنشاط الاقتصادي. ومن المؤكد أن ذلك لن يتحقق إلا من خلال الإقرار بالطابع التاريخي للقرآن

الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة نظرا لتنوع العوامل والأسباب ولوجود اختلافات كثيرة في تأويل النص المقدس وتفسيره. في هذا الخصوص تمكن الإشارة إلى رأي الشاعر العراقي الشهير معروف الرصافي الوارد في “كتاب الشخصية المحمدية” والذي انتهى من تأليفه في عام 1933. في عدة مواضع من هذا الكتاب يُبرز الشاعر والكاتب الاختلاف الكبير بين القرآن المكي والمدني، وبين سلوك محمد في مكة والمدينة. وفيما يؤكد الرصافي بأن “الدعوة الإسلامية نجحت بالسيف لا بمعجزة القرآن”، يشير أيضا إلى الأهمية الكبيرة التي اكتسبتها غنائم الحرب والجزية في الحياة الاقتصادية للدولة الوليدة.

قبل الرصافي بأكثر من ثلاثين عاما خطرت مثل هذه الفكرة على رائد علم الاجتماع المفكر الألماني ماكس فيبر الذي يعتبر أول من درس العلاقة بين التعاليم والقيم الدينية وبين التطور الرأسمالي وبحث تأثير الدين على السلوك العقلاني داخل المجتمع. صحيح أن الفصل المخصص للإسلام في مؤلفه “علم اجتماع الأديان” مقتضب جدا ولا يزيد عن صفحتين، إلا أن استنتاجاته تستحق الاهتمام.

ويشير فيبر إلى أن تدّيُن محمد في المرحلة المكية الذي كان يتميز بقلة من الأتباع الورعين المؤمنين بفكرة نهاية العالم تحوّل في المدينة إلى دين سيف ودين قتال الأمر الذي ترسّخ أكثر مع دخول زعماء القبائل القوية في الدين الجديد. ويضيف فيبر بأن الجهاد لم يكن يهدف بالدرجة الأولى إلى حمل الناس على اعتناق الدين الجديد وإنما إجبار أتباع الديانات الكتابية الأخرى على “إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون”، كما تنصّ على ذلك صراحة إحدى آيات القتال.

كما يربط فيبر ذلك بأهمية غنائم الحرب التي رفعت خلال فترة قصيرة الصحابة “الورعين” إلى مصاف الطبقة الأكثر ثراءً والأكثر إنفاقا على الحاجات الشخصية والمكانة الاجتماعية. ومما ساعد في ترسيخ هذا السلوك هو أن القرآن والسنة يشجّعان على الإنفاق والبذخ ويحذران من الادخار والتراكم. كل ذلك يتناقض مع معايير وقيم التقشف والزهد والنزعة التطهيرية بالمعنى الأخلاقي والتي يراها ماكس ضرورية لنشوء قيم وأخلاق عمل وانضباط يمكن أن تؤدي إلى سيادة العقلانية الاقتصادية وإلى الانتقال إلى اقتصاد متطور وحديث.

على الرغم من كل الجدل الذي أثاره ماكس فيبر ونظريته القائلة بأن الإسلام يفتقر للعلاقة البناءة بين الأخلاق الدينية من جهة والعقلانية بمفهومها الغربي من جهة أخرى، إلا أن منهج فيبر يمكن أن يساهم في تسليط ضوء جديد على العلاقة بين الدين والاقتصاد في البلدان الإسلامية.

ويرى كثيرون بأن أحد مفاتيح الحل يكمن في الإصلاح الديني. غير أن النجاح في ذلك لا يتطلب تجديد الخطاب الديني فحسب وإنما أيضا إصلاح أنماط التدين السائدة في المجتمع وعلاقتها بالنشاط الاقتصادي. ومن المؤكد أن ذلك لن يتحقق إلا من خلال الإقرار بالطابع التاريخي للقرآن واعتماد أسلوب المجاز في تأويل النص المقدس لكي يتلاءم مع الحياة العصرية.

مثل هذا النهج سيتيح أيضا قراءة جديدة للعلاقة بين التجارة والعبادة في الإسلام وللمفاهيم التجارية الواردة في القرآن بهدف وضع الحياة الاقتصادية في المجتمعات الإسلامية على أسس عقلانية جديدة.


كاتب من العراق