على حافة الجحيم

الجديد  حميد ركاطة [نُشر في 01/10/2017، العدد: 33، ص(84)]

تخطيط: محمد خياطة
أتذكر اللحظة التي اصطففنا فيها في طابور طويل، كنا ننطلق تباعا الواحد تلو الآخر لنقبّل يد الزعيم. ننحني دون أن نجرأ على رفع رؤوسنا إلى أن يأمر هو بذلك، أو يسحب يده متذمرا من روائحنا الكريهة.

سرت بخطوات مترنحة نحوه، انحنيت على يده لأقبّلها، بدت ذراعه الممدودة نحوي كرافعة جبارة في ورشة بناء؛ تلقفتها برهبة، لثمتها بقبلة حارة طويلة. انجرفت لحظتها بقوة نحو ماض سحيق، نفس اليد الذي كانت تكيل لي صفعا، ولكما قويّين. نفس اليد التي كانت تهددني بالموت وسبابتها ترتعش فوق زناد مسدس كان مصوبا نحو صدغي، ويداي مكتوفتين إلى الخلف..

كان الزعيم يهدّدني بالقتل وأنا مثبتة إلى دعامة خشبية وسط ساحة عارية.. جسدي الهزيل لم يكن قادرا على تحمل الأمطار الغزيرة، أو البرد القارص..

وجدتني أحدق فيه بشرود، وصمت، بينما كان ينهش صدري بعنين صغيرتين تنبعث منهما شرارة حب دفين..

يد باردة كالموت، ما فتئت تعبث بنهدي، ومؤخرتي لليال متوالية.. تشدني بقوة من شعري دون أن أنبس ببنت شفة، أو أمتعض، أو أعبّر عن آلامي أو أبدي رأيا أو موقفا.. الآلام كانت تجتاحني تزلزل كياني.. ويد الزعيم المتخشبة، الخشنة تنبعث منها رائحة الموت، تغرس أظافرها في جيدي تطوقه بحنق..

طالت انحناءتي التي أحسست أنها دهر كامل، تحوّل معها ظهري إلى جسر لعبور أحذيته الثقيلة نحو الجحيم..

التف بكرسيّه نصف استدارة موليا لنا ظهره، وهو يشبك يديه إلى صدره. بدت لي قامته أصغر بكثير ممّا توقعت، لقد هزل كثيرا، رفع سبابته فهبّ نحوه أحد حراسه الشخصيين، همس في أذنه ثم بصق متقززا على الأرض، أمده الحارس بعلبة مناديل ورقية مسح وجهه المتفصّد عرقا، ثم استدار نحوي من جديد. كنت لا أزال واقفة في مكاني.. أشار إليّ بيده، أمرني بالانصراف. ما كدت أفعل حتى صوبّ نحوي طلقة نارية من مسدسه، فتسمّرت في مكاني مرعوبة.

ضحك الزعيم، عقبت قهقهاته تصفيقات الحاضرين معه داخل خيمة نصبت فوق مصطبة عالية، لينخرط بعدها في نوبة سعال حاد.

ارتعشت فرائصي، خارت قواي، ولفّني دوار لعين. سمعت همهمات ووشوشات في كل الأنحاء..

عبّ الزعيم من كأس مثلّجة، أشعل سيجاره الكوبي، وتكاسل فوق كرسيّه الوثير، واضعا ساقه النحيفة فوق ركبته. بدت لي فردة الحذاء الأسود التي كان ينتعل، أكبر بكثير من مقاس قدمه التي كان يحرّكها بعصبية كبيرة، وهو مدسوس في سترته العسكرية الفضفاضة، المثقلة بالنياشين والأوسمة. بينما شاربة الأبيض الكث، يحجب عن الناظرين فمه الأدرد، ليبدو أنفه معقوفا كمنقار صقر، يحمل أثقال جسد مثبت إلى كتفين بارزين بينهما رأس حليق تحت قبعة عسكرية أكبر حجما.

علت موسيقى عسكرية على حين غرة، فوقف الجميع، وأعينهم شاخصة نحو الزعيم. في الوقت الذي كان هو لا يزال يحدق في مؤخرتي، التي بدت له لحظتها كمنطقة جديرة باجتياح عسكري مباغث، يرفع في رحابها علم تجريدة حرسه الخاص.

بدأ الاحتفال بيوم النصر، على منصة خشبية تتوسط الفضاء الفسيح، توالى شعراء مفوّهون، وكتاب مأجورون، قوبلت خطبهم المزخرفة بسيل من التصفيق العارم، والتهليل منقطع النظير.

من خلف نظارتيه الطبيتين بدا المكان للزعيم، غارقا في ضباب كثيف. وهو يسلم جسده المثقل بالأحقاد، لرصاصة قناص أصابته في مقتل.


كاتب من المغرب