نداء بنفسجي

الجديد  عبدالكريم المقداد [نُشر في 01/09/2017، العدد: 32، ص(134)]

تخطيط: حسين جمعان
عانقَته الشمس، فشفّ عن تحفة مبهرة اللذة. فخذان صقيلان كالمرمر، يتطاولان ثم يتعانقان بلهفة تبعث الغصّة. وحين تنحني لتناول الثياب تبرق كل فتن الكون، فيغيب بصري من شدة التركيز.

لم ينته مهرجان نشر الغسيل إلا بخوار قواي. تركتُ النافذة التي كنت أسترق النظر منها، وتهالكتُ على أقرب كرسي. قررتُ ألا أدعها أبدا “جارتي وأنا أولى”.

اشتريت لزوجتي ثوبا شفافا مثله تماما. نشّفتْ ريقي حتى لبسته: عيب!

• زوجتي، وليس في البيت غيرنا.

تذرّعتُ بحجج كثيرة لأراقبها. انحنتْ. رفعتْ ذراعيها. ركعتْ.. لكنني لم أر فيها (نجوى) مطلقا.

في اليوم التالي، وحين شعرتُ بأن جارتنا توشك على الانصراف، بعد زيارة قصيرة لأختي، انتظرتها عند الممر الفاصل بين بيتينا:

• نجوى.

• حسن!

• قلبي يغلي، وسيحرقني إذا لم أقل لك ما فيه.

• سلامتك. قل.

• أفكر بك ليل نهار. صورتك لا تغيب عن بالي.

• ألهذه الدرجة!

• وأكثر. أحبك. أعشق كل ما فيك.

• اخفض صوتك. فضحتنا.

أمس، كنتُ أتملاّها في مخيّلتي. أستعيد بعضا من لقاءاتنا الحميمة، بينما الكل غارق في المسلسل التلفزيوني. فجأة دخل عمر، وزفّ البشرى:

• جاءت نجوى.

أسرعتُ إلى الباب:

• أهلا وسهلا. يا مرحبا. أدخلها يا ولد.

دخلتْ، فعدتُ إلى وعيي. كانت (نجوى) ابنتي!

بعد أيام من لقائنا الأول، أخبرتني أن إشارة استعدادها للقائي قميصها البنفسجي:

• إذا رأيته منشورا على حبل الغسيل، تعال.

صرت أعشق كل ما هو بنفسجي. ألتقيها في حوش بيتها، فنقبس من الجنة أحلى لحظاتها. وكم كنتُ أغتمّ حين يغيب القميص عن الحبل. اشترطتُ عليها ألا تأتيني إلا بالشفّاف ذاته، وحرّمتُ عليها أن تلبسه بغير لقاءاتنا. يا الله.. كم كان دافئا وحنونا وفواحا بشذى الأنوثة وهسيس الرغبات.

الشذى والهسيس عبقا في كل أرجاء بيتي حين زارتنا بعد سنوات. التورّد والليونة والفِتنة ذاتها، كأنها غادرتني بالأمس. شعرتُ بحالة خدر تام، فلم أقو على مفارقتها رغم تلميحات زوجتي المتكررة بضرورة ترك المجلس لهما:

• سأشرب القهوة معكما قبل أن أغادر. نجوى غالية علينا.

غالية كانت، ومازالت، لكن حين نشرتْ البنفسجي ذلك اليوم كان اللقاء عكرا:

• جاءنا خطّاب.

• ماذا؟!

• خائفة.

• وماذا كان ردكم؟

• أبي قال: سأشاور وأخبركم.

• وأنت؟

• تسأل!

• لن تكوني لغيري.

• لا تتأخر. لا أستطيع معاندة أبي.

معاندة أبي كانت أشدّ وأمرّ:

• أيّ زواج ولم تفقس البيضة عنك بعد!

• ستطير البنت من يدي.

• لتطر. البنات على قفا من يشيل.

جيّشتُ أمي وكلّ إخوتي لتليينه، وفشلوا. وبيني وبينها صارحتني أمي:

• أبوك على حق. لم تأخذ الثانوية بعد، فكيف تفتح بيتا؟

القميص البنفسجي ظلّ منشورا على الحبل لأيام، دون أن أجرؤ على لقائها. وفي نهاية الأسبوع صدحت في بيتهم الزغاريد.

أنهيت شرب القهوة، وتركتهما على مضض. كنت أتحرق شوقا لمعرفة سر زيارتها. لم أبتعد كثيرا، ولم أطل الغياب. جلستُ في المقهى المجاور، واتفقت مع عمر أن يسارع بإخباري حين تنصرف.

• طُلّقت المسكينة. قالت زوجتي.

• لماذٌا؟

• خلافات مستمرة مع زوجها وأهله.

هل؟ وهل؟ صارت تراودني أفكار لا فرامل لها. أبعد عمر ونجوى وكل هذه السنين؟ حاولتُ أن أنسى ما كان. نفسي انقسمتْ إلى نصفين، فرحتُ أزجر المتمرد منهما. لكن في ذلك اليوم، وبينما كنت أوائم بين نصفيّ، صعقتني المفاجأة:

كان القميص البنفسجي يرفرف على الحبل.


كاتب من سوريا