العنف ومشقة ترميم النظام العالمي المتصدع

يتناول المفكر الفرنسيّ بول دوموشيل في كتابه “التضحية غير المجدية.. بحث في العنف السياسي” ما يصفه بالفضيحة الناشئة عن التناقض بين ما يشكّل الوظيفة الرسمية للدولة، أي حماية أفرادها، والسياسات الهادفة إلى اجتثاث عدد كبير منهم، ويلفت إلى أنّ العنف الهائل الذي تقترفه بعض الدول ضدّ مواطنيها يشكّل انحرافاً فريداً للنظام السياسيّ.

الجديد  هيثم‭ ‬حسين [نُشر في 01/09/2017، العدد: 32، ص(148)]

ينطلق دوموشيل من فكرة أن التضحية التي يوجدها العنف السياسي قد أصبحت اليوم غير مجدية، وباتت غير قادرة على حماية الناس من العنف وغير قادرة على إيجاد نظام مستقر. ويحلل كيفية تحويل النظام السياسي للتضحية إلى عملية غير نافعة، وارتكازه على اقتصاد عنف له طبيعة التضحية ذاتها، أي تحويل العنف نحو ضحايا يمكن القبول بهم، وكيف أنّ العنف السياسي يوضع غالباً تحت مظلة صنف التضحية، التضحية للأمة، للطبقة العاملة، لقضية من نوع ما، وهي تتجاوز الفرد وتسمو عليه.

مفاهيم مقلوبة

يقسم دوموشيل، وهو مدرّس الفلسفة في جامعة ريتسوميكان في مدينة كيوتو اليابانية، كتابه (منشورات المنظمة العربية للترجمة، هالة صلاح الدين لولو، بيروت 2016) إلى ستة فصول هي “التضامن والعداوة” و”الدولة، العنف والجماعات” و”الإقليم والحرب” و”الخائن والعقل” و”اللامبالة والإحسان” و”العدالة الاجتماعية والإقليم”، ويشتمل كل فصل على عدّة عناوين فرعية بدوره.

يشير أنّ مفهوم الدولة ابتكر وأنشئ من أجل حفظ السلام الداخلي والاضطلاع بمهمة الدفاع ضدّ الأعداء الخارجيين، لكن انقلبت دول ضدّ أولئك الذين عليها أن تحميهم وجعلت من تدميرهم هدفاً لها. ويستهلّ تقديمه بالتذكير بالوظيفة الأساسية للدولة بحسب الفلسفة السياسية الحديثة، وهي تأمين الحماية لمواطنيها، حماية من بعضهم بعضاً، والدفاع عنهم ضدّ الأعداء الخارجيين، ويلفت أنه بالرغم من ذلك فإن هناك دولاً تمارس العنف ضد الشعوب المدنية وترتكب الإبادات الجماعية بحقّ شعوبها وتذيقهم صنوف التطهير العرقيّ والمذابح.

يلفت إلى احتكار السلطة الأخلاقية من قبل الدولة ويتناول قلب مفهوم العنف وتحويره ومحاولة التمييز بين ما يوصف بالعنف الجيد الذي تحتكره الدولة والذي تتصدى به لما تراه العنف السيّئ المخلّ بالقوانين والمجتمعات، والذي يهدف إلى إحلال السلام المفترض مقابل الفوضى التي يولّدها العنف السيّئ. ويجد أنّ التقسيم المشترك بين هذين الشكلين للعنف أمر جوهري في الدولة الحديثة، ويعطيها القدرة على حماية مواطنيها مستخدمة ما تصفه بالعنف الجيد بغية قطع دابر العنف الشرير.

يعرّف صاحب “جحيم الأشياء” العنف السياسي بأنه كل عنف يبرر نفسه بنفسه، ويكون العنف مشروعاً لأنّ الذي يمارسه هو ممثل للسلطة التي تصف نفسها بالشرعية للدولة، عسكرية كانت أو قانونية، وأن العنف الذي تخفق ممارسته في تبريره هو عنف إجرامي. وواقع أنّ العنف السياسيّ يستمدّ تبريره من مجرّد حدوثه.

يعتقد أنّ كلّ سلطة سياسية، احتكارية كانت أو لا، سواء كانت سلطة الدولة أو سلطة المتمرّدين الذي يعارضونها، ترتكز على انتقال نحو أهداف مقبولة للعنف، من جانب أولئك الذين يعترفون بتلك السلطة. ويرى أنّ تحويل العنف نحو ضحايا آخرين غير أولئك الذين كان يستهدفهم في الأصل، هو الذي يعظّم السلطة السياسية ويحمي الأفراد الخاضعين لها من عنفهم المتبادل، أي الذي يؤسس جماعتهم السياسية وصداقتهم المتبادلة.

ينوّه إلى أنّه بحسب النظرية السياسيّة الحديثة فإنّ العقل يؤسّس احتكار العنف السياسيّ، والاتّفاق العقلانيّ للشركاء في المجتمع يوجد الدولة. ويعزو سبب عقلانية الشركاء في المجتمع إلى أنهم يتخلون عن عنفهم ويعهدون إلى الحاكم باحتكار العنف الشرعيّ، أي القوة الضرورية التي تتيح له الدفاع عنهم إزاء بعضهم بعضاً وإزاء الأعداء الخارجيين.

تقسيمات جديدة

يدرس الباحث لامبالاة الحشود إزاء الجرائم التي تشهدها كأنّها تتابع مشاهد استعراضية بعيدة عنها، ولامبالاتها إزاءها، والخشية من مرتكبي تلك الجرائم لدرجة تبريرها لهم، ويعتقد أنّ ما يصفه باللامبالاة ليست تصرّفاً نفسيّاً بقدر ما تكون ظاهرة اجتماعية أساسيّة. ويعتقد أنّ تلك اللامبالاة تتطابق بهذه الصيغة مع ما سمّته المؤرّخة الألمانية حنّة آرندت بتفاهة الشرّ. يكون هناك عجز عن التفكير وعن وضع الذات محلّ الآخرين.

ويدرس كيف أن هناك تحويلات للعنف وتبريرات غير منطقية، وتحوّل العداء السياسيّ إلى عداء أخلاقيّ وتشكيها تطوّراً طبيعيّاً للنزاعات المسلحة، وأنه في عالم السياسة كما في عالم المقدس تتصل الأزمة باضطراب الآلية التي يحمي بها العنف ضحاياه المفترضين من البشر المهددين بالعنف الذي يفترض بأنه يدافع عنهم في الأحوال العادية.

يبحث في قضية العدالة الاجتماعية وواقع أن الهدف منها هو تحقيق المشروع الضمني للدولة الحديثة منذ نشأتها، أي تحويل كلّ الذين يسكنون إقليمها إلى “أصدقاء”، وألّا يبقى شخص واحد في حالة عوز، لأيّ سبب كان، وتضع الأساس للأخوّة بين جميع المواطنين.

يلفت دوموشيل إلى أن التقسيم الجديد للحيز الدولي إلى ملاذات محمية وإلى مناطق تركت تقريباً نهباً للعنف وللفوضى يوحي بنهاية الشأن السياسي كما هو معروف منذ أربعة أو خمسة قرون. ويعتقد أنّ اللاعبين الأساسيّين في المواجهات العسكريّة الهائجة اليوم ليسوا دولاً فقط وإنمّا هم أيضاً منظّمات إرهابيّة وشركات أمن خاصة، ويجد كذلك أنّ هناك دولاً تترك نهباً للنزاعات لتكون بيد لاعبين آخرين.

يتناول كذلك كيف أن التقسيم الجديد لعمل العنف يقوض بالتقادم بعد السياسي المتمثل في قدرة العنف على تبرير نفسه، ويؤدي إلى فصل الحيز الذي يحدث فيه عن ذاك الذي يستمد منه قيمته السياسية، من ذلك مثلاً أن العمل العسكري للحلفاء والشركات الأمنية الخاصّة في العراق أو في أفغانستان ليس له شرعية إلا في أعين أصحابها أو جهات تمويلهم، ويجد أن الانفصال لمكان العنف عن مكان شرعيته يمنعه من استطاعة المضيّ إلى حيث يمارس دوره السياسيّ في الاستقطاب والحشد. ونتيجة لذلك يرى أن العنف فقد ما يوصف بقيمته الإيجابيّة التي جعلت منه أمراً آخر غير مجرّد ممارسة التدمير.

يشير إلى أنّ أشكال العنف الذي تمارسه الدول ضدّ مواطنيها ليست حوادث عرضية تأتي من خارج النظام السياسي الحديث، وإنما هي على العكس أحداث تندرج احتمالية حدوثها على نحو عميق في بنيتها، وهي تشهد على إخفاقات الآلية التي تشكلها والمتمثلة في تحويل العنف نحو ضحايا مقبولين.

يؤكّد دوموشيل في خاتمة عمله أنّه ليست هناك نهاية واضحة لما يوصف بالحرب على الإرهاب، وأنه ما من فعل رسمي يمكن أن يرمّم النظام السابق ويعلن أنّ الحرب انتهت، وأنّ هناك إمكانية للعيش في سلام. ويجد أنّ الحرب على الإرهاب ليست حرباً يمكن بالمعنى الدقيق الفوز بها، وإنها حالة عنف لا يمكن فصلها عن وجود حالات عنف أخرى في العالم، وتعبير عن الأسلوب الجديد الذي تضفى فيه صفة المؤسسة الرسمية على النزاعات في عالم متعولم.


كاتب‭ ‬من‭ ‬سوريا‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬ليدز‭/ ‬بريطانيا