الشعر يتجاوز زمن الرواية

الجديد  محمد الحمامصي [نُشر في 01/09/2017، العدد: 32، ص(116)]

تخطيط: حسين جمعان
منذ أطلت مقولة “زمن الرواية” أو “عصر الرواية” في التسعينات من القرن العشرين على يد الناقد د. جابر عصفور في أحد مقالاته الافتتاحية لمجلة فصول التي كان يرأس تحريرها، ثم عاد إليها بشكل مفصل في كتابه “زمن الرواية” الصادر سنة 1999.

وهي مقولة ليست نقدية عربية أصيلة، وأن مرجعها غربي، روّج إعلاميون ونقاد وناشرون للرواية، مباركين سيلا من الكتابات الروائية مؤلفة ومترجمة لم ينقطع حتى الآن، ليتحوّل المشهد الإبداعي في مصر وبدرجة أقل في بعض الدول العربية مرسخا للرواية والروائيين، فالأمر لم يأت مرة واحدة، والنظر إليه الآن يبدو وكأنه ممنهج، حيث انطلقت في ذات الفترة حملة اتهامات ضد الشعر بدأت بـ”الغموض” وانتهت بـ “الشعر في أزمة”، “تراجع الشعر” و”الشعر لا جمهور له” و”قصيدة النثر ليست قصيدة” و”قصيدة النثر قصيدة مترجمة”.

وفتحت صفحات الجرائد والمجلات لقراءات النقاد والإعلاميين الانطباعية عن الرواية، وأغلقت في وجه نقد الشعر، فضلا عن الدراسات والحوارات التي انتقصت من قدر الشعر وهاجمت تطوره ممثلا في قصيدة النثر وكالت له الاتهامات، ثم دخل رجال الدين كرقباء يفتشون في ضمائر الشعراء ويكفّرون ويرفعون القضايا، وأخيرا جاءت الجوائز العربية للرواية بأموالها الطائلة والتي دفعت دور النشر الكبرى للمضي قدما في رفض نشر الأعمال الشعرية والاكتفاء بنشر الرواية والتنافس على أموال هذه الجوائز، ليتراكم ذلك على الشعر والشعراء تجاهلا وتعتيما.

كلّ من الإعلام والنقد والنشر له مبرراته للتخلي عن الشعر والشعراء، لكنّ هناك مشتركا عاما بينهم ألا وهو البحث عن السهل الذي لا يتطلب أدوات كاللغة والأسلوب والمعرفة الجمالية والفنية والنظريات النقدية والمدارس والتيارات الشعرية، وهو الأمر الذي لا يمكن التعامل مع الشعر به، فالتصدي للكتابة عن الشعر خاصة قصيدتي التفعيلة والنثر، ليس أمرا سهلا ويتطلب إضافة لكل ما سبق من أدوات ذائقة إبداعية، وهذا إن توفر فسوف يواجه بقلة المنابر التي تنشره.

إن التفاصيل حول ما جرى من تجاهل للشعر والشعراء كثيرة جدا، والسؤال الأهم هل تأثرت التجربة الشعرية بهذا فتراجعت، أم واصلت التطوير والتجديد فتقدمت؟

المشهد الآن وعلى الرغم من انتقال الكثير من الشعراء من مختلف الأجيال إلى كتابة الرواية، يؤكد أنها لم تتوقف ولا تزال تعطي سواء في القصيدة الكلاسيكية أو التفعيلية أو النثر، وأن تجربة قصيدة النثر بشكل خاص شكلت ثورة ليست ضد التقليدي السائد من تجارب شعرية ولكن ضد التواطؤ والاستسلام للقمع على اختلاف أشكاله وصوره.

حققت قصيدة النثر في ذلك إضافة وإنجازا ثريا للتجربة الشعرية العربية لا يمكن بحال من الأحوال الانتقاص منها أو الجدل حولها، حيث استطاعت أن تقود تمرّدا ساهم في خلق وعي عميق بالواقع وما يحيط ويتفاعل به من ثورات ترفض الظلم وتنشد العدالة، وعي بالذات في انكساراتها وهزائمها في مواجهة تقلّبات الواقع ومحاولاته لخنق الحرية، كما قدمت نسيجا جماليا وفنيا عانق الوجع الإنساني الذاتي والعام وكثفه لغة وأسلوبا ومخيلة وصورة، وذلك بفضل جرأتها في الانفتاح على مفردات الواقع الذاتي والإنساني المعيش وتماسّها مع أحداثه، ورفضها للسائد والمألوف، واحتوائها لجماليات المدارس والتيارات الشعرية السابقة، وأيضا الفنون الأخرى من سرد وسينما ومسرح وفن تشكيلي.

إن مشهد قصيدة النثر في ضوء هذه الرؤية يضمّ الكثير من الشعراء من مختلف الأجيال، إذا شئنا أن نذكر أسماء فلدينا من جيل سبعينات القرن الماضي شعراء مثل جمال القصاص ومحمد عيد إبراهيم وعبدالمنعم رمضان وشعبان يوسف ومحمد حربي، ومن الأجيال التالية إبراهيم داوود وإيمان مرسال وفاطمة قنديل وفتحي عبدالسميع وأحمد الجويلي وياسر الزيات وأحمد الشهاوي وفارس خضر وجرجس شكري وكريم عبدالسلام وعماد أبوصالح وعماد فؤاد وأحمد المريخي وشريف رزق وعلي عطا وصبحي موسى، وغيرهم هؤلاء وأولئك من الشعراء الذين لا يزالون يشتغلون على قصائدهم وتوسيع دوائر بحثها عن المختلف واحتوائه، مكافحين سوءات واقع يهمش الثقافة ويدفع إلى تشويه بنياتها.

ربما يتحمل النقاد مسؤولية أكثر من غيرهم فيما جرى للشعر من تجاهل وتعتيم، فقد كسل بعضهم وعجزت أدوات بعضهم عن متابعة تطور قصيدة النثر وبحث أغلبهم عن الربح السريع بعد أن فتحت الصحف والمجلات صفحاتها لكتاباتهم الصحفية والانطباعية عن الرواية، وفتحت دور النشر أبوابها لجمع مقالاتهم الصحفية عن الرواية وإصدارها في كتب، وقد انعكس ذلك على الشعر، لكن ذلك لم يدفع الشعراء إلى اليأس والتخلي عن تطوير تجاربهم والانفتاح على التجارب الشعرية العالمية، ورب ضارة نافعة حيث عكف الشعراء على تجاربهم ليثروا التجربة الشعرية العربية، وإذا قدّر للمشهد الشعري الآن أن يجد نقادا أكفاء وإعلاميين ذوي خبرة وثقافة لكشفوا لنا عن مشهد خصب تمثل بعض تجاربه فرادة تتجاوز ما أنجز سابقا في التجربة الشعرية الحديثة.


كاتب من مصر