ساشا

الجديد  ندى إمام عبدالواحد [نُشر في 01/09/2017، العدد: 32، ص(122)]

تخطيط: داؤد حسن داؤد
كانت معتدة بشخصيتها القوية. حجمها الضئيل لم يكن يمنعها من القيام بأعمال شاقة وغريبة، كانت تفهم كل اللغات والكلمات وقد عرِفتُ عنها ذلك فيما بعد.

صداقتنا بدأت يوم أن قابلتها بالطريق تموء بصورة هستيرية كمن تبكى وتولول لفقدان شيء أو لخوف من شيء! ولأني لا أطق أن أرى أيّ كائن ما في ورطة وقفت ونظرت لها بشفقة قائلة: ماذا بك يا جميلتي أأنت جائعة؟ صمتت عن المواء ونظرت إليّ كأنها توافقني الرأي.

نظرت حولي أبحث عن مكان لأشترى لها شيئا تأكله، فوجدت سوبر ماركت صغيراً بالجوار، أسرعت إليه وأحضرت علبة لبن، وقفت تنظر إليّ وأنظر إليها ونبحث معا عن طريقة ما لتشربها بها.

في النهاية اهتدينا إلى طبق بلاستيكي ملقى بجوار الرصيف فأحضرته لها وسكبت لها اللبن فشربت حتى ارتوت وهدأت ثورة جوعها.

حين اطمأنّت أخذت في هدوء تلعق بلسانها يديها وجسدها بألوانهِ الجميلة التي تشبه ألوان قوس قزح، وانصرفت أنا لأكمل طريقي للبيت.

في صبيحة اليوم التالي وأنا أفتح باب شقتي للخروج وجدتها مستلقية أمام الباب في هدوء! لا أخفيكم سرا أصابني الخوف لوهلة قصيرة واندهشت من معرفة القطة لبيتي وشقتي؛ على الرغم من أنني في عمارة مكوّنة من عشرة أدوار أقطن في الخامس منها وأصعد له بالأسانسير!

نظرت إليّ القطة بحنان افتقدته منذ توفيت أمي قبل عامين وتركتني مع أبى المريض بالقلب وأخي الأكبر المشغول بعمله.

انتصبت القطة واقفة أمامي وأخذت تتمسح بأقدامي وتموء بصوت خفيض حنون.. في هذه اللحظة أطلقت عليها أسم ساشا.

ساشا.. أحد الأسماء التي كنت أتمنى أن يسمونني به بدلا من “بشرى” كنت لا أحب اسمي وألعن اللحظة التي جعلت أبى وأمي يختارانه لي دون كل الأسماء الجميلة التي من حولي بالمدرسة، مثل كادي ومايا ويارا ومن ضمنهن ساشا الأميركية الأصل، الجميلة الوجه، الرشيقة القوام.

قلت لها ماذا تريدين يا ساشا وكيف عرفت مكاني؟ جلست أمامي وهي تنظر إليّ بعينيها الزرقاوين مثل عينا ساشا الأميركية وهمهمت بمواء خفيت يعبر عن حبها وامتنانها وحاجتها إليّ.

أسرعت إلى المطبخ وأحضرت لها طبقا صغيراً من الماء وقطعة من الجبن النستو أخذت تلعقها ثم أغلقت الباب وانصرفت.

حين عدت للبيت بعد انتهاء اليوم الدراسي لم أجد ساشا حيث تركتها، لكنى سمعتها بعد مرور حوالي ساعتين تموء بشدة وتخمش الباب بمخالبها.. أسرعت إليها فوجدتها قد أحضرت معها قطة رضيعة وضعتها أمامها، كانت تشبهها تماما. شعرت بورطة كبيرة فماذا سأفعل مع ساشا وقطتها؟ كما أن أبى المريض لن يسمح بوجود أيّ حيوان بالبيت! أنت تضعينني في مأزق يا ساشا! وأنا الآن بالسنة الأخيرة بالمرحلة الثانوية ولديّ مذاكرة مضنية ولا وقت لديّ لرعايتكما.

لم يكن أمامى سوى حل واحد، هو أن أحضر صندوقا صغيرا لساشا ورضيعتها لتناما فيه بجوار الباب وأن أطعمها كل يوم.

لم يمض وقت طويل حتى كبرت الرضيعة وأصبحت تجري وأمها وتصولان وتجولان بين الأدوار، تعبثان بأقاصيص الزرع، فيقلبونها تارة ويمزقان سيقانها تارة أخرى، أو يبعثران الطمي منها وهما يخرجان فضلاتهما بها. وتنامان على المشايات التي أمام الأبواب فيصطدم السكان بهما حين يخرجون من شققهم ويكادون يسقطون على وجوههم.

حمّلني الجيران مسؤولية إزعاج ساشا وصغيرتها لهم وبدأوا في التذمر والشكوى. كنت أهدئ من خاطرهم معللة لهم بأنني لست المسؤولة عن هذا الوضع، وليس بيدي حيلة؛ فأنا لم أحضر القطة بل وجدتها أمام الباب.

كان الجيران ينظرون لساشا ويعنفونها ويهددونها فتنظر لهم بتنمر وتموء بحدة في وجوههم كمن تقول.. افعلوا ما يحلو لكم فلا يهمني أيّ شيء. هل كانت ساشا تتحامى فيّ؟

حتى جاء اليوم الذي صعد فيه لشقتنا ثلاثة من السكان مهددين بأنهم سيقومون بوضع السم للقطة وابنتها ليتخلصوا منهما، وقد أحضروا السم بالفعل وسيقدمونه لهما صباحا في اللبن..

لم أذق طعم النوم حين علمت بهذا التهديد، وظللت أفكر في طريقة للخروج من هذا المأزق الخطير.

في الصباح الباكر وقبل أن يستيقظ الجميع من النوم كنت قد قررت أن آخذ ساشا وصغيرتها في صندوقهما وأقوم بتهريبهما.

ولأول مرة في حياتي أقوم بأخذ مفتاح سيارة والدي دون علمه وأضع بها القطتين وأسير مبتعدة بضع شوارع عن بيتنا.

وضعت القطتان والصندوق في حديقة فيلا صغيرة وأسرعت أركب السيارة وأعود للبيت فإذا بأبي يقابلني بنظرة قاسية كأنها صفعة على وجهي وعتاب مرير على فعلتي الحمقاء المتهورة مما جعلني أنسى ساشا وطفلتها بعد ذلك تماماً.

هدأت الأحوال واطمئن الجيران لعدم وجود القطة وصغيرتها وعادت الأمور لمجاريها وازدهرت الأقاصيص من جديد.

حتى جاء يوم بدأ السكان يشتكون فيه من وجود فئران ملقاة أمام أبوابهم وعادة تكون الفئران على وشك الموت، فئران مازالت تدب فيها الروح رغم عدم استطاعتها الحراك!

ذعر السكان من تلك الحالة ففي كل يوم يوجد فأر أمام باب من الأبواب حتى لم يعد هناك باب في العمارة لم يجد فأراً أمامه.

تحير السكان في ذلك وبدأوا في عمل الاحتياطات اللازمة لصد غزو الفئران واحتضارهم الغريب أمام الأبواب، فمنهم من أحضر مصيدة ووضعها بجوار الباب، ومنهم من اشترى جهازا خاصا لطرد الفئران وغيرهم أخذ يرش السم حول المداخل والمخارج. بل واقتنى البعض قطة لتقوم بمطاردة الفئران لو حدث وتواجدت داخل المنزل. وانتابت العمارة حالة من التوجس والتقزز.

وحدي أنا فقط كنت أعلم أن ساشا هي الفاعل.. نعم هي أخبرتني بذلك حين جاءت يوما أمام بابي وقامت بخمش الباب بمخالبها كعادتها حتى فتحت لها، كانت تضع فأرا صغيرا أمامها مثلما وضعت لي يوما رضيعتها أمام الباب. نظرت في عيني نظرة مؤنبة تلومني فيها على فعلتي القاسية بها وصغيرتها.. ثم انصرفت مسرعة بعد أن أوعزت لي بأنها ستجعل سكان العمارة يندمون.


كاتبة من مصر