العالم يسير بالمقلوب يا عزيزي

(يمكن لأيٍّ كان أن يمثل أدوار هذه الحوارات التافهة. يمكن لكم الاستعانة بعمال مياومين أو مأجورين من الشركات. ربما هذا لن يتحقق في عصرنا الحالي، بل إنه قد يثير الضحك، لأن المعتاد أننا نمقت من لا يعمل. ولكنني متيقن أنها ستنال الإعجاب عندما تمثل في حمامات شعبية، أو في مراكز الشرطة، أو في السجون. وأنا أفضل أن تمثل في السجون لأن السجين لن يخسر شيئا إذا قضى اليوم كله وهو يشاهد مُمَثِّلَيْنِ يتحاوران ويتحدثان عن أشياء تافهة ومنها اللاعمل بالضبط. أنا متيقن أنه سيرى فيها الملاذ. هذا يفسر لِمَ لَمْ تنلْ مسرحية “في انتظار غودو” لبيكيت الشهرة في مسارح الحرية، ونالتها في سجن فيلادلفيا. فهم السجناء أن المسرحية تتحدث عن الحرية المفقودة. مسرحيتنا تسعى إلى أن تُرَغِّبَ الناس في العمل، وإن كانت تتحدث عن اللاعمل).

الجديد  الحسن بنمونة [نُشر في 01/09/2017، العدد: 32، ص(124)]

لوحة: هبة العقاد
(رجلان مقلوبان على رأسيهما في شارع. يبدو الأمر صعب التحقق، إذ كيف يمكن لممثّلين أن يظلا هكذا مدة طويلة. ألا يتعبان؟ ألا يشعران بالإغماء؟ الأمر بسيط للغاية؛ ينبغي لنا الاستعانة بدميتين لرجلين نعلقهما من إصبع القدم إلى الأعلى، ويكون الممثلان الحقيقيان سعيدين بهذين الدورين اللذين لم يجشماهما عناء الوقوف على الرأس. ثمة شجرتان؛ الأولى على اليمين والأخرى على اليسار. ما يهمنا فيهما هو أنهما تكونان صغيرتين وتنموان شيئا فشيئا بأن تصعدا إلى الأعلى لنُفْهِمَ الآخر أن الرجلين عاشا سنوات عديدة وهما مقلوبان على رأسيهما).

الرجل الأول: – يبدو العالم هكذا جميلا.

الرجل الآخر: – عندما لا تعمل طبعا.

الرجل الأول: – آه، عندما لا تعمل ويكون الآخر هو من يعولك.

الرجل الآخر: – وهذا الآخر قد يكون امرأة أو طفلا أو شيخا.

الرجل الأول: – صدقت. هم يعملون لأجلنا نحن الواقفين على رأسينا.

الرجل الآخر: – ألا تشعر بالغيرة من الذين يعملون ليلا ونهارا؟

الرجل الأول: – الغيرة؟ ربما يكون هذا الشعور آخر ما يعلق برأسي. أنا اعتدت على ألا أشعر بالذنب.

الرجل الآخر: – بالنسبة إليّ، أنا أرى أن هذا لا يستدعي أيّ نوع من الشعور.

الرجل الأول: – يلازمني الإحساس عينه. إن كنا لا نحب العمل، فهذا لا يعني أننا لا نحب الحياة.

الرجل الآخر: – أمس قالت لي ابنتي إنني رجل خامل. (يضحكان).

الرجل الأول: – خامل؟ ربما هي لا تدري أن كلمة “خامل” تعني “شغوف بالحياة”.

الرجل الآخر: – قلت لها: ولمَ أنا خامل؟. قالت ساخرة: أتهزأ مني؟ قلت لها: أنا لا أحب العمل لأنه عبودية.

الرجل الأول: – العمل فعلا عبودية. أنا كنت موظفا حكوميا. كنت أملك راتبا وسيارة وبعض الأبّهة المصطنعة، كأن تجلس في مقهى وتضع رجلا على أخرى ثم تثرثر بلغة العظماء. بدا لي أنني صرت عبدا لعملي.

الرجل الآخر: – من صنع العمل؟ هذا الوغد أودّ لو أقتله.

الرجل الأول: – الجشع الإنساني.

الرجل الآخر: – ربما هو الشغف بالأبّهة.

الرجل الأول: – من يدري؟ ربما لو سألنا من لا يعمل لتعرّفنا إلى أجوبة كثيرة بعدد حبات الحصى.

الرجل الآخر: – تروقني ردود أفعالك. هي مسلّية لمن لا يعمل.

الرجل الأول: – على الأقل نحن نمتلك حس الفكاهة والسخرية مما يحدث. الذين يعملون لا يجدون أيّ فرصة ليروّحوا عن أنفسهم بالضحك. (يضحكان).

الرجل الآخر: – لأنك لو كنت عاملا ما انتبهت إلى جمال الزمن. تعود إلى بيتك مرهقا لتنام. لأنك كائن يرهق نفسه بخدمة الآخرين.

الرجل الأول: – الموظفون يموتون بمرض النوم غالبا.

الرجل الآخر: – العمل عبودية فعلا. وعندما يمرضون يعملون لأجل أن يروّحوا عن الأطباء.

الرجل الأول: – لا يدرون أنهم يعملون لأجل الآخرين إلا بعد فوات الأوان؛ بعد أن يعرفوا أنهم يُحتضرون.

الرجل الآخر: – وعندما يعرفون أنهم كانوا مخطئين يودون لو صاروا أحياء بلا عمل.

الرجل الأول: – ليكفّروا عن الذنب الذي ارتكبوه في حق اللاعمل، ولكن يكون الأمر قد فاتهم.

الرجل الآخر: – في أحيان كثيرة يضطر الذين لا يعملون على الرغم من أنهم عمّال إلى قول كلام مؤثر في حق الذين عملوا بتفان طوال حيواتهم.

الرجل الأول: – قد يقولون مثلا: كانوا يضحون لأجل الوطن والشعب. قدموا خدمات لا تقدر بثمن (يضحكان). هم زرعوا وها نحن اليوم نحصد عرق جبينهم (يضحكان).

الرجل الآخر: – أو يقولون مثلا: مثّلوا أدوارا طلائعية في سبيل أن ينتقل مجتمعنا من مرحلة الظلام إلى مرحلة النور. (يضحكان).

الرجل الأول: – أو يقولون: هم قدوة لنا في السراء والضراء. (يضحكان).

الرجل الآخر: – كانوا سذّجا لأنهم عملوا بتفان.

الرجل الأول: – عندما لا تكون عاملا يقدرك الآخرون. يقولون في حقك كلاما رائعا من مثل: هو ثعلب يعرف من أين تؤكل الكتف. هو ذئب يعرف كيف يتصرف في غابة مظلمة.

الرجل الآخر: – وقد يقولون: نعم الرجل اللاعامل. (يضحكان).

الرجل الأول: – دعني أتذكّر حكمة قد يكون سقراط تفوه بها في زمن كان فيه العمل شيئا مقدسا. قال إنك ساعة تحفر حفرة لأجل جلب الماء، أو عندما تحفر حفرة لأجل أن تغرس شتلة، أنت في الواقع تبني زمنك. أنا طبعا صديقي نقلت لك المعنى بأسلوبي. ربما كنت مخطئا ولكنّني عبّرت عن المعنى الذي تفوّه به سقراط قبل قرون عديدة. ربما كان ثملا وهو يصدر ذاك الكلام الغامض، أما من نقل إلينا الخبر فأنا أرى أنه كان عاملا مجدّا، لأنه رهن حياته بملاحقة الأفكار.

الرجل الآخر: – حدث هذا قبل قرون عديدة. ولكن أن يكون اللاعمل عيبا فأنا أعارض سقراطك هذا.

الرجل الأول: – لا بأس. لا بأس. كان العمل آنذاك بالطريقة التي تروقك. أن تعمل أو لا تعمل سيّان. عندما تجوع تدخل الغابة لتصيد وعلا أو غزالا أو أرنبا فتشويه. بإمكانك أن تجمع اللوز أو تجني الموز والعنب البرّي وتضع ذلك كله في حقيبة مصنوعة من القصب الطري.

الرجل الآخر: – اللاعمل ليس عيبا صديقي. أستطيع أن أراهن بحياتي أو لنقل إنني أراهن بشرفي أن اللاعمل عمل مقدس.

الرجل الأول: – لمحت طيف أختك مارا هناك.

الرجل الآخر: – أختي؟ ينبغي لها أن تكون الآن في المعمل تخيط الملابس التي تصدّر إلى أوروبا.

الرجل الأول: – ربما هي اليوم تستمتع بإجازتها.

الرجل الآخر: – ابنة الكلب. صارت معتادة على الكذب على العائلة. أنا في الواقع لا أحب صنفين من الناس؛ الكذّاب والمرابي.

الرجل الأول: – لا تهتم لأمرها. ربما هي ترغب في احتساء قهوة في الشارع العام.

الرجل الآخر: – أتسخر مني أيها الأبله؟

الرجل الأول: – دعنا من عالم النساء، لأن الحديث عنهن لا يجلب إلا التفكير في العداء.

الرجل الآخر: – كلامك ينبئ عن وعي ثاقب تملكه.

الرجل الأول: – دعنا من الحديث عن الوعي واللاوعي، فهذا لا يجلب إلا الحزن، فأنت لو امتلكت وعيا ثاقبا وكنت لا تستطيع حتى أن تعول بدنك فهذا يعني أنك لا شيء في عالم غريب، وإن امتلكت اللاوعي تجد من يكيل لك الاتهامات من قبيل أنت لا تدرك قيمة لحظتك.

الرجل الآخر: – وما معنى أن تدرك قيمة لحظتك؟

الرجل الأول: – يعني ببساطة أنك لا تفقه شيئا في ألاعيب البشر.

الرجل الآخر: – دعنا من الألاعيب والمكائد، فهي لا تترك لك فرصة أن تحدّث نفسك مثلا برويّة، أو تحدّث صديقك الذي يدرك المعنى الحق للصداقة.

الرجل الأول: – في زمن لم يعد يعير بالا للصداقة.

الرجل الآخر: – هذا يجرنا للحديث مرة أخرى عن العمل الذي قيّد الحرية.

الرجل الأول: – لم يترك للإنسان أيّ فرصة للالتفات إلى ذاته.

الرجل الآخر: – لأنه يقضي وقتا طويلا في العمل ينجز وظائف يرى في النهاية أنها بلا معنى.

الرجل الأول: – صار أحدنا يكمل ذات الآخر. هذا ما يدعونه بالصداقة الحقة التي لا تتأثر برياح الألاعيب أو المكائد.

الرجل الآخر: – ربما لو كان شخص ثالث يستمع لحديثنا لقال: هذان الشخصان إما مجنونان أو معتوهان.

الرجل الأول: – فليقل أيضا: ربما هما خاملان أو كسولان أو حديثا العهد بالحياة. (يضحكان).

الرجل الآخر: – وليقل كذلك: ربما هما من علية القوم فلا يجوز لهما أن يعملا، لأن العمل يورث البدن أمراضا مستعصية، أو فليقل: هما ربما يتّكلان على غيرهما. تبا لكم أيها العمال الذين لا يدركون قيمة اللاعمل.

الرجل الأول: – هم طيبون للغاية فلا يَعُونَ أن الآخرين يستغلون السذاجة التي ملأوا بها رؤوسهم. يعملون ثم يتقاعدون، ولا يعون قيمة اللاعمل إلا عندما تقدح أبدانهم شرارة الأمراض.

الرجل الآخر: – يكون الآخرون الذين استغلوا هذه السذاجة الوقحة قد ماتوا أو تقاعدوا هم بدورهم ولكن بأبدان كالفيلة، وحتى إن سأل هؤلاء العمال الذين استغلوا السذاجة التي ملأوا بها رؤوسهم مدة طويلة لِمَ اقترفوا في حقهم هذا الاستغلال، أشاحوا بوجوههم عنهم وقالوا: كان عليكم أن تسألوا هذا السؤال عندما كنا في ساحة العمل، أما اليوم فدعونا ننعم بالراحة.

الرجل الأول: – أولاد الكلاب، لا ترى في قلوبهم أيّ شفقة حتى وهم في أرذل العمر ولكن بأبدان فيلة.

الرجل الآخر: – ولهذا نحن آثرنا ألا نعمل حتى لا يسخر منا الآخرون عندما نشيخ. (يضحكان).

(يدخل المسرح من جهة اليمين ثلاثة أشخاص. هم عمال بلباس شركة ما. يدل اختيار اسم الشركة على العمل المضني الذي يقومون به. يقفون عليهم في شكل مثلث).

الرجل الأول:- هل أنهيتم عملكم أيها السذج؟ تبدون بشعين بالعمل المضني الذي سُلِّطَ عليكم.

العامل الأول: – عملنا ونحن في الطريق إلى البيت لأخذ قسط من الراحة والنوم. سننام طبعا سعداء لأننا أدّينا أعمالنا بجدّ.

الرجل الآخر: – أنا أدعوكم إلى التمرد على ربّ عملكم.

العامل الثاني: – ومن يعول أطفالنا؟

الرجل الآخر: – من يعولهم؟ هذا سؤال وجودي لا يقتضي جوابا. فلنترك هذه المهمة للطبيعة.

العامل الثالث: – وأنت أيها الرجل ألا تعمل؟

الرجل الآخر: – نحن الاثنان لا نعمل. نحن نؤمن بفكرة اللاعمل.

العامل الأول: – هذا يعني أنكما خاملان.

الرجل الأول: – (يضحك) وربما ستقول كذلك هما حديثا العهد بالحياة، أو كسولان أو يتّكلان على الآخرين. وأيّ فائدة في أن تعمل؟ أن يقول فيك صديقك إنه يعمل لأجل أن ينال استحسانا.

الرجل الآخر: – لن تدركوا قيمة اللاعمل إلا عندما تشيخون. لن يتذكر أعمالكم أحد.

الرجل الأول: – أنا متيقن أنكم ستسألون الآخرين الذين ترونهم بأبدان فيلة: لم نجن شيئا ذا فائدة، أبداننا تعاني الأمراض فهلاّ تشفقون علينا؟

الرجل الآخر: – يكون الردّ قاسيا: لِمَ لَمْ تسألوا هذا السؤال ساعة كنا في ساحة العمل؟ (يضحكان).

العامل الأول: (لصديقيه): لن نكترث لكما. يرغبان في التأثير في عزائمنا لأننا نعمل. ونحن نعمل فهذا يعني أننا نسدي خدمات لوطننا ومجتمعنا، لن نستسلم للهوان. نعمل بكدّ وشقاء لأجل أن نبني الآتي.

العامل الثاني: – الآتي هو غايتنا.

العامل الثالث: – (ساخرا) ألا تقفان على أقدامكما؟

الرجل الأول:- ولِمَ نقف على أقدامنا؟ الآن الواقع يقف على قدميه؟ ألا ترى أنه يسير بالمقلوب؟

الرجل الآخر:- تريدون التأثير في عزيمتنا؟ كلا، لن يحدث هذا. نرغب في أن نرى الواقع مقلوبا على رأسه.

العامل الأول: – (لصديقيه). هيا بنا إلى بيوتنا لننعم بالنوم بعد أن أدينا الواجب.

(يصطفون ثم يسيرون ويرددون الكلمات التالية)

العمال الثلاثة: – عملنا لأجل أن نرى واقعنا متغيرا.

لن نيأس، على الرغم من كيد العِدَا

هيا هيا هيا إلى النوم

فغدا ينتظرنا شقاء العمل.

(يخرجون والنشيد لا يزال يتردد ثم يخفت شيئا فشيئا)

الرجل الأول: – إنهم يعملون. (يضحك).

الرجل الآخر: – إنهم يعملون (يضحك). يا للمساكين، لا يدرون أن للاعمل فوائده. (يضحك).

الرجل الأول: – يمكن لنا أن نتساءل: ماذا يجنون من العمل؟

الرجل الآخر: – ماذا يجنون؟ إنهم يجنون الشقاء طبعا. (يضحك).

الرجل الأول: – الشقاء هو المعنى الذي يسعى إليه العمال.

الرجل الآخر: – تبدو فكرتك ذات معنى مبهر؛ معنى عجيب يثير أسئلة وجودية عميقة. من أين تأتي بهذه الأفكار؟

لوحة: هبة العقاد

الرجل الأول: – من رأسي طبعا يا صديقي. (يضحك).

الرجل الآخر: – أنا أعرف أن الأفكار تصدر عن الرأس. وهل تأتي من الأقدام؟ ما يهمّني هو أنها فكرة عميقة. الشقاء هو المعنى الذي يسعى إليه العمال. يمكن لنا كتابتها بخط عريض في لوحة وتعليقها في مدخل البيت.

الرجل الأول: – وهذا يشبه ما يقوم به التجار عندما يرغبون في التأثير في الزبناء فيخطون في لوحات الكلمات التالية: أن تأكل من بضاعتي يعني أنك تسترد نصف عمرك، أو يكتبون: المتعة هي أن تأكل لحم الخروف المشوي في دكاننا.

الرجل الآخر: – وقد يكتبون: الشقاء هو ألا تأكل من لحم ثيراننا. (يضحك).

الرجل الأول: – ولمَ لا يكتبون: الشقاء معناه ألا تدخل دكاننا. (يضحك).

الرجل الآخر: – ولهذا أنا أعجبت بفكرتك صديقي اللاعامل.

الرجل الأول:- أنا شاكر لك هذا الإعجاب. إنه يثير فِيَّ حماسة المحارب.

الرجل الآخر:- هذا يعني أن اللاعامل حتى وهو لا يرغب في أن يجيد أيّ عمل؛ بمعنى آخر يرغب في ألاّ يعمل، فهو يجيد صناعة الأفكار.

الرجل الأول: – أنا شاكر لك هذا الامتنان. عرفت الآن أن الأفكار لن تذهب سدى. خلقت الأفكار لتغيّر واقعها.

الرجل الآخر: – الأفكار تعمّر طويلا حتى وهي تصدر عن الرعاع. يقولون إن هؤلاء هم اليد العاملة التي تبني المصانع والمنازل والشوارع، ولكنهم لا يدرون أنها تستطيع اختراع أفكار تقلب الدنيا رأسا على عقب كما يقال. (يضحك).

الرجل الأول: – من مثل أن الشقاء هو المعنى الوحيد الذي يسعى إليه العمال. (يضحك).

الرجل الآخر: – طبعا، طبعا صديقي اللاعامل، وأنا فخور بك أيّما افتخار.

الرجل الأول: – أنا شاكر لك هذا الإعجاب، وهو ينبئ عن نفس أبيّة تمتلكها تقدر العظماء من اللاعمال.

الرجل الآخر:- أنت رأيت كَمَّ السخرية التي أمطرنا بها العمال الذين أنهوا نصائحهم بنشيد العمال الأشقياء؟

الرجل الأول: – طبعا، طبعا.

الرجل الآخر: – يظنون أنهم أحسنوا صنعا وهم يسخرون منا نحن الذين لا نعمل. هذا يعني أن ثمّة خللا يعانيه الجسد العمالي. الناس الذين يعملون لا يعتنون بأعمالهم فيطورون مهاراتهم نحو الأحسن. لا، إنهم يعملون وهم يفكرون في الذين لا يعملون. هذا يعني ببساطة أنهم يهدرون أوقاتا جميلة في اللامعنى. لو كانوا يقومون بأعمالهم دون أن يفكروا فينا نحن الذين لا نعمل أو لا نريد أن نعمل أو لا نرغب في العمل لهان الأمر، ولكن أن يفعلوا وهم يعملون فهذا يعني أن الجسد العمالي في حاجة إلى عملية جراحية تستأصل العقل.

الرجل الأول: – وماذا لو عددنا الذين لا يعملون وهم يمتلكون وسائل الإنتاج التي يُسيِّرها العمال الأشقياء؟

الرجل الآخر: – أنا فخور بك وبالبطن التي أنجبتك صديقي.

الرجل الأول: – أنا شاكر لك هذا الامتنان صديقي.

الرجل الآخر: – سؤال ينبئ عن تصور قد يقلب دنيا العمل رأسا على عقب. فعندما نتساءل: ما المغزى في أن يعمل القلة لإعالة الكثرة نكون أمام معضلة وجودية لا تحل بالحساب أو الرياضيات. تحل ببساطة بالدعوة إلى اللاعمل.

الرجل الأول: – ولِمَ يجب أن يحدث هذا؟

الرجل الآخر: – ببساطة، حتى يستردّ العالم كرامته المفقودة في العمل. هل ترى معي أن العامل سعيد في المصنع وهو يعرف أنَّ لاعاملا يجني أضعاف ما يجنيه هو العامل؟ يكون ردك طبعا هو: كلاّ. وأنت محقّ في هذه الإجابة. والأمر يعود هنا إلى خطأ ارتكب عندما اخترعت المصانع والوظيفة اللعينة. في هذه اللحظة أقول: تبا لمخترعي المصانع والوظيفة. وهذا الشعور بالغضب لا يعني أنني ضد أن أعمل، ولكن ضد أن أعمل لأجل سعادة الآخرين.

الرجل الأول: – إذن أنت تريد القول إنك ضد الاستغلال.

الرجل الآخر: – طبعا. طبعا. تعمل كي يقول فيك ربّ عملك: أنت عامل وَفِيٌّ لعمله، وهو في الواقع يسخر منك في قرارة نفسه. تبا للعمل الذي يقترن بالسخرية.

الرجل الأول: – رجاء، انتظر.

الرجل الآخر: – ماذا يحدث لك؟ هل أصبت بالإغماء؟

الرجل الأول:- كلا. كلا صديقي. وهل يصاب بالإغماء من لا يعمل؟ أنت تثير ضحكي، ولهذا لا بأس أن أضحك قليلا حتى أروّح عن نفسي. (يضحك). أردت القول: ثمة فكرة تريد الخروج إلى الوجود.

الرجل الآخر:- أخرجها. ماذا تنتظر؟

الرجل الأول: – الطيبون يعملون لأجل بناء عالم سيْء.

الرجل الآخر:- أنا فخور بك صديقي.

الرجل الأول: – أنا شاكر لك امتنانك.

الرجل الآخر: – هذا يعني أن فكرة أن الذين لا يعملون لا ينتجون شيئا كاذبة. الطيبون يعملون لأجل بناء عالم سيْء. هذه فكرة قد تبني لنا فلسفة جديدة في الحياة. لا ننكر أنها ستثير حفيظة أرباب المصانع والوظائف لأنهم سيقولون حتما: هذا النوع من الأفكار ينشر الكسل بين الناس، والمصانع تحتاج إلى اليد العاملة التي تديرها، ولكنها فكرة جهنمية لخدمة فلسفة اللاعمل.

الرجل الأول: – رجاء، انتظر.

الرجل الآخر: – ماذا هناك صديقي؟

الرجل الأول:- فكرة أخرى تريد الخروج إلى الوجود.

الرجل الآخر:- أخرجها صديقي قبل أن تتوارى في غيابات العقل.

الرجل الأول: – ينشغل الطيبون بالعمل فلا يفكّرون في أن يحدثوا تغييرا في المجتمع على أساس التوزيع العادل للثروات.

الرجل الآخر: – أنا فخور بك صديقي.

الرجل الأول: – أنا شاكر لك امتنانك. أنت تثير فيّ حماسة المحارب.

الرجل الآخر: – ربما فكرتك تريد القول إن التوزيع غير العادل للثروات ينتج طبقتين؛ الأولى تعمل ليلا ونهارا، والأخرى تنشغل بتكديس الأموال. الحلّ يكمن إما في خلق مجتمع عامل وإما في خلق مجتمع غير عامل.

الرجل الأول: – ولكن يبدو أننا لا نستطيع أن نحقق لا المجتمع الأول ولا الآخر.

الرجل الآخر: – أرباب المصانع ومخترعو الوظائف خلقوا مجتمعين هما: الطيبون والسيئون.

الرجل الأول: – انتبه صديقي. ثمة جلبة على مقربة منا.

الرجل الآخر: – ومن يحدثها غير العمال الثلاثة الذين دأبوا على المرور بنا في الصباح والمساء.

(يدخل العمال الثلاثة من الجهة اليمنى)

العمال جماعة ينشدون:

عدنا من المصنع غير آبهين بالتعب

عملنا لأجل الإنسانية

نكدّ ونعمل لأنّ العمل كفاح

فهيا أيها العمال للنوم

فغدا ينتظرنا عمل ونجاح.

الرجل الأول: – لم تتعمدون إغاظتنا بهذا النشيد الوقح؟

العامل الأول: – منه نسترد القوة لمواجهة الأعباء.

الرجل الآخر: – هل تروننا ننشد نشيد اللاعمل؟

العامل الثاني: – كلا.

الرجل الآخر: – فلم تتعمدون إغاظتنا؟

العامل الثاني: – نأمل أن نراكما مقبلين على عمل يضمن لكما حياة كريمة.

الرجل الآخر: – (لصديقه الرجل الأول). أغظهم بفكرة من أفكارك العظيمة.

الرجل الأول: – الطيبون يتوهمون أنهم أسياد مع أنهم يخلقون مجتمعا خانعا للقوانين الظالمة.

الرجل الآخر:- أغظهم بفكرة أخرى حتى يعرفوا أن اللاعمل ينتج الأفكار العظيمة.

الرجل الأول:- يعمل العمال لأجل الإنسانية، هذا وَهْمٌ يشيعه الأسياد حتى يضمنوا استمرارهم في الشقاء.

الرجل الآخر: – (للعمال). وأنتم ماذا تفعلون غير أن تردّدوا أفكار الأسياد التي جنت علينا جميعا. في هذه الحال أقول تبّا للعمل ثلاث مرات. (يضحك).

العامل الأول: – فلنفترض أننا طيبون وأننا نخدم الأسياد، هل ترى أن هناك حلاّ يجعلنا منتمين إلى الإنسانية دون أن نرهق أنفسنا بتقديم خدمات مجانية؟

الرجل الأول: – اللاعمل أيها الطيبون.

(العمال الثلاثة يضحكون)

الرجل الآخر: – تسخرون مع أنكم لم تجرّبوا فكرة ألاّ تعملوا.

العامل الثاني: – عندما لا نعمل فهذا يعني ببساطة أن نموت جوعا.

الرجل الآخر: – فهل مات طائر أو فيل أو أسد أو نملة جوعا؟

العامل الثالث: – كلا.

الرجل الآخر: – اللاعمل يضمن لنا أن نسترد ما ضاع منا قبل مئات السنين، ولِمَ لا نقول قبل آلاف السنين.

العمال الثلاثة ينشدون جماعة:

العمل رمز الكفاح

نشقى ليعيش الآخرون

هم أولادنا أو أمهاتنا أو جيراننا

بالعمل والعمل والعمل نصنع الحياة.

الرجلان ينشدان معا:

نموت ونحيا

اللاعمل دأبنا في الحياة

نغيظ العدا ولا نبالي بالعمل

نحن طيور تحلق عاليا في الفضاء

خلق العمل للطيبين والأوباش

ولم يخلق للعظماء.

العامل الأول: – (لصديقيه) لِمَ نشغل بالنا برجلين آيلين للسقوط؟

العامل الثاني: – وكأننا نكلّم صخرتين.

العامل الثالث: – فلنواصل سيرنا.

العمال الثلاثة يتجهون إلى الجهة اليسرى وهم يرددون:

لم نشغل بالنا بالترهات العادية؟

هيا للنوم فغدا ينتظرنا عمل

ننال أجرا لأننا نخدم الإنسان

فلو كنا لا نعمل هل نلنا مبتغى؟

وهل استطعنا أن نعول أبناءنا؟

وهل حققنا الهدف الأسمى؟

فهيا للنوم يا إخوتي العمال

نسترد القوة لنواجه الشقاء.

الرجل الأول: – لهذا لم تنجح أيّ ثورة قمنا بها.

الرجل الآخر: – أنا فخور بك صديقي لأنك تمطرني بالأفكار العظيمة التي نحتاج إليها وقت الشدة.

الرجل الأول: – أنا شاكر لك امتنانك. أنت تثير فيّ حماسة المحارب.

الرجل الآخر: – ولِمَ تنجح؟ فهل اجتازت امتحان اللاعمل؟ (يضحكان).

الرجل الأول: – لم تنجح لأنها لا تقرن باللاعمل، فلو كانت لا تعمل لكتبت لها النجاة. على الأقل لتلج مرحلة دراسية عليا حتى تنال شهادة الدكتوراه. (يضحكان معا).

الرجل الآخر: – ولِمَ يكون عليها أن تنال هذه الشهادة وهي لا تجيد الكتابة ولا القراءة؟ (يضحكان معا).

الرجل الأول: – يجعلنا هؤلاء السفلة الذين يعملون ويرون في العمل سعادة الأولياء غبيين.

الرجل الآخر: – ولكن تيقّن حبيبي أننا عرفنا من أين تؤكل الكتف.

الرجل الأول: – نسعى إلى أن نرى هذا العالم بلا عمل. أن نراه مقلوبا على رأسه.

الرجل الآخر: – على الأقل حتى نسترد الكرامة التي افتقدناها مدة طويلة.

الرجل الأول: – لمّا حدثت الثورة قلنا ها قد حان زمن الفصل. ولكن تبيّن لنا أننا دخلنا نفقا مظلما. لم نستطع أن نشعل نورا نستضيء به لأن الأيادي التي تريد إيقاد الفتيل كانت مبللة. لا أعرف لِمَ يتحول الجلاد إلى نبيّ ويتحوّل الضحية إلى جلاد. ثمة خلل يعكّر صفو الحياة.

الرجل الآخر: – لن تنجح أيّ ثورة قمنا بها لأننا لم نمرّ بمرحلة اللاعمل. هذه المرحلة ضرورة لا بد منها حتى نفهم قيمة العمل. ولكن أن يكون هذا العمل مقترنا بالطيبة فقط، فهذا أمر مقرف للغاية.

الرجل الأول: – هوّن على نفسك صديقي. نحن بلا عمل فهل هذا مضيعة للوقت؟

الرجل الآخر: – كلا. كلا. هو مرحلة نكرّسها لنقد الذات.

الرجل الأول: – لا شك أننا لم نجانب الصواب، فلم ننقد الذات؟

الرجل الآخر: – على الأقل حتى لا يقال إننا لا نعمل لأننا نمقت هذه الوظيفة التي نتكبد الخسائر لأجلها. فلننقد الذات صديقي.

الرجل الأول: – ماذا يتعيّن علينا أن نفعل؟ هل نقول مثلا إننا أخطأنا؟

الرجل الآخر: – لن نصل إلى هذه المرحلة قط، وهي في الواقع مرحلة يصعب التكهن بنتائجها.

الرجل الأول: – هل هذا يعني أننا مقبلان على الاستسلام للعمل؟

الرجل الآخر: – كلا. كلا. ولكن لأجل أن نخطو ثلاث خطوات للأمام لا بد أن نتراجع خطوة واحدة. ربما سنقول إننا نحب العمل، ولكن بشرط أن يحقق لنا السعادة.

الرجل الأول: – أنت أذكى مما تصورت.لأن السعادة لا يحققها العمل طبعا. (يضحك).

الرجل الآخر: – ولم يحقق السعادة؟ لأننا نشبه الشجرة التي تنبت الثمار.

الرجل الأول: – أفهم من كلامك أنك ترغب في رفع راية الاستسلام.

الرجل الآخر: – ولِمَ أرفعها وهي لن تحقق لي السعادة؟ يمكن لنا أن نستسلم لأجل أن نتقدم ثلاث خطوات للأمام.

الرجل الأول: – لهذا السبب لم تنجح أيّ ثورة قمنا بها. نثور لأجل أن نتظاهر بالثورية. ماذا سيقول الأعداء؛ هؤلاء العمال الذين يعملون نهارا وليلا لإسعاد أبنائهم كما يتصورون؟ سيقولون مثلا: ها هما يشحذان الطبقة العاملة على أساس أن يخطوا ثلاث خطوات للأمام. أرى أنك أصبت بمسّ من العمل صديقي. ولم كنت أنتج الأفكار العظيمة التي نسعى بها إلى قلب دنيا العمل رأسا على عقب؟.

الرجل الآخر: – على غرار ما يحدث في الثورات. لا بد أن نخوِّن الثوّار حتى تبدو ناصعة البياض، وهذا يجعلها خرقة مبللة دوما بالدماء البريئة.

الرجل الأول: – فلننشد نشيد اللاعمل إن كنت لا تزال مؤمنا بخصال ألا تكون عاملا.

الرجل الآخر: – هوّن على نفسك صديقي. وكأنك تريد تخويني حتى تستأثر بروح اللاعمل. هوّن على نفسك.

الرجل الأول: – هيا فلننشد نشيد اللاعمل.

(ينشدان معا، ولكن يبدو أن صوت الرجل الآخر متراخ وكأنه لا مبال بما يقوم به. لا علينا)

خلقنا للاعمل فالعمل يجلب العار

فهيا نكافح لأجل أن نضمن العيش الكريم

أوفياء للمبادئ العظيمة

نقول كلمتنا ونمشي على الأشواك

لا نبالي بالعدا، فالحياة كفاح بلا عمل.

الرجل الأول: – يحدث شيء يثير الانتباه.

الرجل الآخر: – ماذا يحدث؟

الرجل الأول: – لم يعد صوتك قويا يصكّ الأبواب الصلدة.

الرجل الآخر: – ربما هذا يحدث بسبب الزكام الذي أصابني لأنني أقف على رأسي.

لوحة: هبة العقاد

الرجل الأول: – وأنا، هل تراني أقف على قدميّ؟ أنا مثلك اخترنا طريق اللاعمل سبيلا للوصول إلى سعادة البدائيين، يوم كانت الحياة تعاش بلا شيء، بالطبيعة والتواضع والبساطة. يوم كانت تدار بما يعنّ لك في خاطرك. يوم كانت بلا نهار ولا ليل، ولا ربّ عمل، ولا مصانع ولا وظائف ترهق البدن والفكر. (ساخرا). تقول لي إنك أصبت بالزكام، فهل رأيت أننا لم نصل بعد إلى المرحلة التي نستطيع فيها أن ندلي بآرائنا كما لو كنّا طيورا تحلق في السماء، وهي لا تعرف معنى الحرية ولا الديمقراطية، ولا العبودية. تعيش بلا هدف وكأنها تعيش في حلم لا ينقطع.

الرجل الآخر: – هل أفهم من كلامك أنني كذّاب أو مراب أو خائن ثورة اللاعمل؟

الرجل الأول:- هيا انقد الذات وقدّم لنا الحلول الناجعة لهذه الثورة اللاعملية التي أنجزناها، وهي لن تُعمِّر طويلا من وجهة نظري.

الرجل الآخر: – أتسخر مني صديقي؟ انظر إلى الثورات التي أنجزت عبر التاريخ، تبدأ ساخنة ثم تصاب بنزلة برد. فلنعدّ ما يحدث بيننا سحابة صيف. بعد ذلك تنقشع الغيوم لتصفو السماء.

الرجل الأول: – قل كلمتك وامش. قل إنك تستسلم وترفع راية الهزيمة مع أننا لم ندخل ساحة المعركة بعد. لن نتراجع أيّ خطوة إلى الوراء.

الرجل الآخر: – (وكأنه يتنصّت إلى أصوات أو هدير شاحنة أو عربة مجرورة). انتبه صديقي. ثمة أصوات أشك في أنها أصوات سيارات عابرة.

الرجل الأول: – ولتكن حتى أصوات قروش أو جرافات. قل إنك تستسلم وترفع راية الذل.

الرجل الآخر: – أهذا يعني أنني خنت ثورتنا؟

الرجل الأول: – بلى. ولهذا لم تنجح أيّ ثورة قمنا بها في عصور كثيرة. يقال دوما إن الثورات تنجزها الخراف وتأتي الثعالب لتأكل ثمارها.

الرجل الآخر: – أيّ ثمار؟ وأيّ خراف؟ وأيّ ثعالب؟ أسمع هدير عجلات، ولكنني لا أدري إن كانت أصوات عجلات جرافة أو عربة مجرورة أو شاحنة.

الرجل الأول: – كل الثورات تموت وهي لا تزال في مهدها. ألا تشتمّ روائح قمامة؟

(هدير عربة يقترب من مكانهما. صار هديرا قويا ومزعجا).

الرجل الآخر: – روائح قمامة؟ لا شك أن أعداء ثورتنا يريدون النيل من صمودنا. ارتأوا أن يكوّموا قمامة المنازل على مقربة منا حتى يغمى علينا. أنت تعرف صديقي أن الروائح النتنة تثير الإغماء.

(تظهر مقدمة عربة مجرورة وهي تندفع نحوهما)

الرجل الأول: – هي عربة مجرورة. ولكن ما معنى أن يقوم أعداؤنا بدفعها نحونا؟

(يدفع العمال الثلاثة العربة حتى وسط المسرح)

الرجل الآخر: – آه، يا أعداء الثورة. يا أعداء الثورات كلها؛ تلك التي مرّت، وتلك التي ستمر بنا. (يخاطب العمال الثلاثة) الآن فهمت لِمَ كنتم تتربّصون بنا؟ لِمَ كنتم تمرون بنا وأنتم تتشدقون بكلام معسول عن العمل؟. أقول لكم: تبا لكم. أنتم وَبَالٌ على ثورة اللاعمل.

(العمال الثلاثة يُميلون مقدمة العربة إلى الأسفل، ويدفعونها باتجاه الرجلين)

الرجل الأول: – ماذا تنوون فعله أيها الأوغاد؟ أتودّون رمينا إلى مزبلة التاريخ؟ أنتم لا تدرون أن التاريخ يعيد نفسه آلاف المرات.

(العمال الثلاثة يلقون بالرجل الأول في العربة)

الرجل الآخر: – أغظهم صديقي بفكرة عظيمة يسجلها التاريخ قبل أن تنطفئ أعيننا.

صوت الرجل الأول من العربة وهو لا يظهر للعيان:

- إن التاريخ لا ينكر أهمية أن تنحر الثعالب الثورات، ولكنها تعاود الظهور في أشكال مختلفة. التاريخ لن يرحم أحدا.

(العمال الثلاثة يلقون بالرجل الآخر في العربة)

صوت الرجل الآخر في العربة:

- لم تعمّر ثورتنا طويلا صديقي.

لا يردّ عليه الرجل الأول.

صوت الرجل الآخر: – لِمَ لا تردّ؟ هل متّ؟ هل انتهيت؟ لم يحن موتنا بعد. انهض من هزيمتك وأغظهم بفكرة عظيمة.

لا يردّ عليه الرجل الأول.

صوت الرجل الآخر:

- تركتني وحيدا، مغلوبا على أمره. لِمَ تفعل هذا بي وقت الشدة؟ انهض وأغظهم بفكرة..

(العمال الثلاثة يدفعون العربة باتجاه اليمين ثم يختفون عن الأنظار)

ستار.


كاتب من المغرب