قصتان

الجديد  سلام إبراهيم [نُشر في 01/09/2017، العدد: 32، ص(132)]

لوحة: سهيل بدر
الرفيق

عدنا مُتعبين. كان يسير جواري بعناء ونحن نصعد الجبل نحو مقراتنا. أحببته بشدة حال التحاقي بالثوار، وأفضى إليّ بأسرار كنت أجمد مذهولا، متيبساً من هولها. مع ذلك أحببته وبشدة ولا أدري لِمَ، هكذا أصبح قريباً إلى نفسي، وأمسينا نثق ببعض دون سؤال.

من غبشة الصباح كلفونا بالنزولٍ إلى المقر القديم في أسفل الوادي جوار النهر، لمعرفة ما جرى للرفاق، فقد وصل مع أول خيط للفجر رفيقان فقط من المجموعة يبكيان ويلطمان ويرددان:

- راح الرفاق!

البارحة وبعد منتصف الليل بقليل رأينا وهج القصف الصاروخي على الوادي، قلت مع نفسي:

- عليهم يا إلهي عليهم!

كان يسير جواري مرتبكاً، يريد أن يقول شيئاً لكنه يتردد ويثقل خطوه، قلت له أكثر من مرة:

- ماذا بك؟!

يحدق في وجهي بعينين ترمشان بسرعة وكأنه غير قادر على مواجهتي ويقول:

- لا.. لا.. ماكو شيء!

عبر قبلي إلى الجهة الأخرى حيث المقر، إذ انشغلت بالرفيق الذي انتحر على ضفتنا. لحقت به بينما بقي رفيقان مع رفاق ثلاثة يهذون ويشتمون متأثرين بقصفٍ بغاز الأعصاب. لحقت به متخذا ضفة النهر، وفيما كنت أنحرف نحو الممر الصاعد وجدته ينزل مسرعاً، قال لي:

- أبو الطيب لا تزال رائحة غريبة في المكان و”أبو جواد” استشهد.

حاول أن يثنيني عن الصعود لكني صعدتُ.

جمدت أمام جلال الموت الممدّد تحت قامتي. رفيق بالأمس كنا نضحك معاً يغور في رقدته الأبدية مرعوباً ومنديل مبلل يحيط بأنفه وفمه. انحنيت عليه لأسمع نبضه، علّ وعسى، لكن هيهات كان مندملا في أبديته.

دفناهم الثلاثة على عجل وعدنا بالناجين.

كان يسير جواري مخنوقا، يلوب ويتعذب من أعماقه. كان يحبّني بشدة. والحبّ أعمى. وقبل أن ننحرف في وادٍ جانبي طلب مني التمهل قليلا عن بقية الرفاق، فتلكأت. قرب وجهه من وجهي وقال بصوت خافت رغم انفرادنا:

- أبو الطيب، لقيت سبعين دينار بجيب “أبو جواد” وتقرير طبي من دكتورة “مريم” عن مرضه وعدم صلاحيته للبقاء مع الثوار!

- ما المشكلة؟

سألته بكل براءة، فرمقني بقوة وقال:

- أريد رأيك أسلم الفلوس للحزب لو أخذهن!

هنا صرت خبيثاً بالمعنى العميق لا السطحي. إذ لم أكن الصديق النصوح. كنت أستطيع أن أردعه، لكن أردت أن أكتشف أعماق رفيق أحببته بلا سؤال، فأجبته بحياد رغم تراجيدية الأحداث:

- ما أدري.. أنت تقرر رفيق!

وجعلت أراقبه بعينين فضوليتين، كان يتعذب بشدة حتى أنه حاور نفسه وأسمعني الحوار:

- أي ألمن أسلم الفلوس لفلان، أو لفلان، وهو وين الحزب، شو راح نتشرد، لو أسلمها لواحد راح يأخذها مو؟

كنت ألتزم الصمت وأنتظر قراره بحرقة. وأخيرا مزق التقرير الطبي وأخفى النقود.

من تلك اللحظة ابتعدت عنه مسافة، وقليلا.. قليلا أَذْبَلتُ العلاقة.

الغريب أنني لازلت أحبه.

حصار وتبعثر

حاصرتها العيون الجائعة والأجساد العاطة برائحة الفحولة التي ترتعش لخاطر الأنثى، الأرواح المسكينة الهاجسة بموتٍ دانٍ يحوم والتي هرأتها الأخيلة والأحلام والعادة السرية. عصفت بها العيون. وانهالت عليها دعوات الحب والزواج والمضاجعة ولم يمض شهر على دفن زوجها بمقبرة الموقع. كانت تأتي برسائل تجدها مدسوسة في فراشها ملقاة في طريقها أو يسلمها الشخص المعني بنفسه، رسائل غرام فاضحة وأخرى رزينة تأتي بها إلينا باكية، غير قادرة على تحمل ضغط الحصار الفظيع وفداحة فاجعتها الطرية. وكنا نقوّيها بحكيم الكلام حتى تقاوم جمره، والدسائس والقيل والقال المزدهر كلما تشددت في تمنّعها. قاومت رغباتها المستثارة. قاومت إلى حين. ثم انفجرت عنيفة بعد أن سعّرتها سيول الفحولة الجارفة، وخلاصاً من الانجراف في مهاوي ومتاهات الرغبة التي كانت تسرّ باشتعالها لزوجتي فقط، نصحتها بعد أن شاورتني بالاقتران بمقاتل، ما لبث هو الآخر أن قتل بعد أسابيع بقصفٍ جوي هاداً آخر حصونها، فظلت تدور بين زوج غيور وعشيق، مستعبدة لنزواتها العارية الصريحة حيث لا رواء. فأبعدوها إلى الحدود لِتَضيع في المنفى.

من مجموعة “طفلان ضائعان” ستصدر عن دار المتوسط.


كاتب من العراق

مقالات أخرى للكاتب:

  • سحر السينما