صحفة من الملح

الجديد  بنميمون أحمد [نُشر في 01/10/2017، العدد: 33، ص(82)]

لوحة: تانيا الكيالي
سبقته إلى مائدة الإفطار التي اعتادت تهيئتها بمختلف محتوياتها بنفسها، وشرعت في تناول ما تفضّله في العادة، دون أن تكون مضطرة إلى انتظاره، وهي تستمع إلى ما يأتيها، من مذياع متوسط بيضاوي موضوع على المائدة الزجاجية الصغيرة المستديرة، من ثرثرة ثقيلة، أو موسيقى أغان صباحية خفيفة أما هو فقد تعوّد في الأيام الأخيرة أن يكون آخر من يغادر الفراش محتجّاً أحياناً بما يكون قد عاناه من أرق، ساعةً قيبل الفجر أو بعيده بقليل فلا يعود إلى الاستغراق في النوم إلا بعد مكابدة هواجس، وتذكّر مواقف يعتقد في ساعات صحوه أنها رسبت إلى أغوار بعيدة في دواخله، لكنها تنتهز وقت أرقه، لتعود إلى ذاكرته حيةً كأقوى ما تكون، وأحياناً يفضل ألا يسارع إلى مغادرة فراشه، إما لكسل أو “لله في سبيل الله”.

وهو يظنّ أنها إذا جلست إلى المائدة، فليس لها ما يشغلها إلا تذكّر ما تكون مطالبة بإنجازه منذ صباحها، من شؤون البيت، ثم ذهاب إلى دروس موسيقى، ثم المرور في طريق عودتها منها على سوق السمك أو مجازر لحوم بيضاء أو حمراء ثم تختار ما يناسب هذه أو ذلك لدى أصحاب عربات بعض ما تشتهيه من خضار، وتنتقي بعدها فاكهتين أو أكثر قليلاً.

وهو على يقين من ذلك، إذ لا يتصوّر عنها مثلاً، أنها يمكن أن تذهب مع ذكرى بعيدة عن علاقتهما، ولا يسمح لمن ينعت أمثاله بشيء من السذاجة أو بعض غباء، وإن كان قد عرف ما حدث لكثيرين من صحو مفاجئ ذابح على ما لم يكونوا يتوقّعونه، فالزوج آخر من يعلم هكذا يقولون، فكم صدموا حينما وقفوا على لحظات انقلبت حياتهم معها بعد انتباه صحو مداهم، إلى حمأة عفنة من فساد وفجور لا يصدّقان.

- “لا قـدّر الله”.

قالها بصوت ممعن في الثقة بما يطمئن ويريح.

فهو إذن كان مثل كثيرين، يتصوّر أن الموت مصيبة لا تحلّ إلا بالآخرين، وهو في ذلك على قدر من السذاجة، يحببه إلى نفسه كونه لا يريد لها أن تسقط بين براثن قلق لا يرحم، فإنه واثق أن سقوطاً في محذور مثل هذا -إذا حدث- لا يمكن أن يمسّ طهارة ونقاء عشّه في أيّ حال، هذا ما استراح إليه منذ وقت بعيد، استراحة شبه مطلقة، ونام على يده اليمنى، إلى حدّ أنه يتمنى ألا يغادر دفء فراشه، صبح مساء.

وهو يفكر في كل هذا بينا موسيقى أغاني الإذاعات الصباحية الخفيفة تملأ سمعيه، حملته أجنحة غفوة لذيذة لكن لم يدر كيف وجد نفسه في جلسته المألوفة في المرحاض، فسمع وهو لا يزال محتاجاً إلى وقت لتنظيف أطرافه، وجوانب خفية من جسده، بأن هناك من يمسك بمزلاج الباب يريد أن يقتحم عليه حديقته السرية، فهبّ إلى الرّتاج يثبته حتى لا يدور ويستعمل أيضاً إحدى ركبتيه وهو يجلس القرفصاء، توقّعاً لاحتمال انفتاحه بأيّ ضغط خارجيّ يـفاجئه لم يكد يأتي بما قام به خلف الباب، حتى أحس أنه يمـّيز أصوات نسوة جئن إلى زيارة صاحبته، وقد تبين من بينهن أصوات بعض من يعرفهن من بينها.

كان لا يريد أن يرينه وهو في حال عريه كما هو الآن، داخل التواليت، فكان أن أمعن في إغلاق الباب عليه، لكنه رفع نظره إلى أعلى جدران التواليت فرأى هناك، كوىً عديدة تفتح ومن كل كوة يطلّ وجهٌ جميلٌ لفاتنة كانت ذهبت بصوابه ذات يوم، كم تمنى أن لو كان يقدر على الوصول إليها في أيّ مكان أو زمان كان، فهو لم يكن يستطيع أن يصدّق ما تبدينه الفاتنات من حياء إزاءه، إذا حدث أن قابل إحداهن في جمع عام، حفلاً كان أم جلسة عائلية عادية، أم صدفة على الطريق.

الله… الله… الله

ها هو ذا يرى فتحات في كل الجهات على شكل نوافذ صغيرة على جدران التواليت، شبيهة نوافذ هذه العمارات شاهقة الارتفاع التي تحيط بسكناه، عدداً وشدة اتساع، يتدفق من كل منها نورٌ باهرٌ، وفي سماء التواليت أيضاً، وجوه فائقة الجمال، تكاد تتدلى كألذّ ما تكون أحلى الفواكه المشتهاة، فوق أن هذا العرض أيضاً كان مصاحباً بضحكات مرتفعة، وأصوات أشبه بالبغام أو فوق ذلك بقليل، تأتي بغير انتظام منها ما يذكرك بأصوات بعض محارم من محيطك، فيمنعك ذلك مع الانسياق مع استيهاماتك المثيرة التي تتلاعب بك، فتلقي بك على أكثر من طريق أما حين لا تأتي إلا أصوات من تشتهيهنّ بكامل شغفك مما تتصور أنك حرمت منه خلال عمر طويل فإنك تنساق، ويحملك الحلم الذي لا تريد أن يصل بك إلى نهاية خاطفة دون أدنى شعور بالإثم أو تأنيب ضمير، حتى وأنت تعرف حدود أقصى ما تبلغه من ذلك، مع أن خطوك مقيّدٌ وأنت إذا صحوت على نداء أيّ منهن، تعرف إلى أين ينبغي أن تسير. وستظل الآن تحت هذا الحصار الذي لا تتمنى منه فكاكاً، رغم أنك رفعت صوتك ساخراً، وأنت تردد في فرح من عثــر على كسب، فلم تبق واحدة ممن تمنيت ذات يوم إلا وحضرت في كامل زينتها، تنتهي إلى سمعك نوبة عشاق بأصوات فتيات:

- “وجه الحبيب… ما كان أحلاه

غاب الرقيب… لا ردّه الله”…

فتذهل عن مكانك حيث تقبع مثل أسير، ويملؤك زهــوٌ فترفع صوتك بالغناء معهنّ وأنت تحاول أن تخفي فرحتك التي تخشى أن يفضحها ضحكك ولو من وراء حجاب.

لكن صوته يبلغ إلى مسامع المطلات عليه وهنّ يريـنه غارقاً في مباذله، فترتفع أصواتهن بالضحك الماجن والتعليقات الساخرة وبقدر ما كان يتضاعف اضطرابه وقد بدت لهنّ سوءاته، كانت الكـوى تزداد انفتاحاً، ووجوه الفاتنات المطلات منها عليه تتألق كثريّات باهرة الإضاءة، فيمعنّ في الاقتراب منه وقد كشفن عن مزيد من مفاتنهن.. مع ذلك لم يكن يبدو عليه أيّ ضيق، رغم أنه كان قد ضيّع مع اضطرابه كل تركيز، فلم يعد يعرف من أيّ جهة يطلب الماء وهو في بيت الماء، ولا أين يصبّه، ولا أين يعثر على ما يجفّف به ما ابتلّ من أعضائه.

ثم فجأة رأى نفسه يطير مجتازاً وسط البيت، في عودته إلى فراشه، وهو يسمع ردّ صاحبته، على ما سمعته من احتجاجه على سلوك من يزرنها، في وقت غير مناسب:

- يبدو أنك لن تتخلّى عن حيائك الشديد في مواقف لا يستحيي منها في العادة أحدٌ في الأسرة. فهؤلاء قريباتي، أتريدني أن أطردهن؟

فلم يعرف وقد فاجأه كلامها أيستريح إلى ما يسمعه منها أم أنها كانت تسخر مما لا تريد أن تكشفه أمامه مما تعرف عنه من أسرار.

أتكون تقصد لحظات خلوتهما التي لم تكن ترضيها، كما تستطيع أن تثبت ذلك بأقرب الحجج وأوضحها، فهي كانت متأكدة منذ أول لقائها به، أنها تقف أمام من انبهر بها عشقاً، فلذلك فهي لا تتصور -دون أن يكون فيما تتصوره أقل غرور منها- احتمال أن ينتقل منها إلى غيرها يوماً ما أما هو فقد اكتشف أنه كان قاصر التجربة إذ أدرك أنه كان عديم الممارسة، بل هي لم تعدم بين قريباتها من لاحظت حالته فلقبته سراً بينهن بالأبله، وأنها كانت أكثر واقعية منه، في كل عمره السابق على الارتباط بها، فقد بدا دائماً كأنه لا يعرف شيئاً عمّا حوله بل وعمّا ينبغي له أن يخوض فيه، كمحارب افترض فيه، كل من سمع عنه، أنه مجرّب خبير.

حقيقة أنه حمد منذ لقائه الأول بها حظّه الذي وضع بين يديه من الفتنة والسحر ما يفوق ملء ما كان يحلم به، لكنه بعد أن بدأت سلسلة الأخطاء تحيط به، منذ ليلتهما ألأولى، لعـن أيامه، وما كان عليه من قصور جذوره الحقيقية كانت تمتد في أعماق ذاته وأساليب تصرفات الكبار والصغار معه في كل مراحل حياته الماضية وتمنى أن لو كانت له تجربة زواج سابق، على ما ووجه به في ليلتهما تلك..

ورغم ذلك لم تـر بأساً في ما كان من تردده أمامها، في أكثر من مرة، رغم ألا شيء كان ينقصه منذ أول خطوة مشتركة في ما كان يتمنيانه صعودا نحو قمّة، لا انحداراً إلى حضيض:

- لا رجل يستحق ثقة امرأة، ولو أكلت معه “صحفة من الملح”*.

كان، وهي تقول ذلك، يستعرض في سورة شبق، تلك الوجوه رائعة الفتنة التي حاصرته، قبل قليل حتى وهو في أخس درجات ضعفه، من عريه الفاضح.

لكنه رفع صوته، وهو يريد أن يتستر على كل ما وجد نفسه مضطراً إلى إخفائه، من حقيقة أمره التي كان يخشى أن يصدر عنه ما يدل عليها:

- ما أصعب أن نتعرّض إلى الاختبار.

“لا جرّبنا الله” تذكر قول والدة أحد الشيوخ من أصدقائه، كان كثير الاستشهاد بما زوّدته به وكان ترحم عليها، يذكر دائماً أنها كانت معلمته الوحيدة.

- لم أفهم، أم تراك تهلوس أم أنت تهذي؟ قالت وكأنها تحتجّ.

- عنيت: أن الفرد منا قد ينهار أمام مفاجآت الطريق. أجابها.

– ماذا؟ علا صوتها في احتجاج حقيقي هذه المرة.

- صحفةً من ملح… لا أحد يقوى أن يأكل حـتى مجرد صحن ملح صغير فكيف إذا كان كبيراً.

قال هذا ممعناً في تضليلها، وهو يعرف أنها على حق في كل ما قالته من قبل وفي كل ما تقوله الآن أيضاً، ف آه.. لو كان في سعة لكان كرّر تجربته، دون أن يخشى لوم أحد، ولكان اختار بالفعل، ودون تردد أن يغيّر في النساء، وينكح من الزوجات ما طاب له، ويغير في ما ملكت يمينه منهنّ، باستمرار.

انتبه إلى وضعه، وهو يكاد يرفع صوته بما تهجس له به نفسه أو شيطانه، لو كانت أسعفته حباله الصوتية.

لكنه لعن ضيق ذات اليد: وهو يفكر في فقره وعذاب النار ولعن الظروف التي ما زالت دائما تجبره على الرضى بالقليل والخضوع لما يقيّده به واقعه المرير، بل هو يجتهد ألا يظهر ما يظهر من خضوع زائد، إلا استسلاما منه ومجاراة لما يسمّيه الناس الظروف، ولعن ظروفه أيضاً، فهو في أعمق أعماقه ينطوي على ما لا يوصف من تذمّر سوداوي هائل، ورفض عدميّ كبير، ورغبات وحشية ضارية لا تقاوم.


كاتب من المغرب