أغنية السأم والحب والخذلان

عبر ترجمة دقيقة ومتميزة، ثرية وسلسة ومنسابة كنبع صاف، يقدم لنا المترجم علي المجنوني رواية “أنشودة المقهى الحزين” للكاتبة الأميركية كارسن ماكلرز. وصدرت الرواية مؤخراً، عن دار مسكليانى للنشر.

الجديد  طارق فراج [نُشر في 01/09/2017، العدد: 32، ص(150)]

كارسن ماكلرز روائية من أرض فوكنر من الجنوب الأميركي. لقد مرت ثلاثة أعوام منذ أن قدمت لنا شخصية جون سنجر الأصم والأبكم، في رواية ” القلب صياد وحيد”، لتعود مجددا، لعشقها وافتتانها بحياة المهمشين والمنبوذين، إذ تحكي في أنشودتها تلك قصة مقهى في بلدة صغيرة قابعة في مجاهل الجنوب الأميركي -حيث تعرفنا من قبل على وليم فوكنر وغيره من كتاب الجنوب البارزين- مؤكدة على بعث حياة وتوثيق سيرة أشخاص سقطوا من دفاتر الحياة.

أو كما يقول مترجمها على المجنوني “واصلت ماكالرز في ‘أنشودة المقهى الحزين’ بحثَ موضوعاتِها المفضّلة: العزلة، النبذ الاجتماعي، السأم، الحب، الخذلان، العنف، الموسيقى. التزمت الرواية بأعراف أدب الجنوب الأميركي عموما والأدب الجنوبي القوطي تحديدا، ولكنها أيضا كُتبت بلغة شعرية رشيقة حملت باقتدارٍ الصراع الإنساني في بناءٍ درامي متين لا غرو أن يجعل من الرواية مطمحا للراغبين في تحويلها إلى خشبة المسرح وشاشة السينما، وعلى رأسهم المسرحي الأميركي البارز إدوارد أولبي”.

لايمن ويليس؛ ذلك القزم الأحدب، أو ابن الخالة لايمن الذي يظهر ذات مساء قاصدا بيت أميليا إيفان التي تصفها الرواية بأنها كانت “امرأة داكنة وطويلة بعظام وعضلات أشبه بالرجال. شعرها مقصوص ومسرح إلى الخلف من عند الجبهة، ووجهها الذي لوّحته الشمس مسكون بالتشنج والشحوب. كان يمكن أن تكون امرأة حسناء لو لم تكن، حتى آنذاك، حولاء قليلا”.وقع مارفن ميسي في حب الآنسة أميليا تلك التي تُنسج حولها ومن أجلها تلك النوفيلا القصيرة إلا أنها -كما نقرأ في الرواية- “منكفئة على نفسها ولا تعير اهتماما لحب الرجال”.

تكتب ماكلرز في أسلوب سردي شائق، يحيلنا إلى جلسات السمر التي يلتئم فيها الشمل حول حكاية يسردها الراوي على آذان مستمعيه. يتضح هذا الأسلوب الشفاهي جليا إذ أن الراوي يوجه حديثه في مواضع كثيرة من الرواية إلى مستمعيه مؤكدا على أمر أو ناصحا لهم ونلحظ هذه الملمح في مناطق كثيرة ففي أول صفحة يحدثنا الراوي “إذا مشيتَ على امتداد الشارع الرئيس في ظهيرة يوم من أيام أغسطس فلن تجد أيّ شيء تقوم به..”.

ثم يمضي الراوي خلال فصول الرواية في فرض وجوده، حتى لنشعر أنه يجلس بيننا بينما نقرأ/نستمع “لندع السنوات البطيئة تمرّ إذن، ونأتي إلى مساء يوم سبت في سادس سنة تمرّ منذ اللحظة التي جاء فيها ابن الخالة لايمن للمرة الأولى إلى البلدة..”، “تخيلوا الآن، للحظة، هذه السنوات من زوايا عشوائية وغير مترابطة..”، “الآن، لا بد من بعض التوضيح لكل هذا السلوك، آن أوان الحديث عن الحب..”.

يقول على المجنوني “وظفت ماكالرز إذن أسلوبَها السردي الغنائيّ في خلق مزيج من الأسطورة والكاريكاتور نسجته حول مثلثِ حبٍّ معقد، تتنصل فيه الآنسة أميليا من أنوثتها هائمة في حبِّ أحدبَ يعبُد بدوره مجرما وسيما متنمرا كان قد تزوج من الآنسة أميليا لمدة عشرة أيام”.

الموضوع ليس هو المهم في الرواية، ولكنها الطريقة التي يتناول بها الكاتب هذا الموضوع.. إن ما يجعل أيّ موضوع مادة روائية غنية وجاذبة هو قدرة الكاتب على تناوله سرديا وإيجاد آلية مناسِبة لصياغته شكلياً. يتضح المكان ويبرز جلياً من بداية الرواية، بل إن المكان يكاد يحظى بالأولوية، فمنذ العنوان والراوي يبدو كدليل يصحبنا في جولة تعريفية بالبلدة قبل الأبطال.. وكما يبرز المكان في صدر المشهد يتقهقر الزمن إلى خلفية النص فلا يمكن تخيل رواية بلا مكان، بينما نستطيع تغييب الزمن أو تجميده في الرواية، فالزمن يفقد سلطته وهو لا يؤدي إلى أيّ تغيير في بعض الأحيان.

في سهولة، نستطيع أن نلحظ عدم اتكاء الكاتبة على الزمن بل إنها تقفز عبر فترات زمنية طويلة لذا يكون ما هو أساسي وجوهري في العملِ ماثلاً في مجال اهتمام القارئ.

تبدأ الرواية بوصف البلدة ومتجر الآنسة أميليا “البلدة في حدّ ذاتها كئيبة، إذ ليس فيها ممّا يُرى سوى مصنع القطن، والمنازل ثنائية الغرف التي يسكن فيها العمال، وبضع أشجار دراق، وكنيسة بنافذتين مبرقشتين، وشارع رئيس بائس لا يتعدّى طوله مئة ياردة”، وكما كرست بداية الرواية لوصف المكان الذي يظل حاضرا بقوة تنتهي بالعودة لوصف البلدة وطريق شلالات فوركس حيث لا يزال أفراد العصابة المصفدة أو “الهالكون الاثنا عشر” ينشدون أنشودتهم الحزينة. هكذا يظل المكان طوال النوفيلا -على حد رأيي- هو البطل الأول، حاضنا الحكاية الشجية بمصائر شخصياتها القلقة والمقلقة ممّا يلمّح إلى قدرة الكاتبة وبراعتها في إعادة خلق واكتشاف عناصر المكان في سرد رهيف وشاعري يدفعنا بقوة نحو واقعية أكثر من مقنعة.

عن رأي النقاد يقول مترجم الرواية “تباين النقاد في وصف ‘أنشودة المقهى الحزين’، إذ وُصفت بأنها حكاية خرافية وحكاية جنيّات وأسطورة وحكاية رمزية وأمثولة وأنشودة أدبية، لكنهم اتفقوا على أنها خير ما كتبت ماكالرز، نظرا لغموضها الجميل وأحداثها الاستثنائية والأهم من ذلك كله شخصياتها التي لا تُنسى.


كاتب من مصر