سرقات صغيرة

الجديد  فاطمة الزهراء الرغيوي [نُشر في 01/10/2017، العدد: 33، ص(85)]

لوحة: ياسر صافي
إنني خائفة من كل شيء. أمشي بجسدي الغريب. لم أتقبّله بعد، هذا الجسد الذي يمتدّ في كل الاتجاهات. لديّ الآن كرتان في الصدر، وعشب ينمو تحت إبطي وما بين ساقي. ولديّ هذا الخوف الذي يتغلغل عميقا بداخلي.

كنت صغيرة عندما قال لي أبي:

- أنت كبيرة الآن. لن تحتاجي لعبا لأنك كبرت.

أبي الذي لم يشتر لعبا لأخي الصغير أيضا، كان يتحاشى النظر إليّ. وأنا منذ ذلك الوقت أردته أن يراني فقط. عندما كان يعود مساء من العمل، كنت أستقبله مثلما كانت تفعل أمي. ولكنني فشلت دائما في أن أُردّ ابتسامته. كان يجلس على طاولة الأكل، يقسم بيني وبين أخي ما طَبَختُهُ. وأحيانا يتوقف عن الأكل كأنه تذكر شيئا، ثم يقول لي:

- أحسنتِ.

هكذا كنت أنمو بين رجلين وبين الفراغ الذي خلّفه رحيل والدتي. لا أعرف سبب موت أمي. أتذكر فقط أن شيئا ما كان ممدا وسط الدار. كان مغطى بثوب أخضر ذي نقوش مذهبة. قالت لي صديقتي التي توقفتُ عن اللعب معها لأنني كبرت:

- إنها أمك الميتة.

ثم لم أر أمي بعد ذلك. وكبرتُ. وكبرَت أشياء أخرى. وأبي الذي لم يكن ينظر إلى وجهي ابيضّ شعره وانحنى ظله قليلا.

في بداية الأمر، كان يذهب إلى السوق، ويجلب لنا خضرا وفواكه وقطاني وسمكا وأحيانا دجاجا أو لحما. كان ينسى غالبا أن يقتني لنا ملابس جديدة، حتى نبّهته جارتنا الطيبة. ثم أصبح يشتري لنا ملابس فضفاضة نكبر بداخلها أنا وأخي ونحن نضحك من الأكمام الطويلة وندفئ بها أصابعنا كلما اشتد برد الشتاء. لاحقا -ولأني كبرت حقا- بدأت أذهب إلى السوق. كان عليّ أن أشتري لوازم البيت، وثياب أخي وفوطا صحية.

ثم بدأت أنتبه للثياب المعلقة في واجهات المحلات. وبدأت أنتبه لصديقاتي اللواتي لم ألعب معهن وهن يتزيّنّ بالملابس. ولكنني لم أتخذ قرارا حقا. لقد فعلت ذلك فقط. وقفت أمام البائع وسألته عن ثمن القميص المدرسي. طلبت منه واحدا يناسب مقاسي، وإذ استدار ليجلبه، مددت يدي والتقطت علبة جوارب النايلون ثم وضعتها بخفة في حقيبة المشتريات مع الخضر ونصف كيلو السمك وكيلو التفاح.

لقد كان أمرا يسيرا جدا. كرّرت ذلك كثيرا. اشتريت بالمال كل الأشياء إلا جوارب النايلون تلك، كنت أمد يدي إلى كل أنواعها وآخذها. من قال إن ذلك أمر يصعب فعله؟

أبي الذي لم يكن ينظر إليّ، لم يكن لينتبه. أخي الذي كان قد كبر كفاية ليبدأ اللعب مع أطفال الحي، لم يكن قد كبر بما يكفي لتثيره جوارب النايلون. واعتقدت الجارات أن أبي يبالغ في دلاله لي تعويضا عن خسارة أمي. صديقاتي كن يحسدنني. وأمي… لقد كانت ميتة وصامتة. وأنا أحببت تلك الجوارب الشفافة بكل أنواعها.

ثم كبرت حقا. مرات كثيرة كنت أكبر. في المرة الأولى ماتت أمّي وتوقفت عن اللعب. في المرة الثانية ذهبت إلى المدرسة وحدي، ثم رافقت أخي ممسكة بيده الصغيرة كأنها يد الله المُطَمْئِنَة. في المرة الثالثة ذهبت إلى السوق. وكان أخيرا عليّ أن أكبر لأذهب إلى الجامعة. عندما مددت يدي لآخذ رواية L’amant توقف حبي للجوارب. بدأت أمدّ يدي لآخذ الروايات بينما أشتري كتبي الدراسية.

لم أكن محتاجة لأخذ شيء آخر. كانت الروايات تكفيني وهي تهربني أبعد من نظرة أبي الغائبة، ومن غياب أخي الذي انتقل ليلعب في ساحات الكرة. وظللت أكبر. تعودت على تلك الامتدادات التي التصقت بجسدي حتى كأنها صارت جزءا منه. لن يصدق أحد أنها إضافات غير ضرورية لطفلة لم تلعب كفاية. ونما الخوف أيضا. الخوف اللذيذ الذي كان يجلس بداخلي ويجعل كل فرائصي تهتز وأنا ألبس جوارب النايلون في البداية، ثم وأنا أتكوم فوق سريري لأقرأ الروايات.

ثم كبرت مرة أخرى -أدرك الآن أننا لا نتوقف عن التقدم في الحياة-. كبرتُ ولم أعد أسرق الروايات، أنا أسرق الحياة الآن. أمشي ببطء وأبتسم للأطفال وللسماء وللنهر الذي يختطف منّي قبلة كلما حاذيته. قالت لي المرأة التي كانت تتنفس بصعوبة “لا تأخذي زوجي منّي”. وكان يجب أن أنظر طويلا إليها، وأن أتعاطف قليلا معها: يمكنني أن أسرق كل الأشياء ولكن زوجك ليس شيئا، أردت أن أخبرها بينما كنت أنزع عني الخوف، أقشره مثل قشرة برتقالة وأرمي به في وجه المرأة والناس الذين كانوا يتفرّجون في الفضيحة. لستُ فضيحة، أردت أن أصرخ. أنا طفلة تلعب.


كاتبة من المغرب