تشاك بولونيك ورواية مصورة عن خراب العالم

شهد فيلم نادي القتال في التسعينات من القرن الماضي نجاحاً هائلاً، وتحول إلى أحد كلاسيكيات الثقافة الشعبيّة ومرجعاً للحركات الأناركيّة المعاصرة، هذا النجاح لا يرتبط فقط بالفيلم بل بالكتاب الذي يحمل ذات العنوان، والذي يقدم مقولات رفض عميق لأشكال الرأسمالية والدعوة لتدميرها، إلى جانب سخرية من أنماط الهيمنة والتسليع والعبودية الاستهلاكية التي يعيشها المجتمع الآن، ما دفع الكثيرين إلى تبنّي الأفكار الواردة فيه، وتأسيس نواد حقيقية للقتال يتبع أعضاؤها القواعد الواردة في الكتاب والفيلم بوصفها سبيلاً للخلاص الشخصي وتحطيم الصورة القائمة للعلاقات الاجتماعية.

الجديد  نادر سرور [نُشر في 01/09/2017، العدد: 32، ص(152)]

منذ أن صدرت الرواية الشهيرة “نادي القتال” للكاتب الأميركي تشاك بولونيك عام 1996 وبعد النجاح الذي حصده الفيلم عام 1999، بقي المعجبون والمتابعون يطالبون بجزء ثان من الكتاب والفيلم، وبقيت الإشاعات تتردد على مدار سنوات عن جزء ثان يعود فيه تايلر الأشقر إلى مخططه لتدمير الحضارة المعاصرة ومنتجات الرأسمالية التي تُشيّئ حتى مشاعرنا وتحوّلها إلى وصفات أدوية.

وبعد عشرين عاما من “نادي القتال”، صدر مؤخراً الجزء الثاني من الكتاب، بذات العنوان لكن بشكل “رواية مصوّرة”، القصة فيها لبولونيك والرسومات لكاميرون ستيوارت، لنتابع حكاية تايلر وعلاقته مع سيباستيان والصراع المستمر بينهما والتدمير الممنهج الذي يمارسانه على المجتمع والفن الكلاسيكيّ وكل مقولات التسليع التي تستلبنا كبشر.

بعد الانهيار

يتابع الكتاب الحكاية بعد نهاية الفيلم، إذ يتزوج سيباستيان من مارلا وينجبان طفلاً، لتعود بعدها المشاكل بينهما، وخصوصاً أن مارلا تحنّ إلى تايلر وتريده أن يعود للظهور وذلك بعد أن تمكن سيباستيان من القضاء على وجوده بتناول مضادات الهذيان والعلاج النفسي، لكن بعد أن يُختطف طفلهما نَكتشف أن تايلر ما زال نَشطاً أثناء نوم سيباستيان، لأن مارلا كانت تستبدل حبوب زوجها بأخرى مزيّفة، كما أن الطبيب النفسي كان ينوّم سيباستيان مغناطيسياً مستدعياً قرينه الأشقر، فيَكتشف سياستيان ذلك ويُقرر استرجاع ابنه عبر استدعاء تايلور ومحاولة التفاوض معه، في ذات الوقت تترك مارلا المنزل وتذهب للقتال في أفريقيا مع التنظيمات المسلحة في سعي لاستعادة طفلها بالتعاون مع أحد أصدقائها من اجتماعات المصابين بالأمراض المزمنة.

تاريخ الذهان

يَكشف الكتاب عن ماضي تايلر، وكيف رافق سيباستيان منذ طفولته حين قام بقتل والديه، ثم محاولاته للاستمرار بالـ”ظهور” ومرافقاً ابن سيباستيان الذي قام باختطافه، كما نقرأ عن أنشطة تايلر ومنظمته التي لها أذرع في كل أنحاء العالم، إذ أصبح الآن يمتلك طائرة نفّاثة خاصة به، إلى جانب أتباع أكثر بكثير من السابق، هو يسعى لتحقيق مشروع يشابه الطوفان العظيم المذكور في العهد القديم، إذ يريد قتل الجميع وإعادة الأرض إلى حالتها الأولى، مؤكداً أنه لا بد من جيل جديد حرّ خارج قيود الاستهلاك والرأسماليّة، إذ لا يمكن أن يولد أحرارٌ من عبيد، بالتالي لا بدّ من القضاء على جيل العبيد الأول، هو يدّعى أنه أشبه بنبيّ أو إله، فتارة موسى وتارة نوح، تايلر يريد تطهير العالم، هو حاضرٌ دوماً، هو فكرة لا تموت ولا تنتهي، بل تتجلى في كل من يؤمن بها.

كتاب ينتقد نفسه

تحضر في الكتاب تقنيات ما فوق السرد، واستعادة النصوص السابقة المرتبطة بهوس نادي القتال الذي يسخر الكتاب منه، إذ تحضر مشاهد من الفيلم لا بوصفه جزءا من تاريخ الحكاية بل بوصفه أيضاً منتجاً ثقافياً خرج من يد الكاتب. فالشخصيات تعي وجود الفيلم الهوليوودي وأبطاله وكأنها تعلم أنها ضمن رواية، إلى جانب السخرية من الكتابة ذاتها لنرى الشخصيات تسائل الكاتب نفسه، إذ يحضر تشاك بولونيك في الكتاب بوصفه يدوّن الأحداث التي تمر بها الشخصيات الآن، فمارلا تزوره في شقته، وينصحها بالحديث معه في حال واجهت مشكلات مع الحبكة.

كما أننا نقرأ النقاشات التي تدور بينه وبين أصدقائه حول كيفية بناء الحبكة وتكوين الشخصيات، إذ لا يكتفي الكاتب بالسخرية من نفسه بل من الشكل السردي أيضاً ومن “الطائفة” التي آمنت بالكتاب السابق وقدّسته، وهذا ما نراه في النهاية إذ يقف المعجبون والقراء على عتبة منزله محتجين على نهاية الكتاب التي يرونها سخيفة، إذ يموت فيها الجميع إثر سلسلة من الانفجارات النوويّة التي تضرب عواصم العالم.

يدعوا القرّاء الكاتب إلى تغيير النهاية، وهذا ما يحصل، إذ نقرأ نهاية بديلة يشترك فيها الكاتب مع المعجبين بتحرير مارلا وسيباستيان وطفلهما من كهف كانوا به أثناء الانفجار، لتستمر حياتهم بعدها، أثناء ذلك، يحضر تايلر بين الجموع، يسخر من بولونيك، ويقتله في النهاية لأنه لا يُكتب ما يريده تايلر، ليتحوّل الأشقر الفوضوي إلى فكرة تتجاوز النص نفسه، أشبه بفيروس يجتاح أجساد المؤمنين به، فبولونيك هنا يسخر من المعجبين بنادي القتال، وكأنه يقول إنه مهما فعل فلن يرضيهم.

صراع تايلر المستمر مع الرأسمالية وسعيه لتدميرها حرفياً يأخذ بُعدا فانتازياً في هذا الجزء، بوصفه مستحيل التحقيق، لا كالكتاب والفيلم السابقين، فتفجير كل مدن العالم برؤوس نووية لا يبدو منطقياً بل وحتى طوباوياً ولا يبدو متسقاً مع تقنيات تايلر السابقة في تحقيق أهدافه.

بالإمكان القول إن الكتاب والفيلم أكثر تماسكاً من الرواية المصوّرة الحاليّة، فأحياناً تضيع الحكاية وتتداخل الشخصيات بصورة تجعل الأحداث لا تبدو واضحة، فالكتاب مخيّب للأمل، وكأن قواعد نادي القتال كلها كُسرت وأصبح الجميع يتحدث عنه.


كاتب من سوريا